زنازين مصر.. فكّي عن أعناقنا الأغلال فلسنا بمُقمحين!

ألقيتُ نظرةً طويلةً على خبرِ وفاته، ولعدّة دقائق مرّت على قلبي وعقلي ونفسي زمنًا، مكثت في الرّكن الذي أنا فيه، أتمعّن اسمه وكأنّي أقرأه للمرّة الأولى، أو كأنّني عرفته اللحظة، أو كأنّ صاعقا كهربائيّا أصاب جزءا من ذاكرتي خبّأتُ فيه إحدى مآسي هذه الأمّة وتفاصيلها، تلك التي بنيت لها في ذاكرتي البائسة بيتا مطليّةٌ جدرانه بجميع ألوان القهر، ثمّ كتبت بكلّ دمعة عليها أبيات شعرٍ أنعى فيها كلّ القلوبِ التي كُتِب عليها أن تُقتل ظُلما وقهرًا، وكُلّ العقولِ التي خالف أصحابها الفرعون فصُلّبت أجسادهُم داخل زنازين الموت، ثمّ قُطّعت أيديهم وأرجلهم من خلاف حين آمنوا بالحقّ ونطقوا به، وحين ثبتوا على قضايا أوطانهم، بل وحين حافظوا على الإنسان فيهم، ورفضُوا التجرّد من كرامتهم وضمائرهم، ودفعوا الغالي والنفيس لألّا تدخل أفعالهم وأسمائهم إلى مزبلة التاريخ، وهل أغلى من حياتك تدفعها ثمنًا؟

بعد نظرةٍ طويلةٍ إلى ملامحه من وراء القضبان لم أرفعها إلا مكلّلة بالمرارة والقهر، الدكتور محمد مرسي الرئيس الشرعي الوحيد لمصر، ستّ سنواتٍ من القتل البطيء، ستّ سنوات في سجن منفرد، ستّ سنواتٍ من التعذيب النفسيّ والجسديّ، ستّ سنوات من الحِرمان، ستّ سنواتٍ من الاتهامات الباطلة، ستّ سنواتٍ لا يعرف عن أهله شيئا، لا هو يرى نظرة عطفٍ منهم، ولا هم يتفحصون ملامحه عن قرب، ستّ سنوات رأى فيها ظلمة القبور في سجون القتلة، مات فيها شيئا فشيئا، ثمّ هاهم اليوم يعلنون عن جريمة قتلهم له، ليأخذوه من مقبرة الباطل إلى مقبرة الحقّ حيث نحتسبه إن شاء الله شهيدا سيحظى عند ربّه بمنزلة الشهداء.

الله لتشهد الأرض التي خضبتها دماء المسلمين ودموع الأمهات في كلّ مكان على كلّ قاتل وعلى كلّ ظالم وعلى كلّ من خان الأمانة، والله لتسألنّ عن دينكم الذي لا تنفكّون تشترون به ثمنا قليلا

نودّعه وداع الخاذلين المخذولين، تماما كما ودّعنا من قبله، وبنفس الخذلان سنودّع من بعده، نعم.. بنفس الخذلان وبنفس المرارة وبنفس القهر وبنفس العجز، دون أن نزيد شيئا على أن نبكي بكاء المتفجّع، لأنّنا وبكل بساطة محكومون بأن نبقى تحت وطأة حُكّام كراسيّهم نفسها منهوبة، افتكّوها عنوةً بالانقلاب على من جلس على نفس الكرسيّ بطريقة شرعيّة، وبطانةٍ مفسدةٍ لا تعرفُ ضمائرها الآثمة سوى عويل النّساء على خطرٍ قد يُحدقُ بإحدى مناصبها، يضربُ بعضهم بعض، ويحفرُ بعضهم الأجباب لبعض، بأسهم بينهم شديد، وقلوبهم شتّى، وبعضهم عدوّ لبعض، وإذا أعلنوا حربًا فقد أعلنوها لقتل بعضهم البعض..

يذكّرني عصر الظلمة هذا بقول المنفلوطي في كتابه "العبرات" يصف فيه قذارات الملوك فقال "إني أعلم أنّ المُلك الذي يتولى أمرهُ الجاهلون الأغبياء لا دوام له ولا بقاء، اتّخذ بعضُكم بعضا عدوّا، وأصبح كلّ واحد منكم حربا على صاحبه، فسُقتُمْ المسلمين إلى ميادِين القِتال يضرب بعضُكم وجُوه بعض، والعدوّ رابضٌ من ورائكم يتربّص بكُم الدّوائر ويرى أنّ كُلاّ مِنكُم قائدٌ من قّواده ينبعث بين يديه لقتالِ أعدائِه والمُناضلَة على مُلكِه حتى رآكُم تتهافتُون على أنفُسكم ضُعفا ووهنًا فاقْتحمَكُم، فما هي إلا جولةٌ أو جولتانِ حتى ظفر بكُم معا".

ما أكثرنا اليوم وما أكبر عددنا نحنُ المُسلمون ولكنّنا وكما قال فينا نبيّنا الكريم الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه "يوشك الأمم أن تداعى عليكُم كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتِها، فقال قائل: ومن قلّة نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ ولكنّكم غثاءٌ كغثاء السّيل".. منقسمون مشتّتون، أذلّاء في أوطاننا، دمائنا مسفوكة بأيدينا، أعداء بعضنا البعض، نشمتُ بمظلومنا ونحكمُ عليه أنه أشرّ النّاس وندّعي كذبا وبهتانا أنّه في جهنّم خالدا فيها لنرضي هوانا وحُبّ العبوديّة فينا، وفي كلّ نائبة تطلّ رؤوس الأنعام من تحت مظلات العبوديّة لتفرج فاها بالجهل والكذب لتزيد مآسينا..

والله لنسألُ جميعا، والله لتسألن جميعا، عن أرواح الأبرياء وعن قتل المسلمين، والله لتشهد الأرض التي خضبتها دماء المسلمين ودموع الأمهات في كلّ مكان على كلّ قاتل وعلى كلّ ظالم وعلى كلّ من خان الأمانة، والله لتسألنّ عن دينكم الذي لا تنفكّون تشترون به ثمنا قليلا، وتبيعون ما آتاكم الله بعرض من الدنيا، والله ما تقتلون إلا أجسادا ستبقى أرواحهم فينا حيّة، والله كلّما حاولتم تمريغ كلمة الحقّ في التراب فلن تزيد إلا علوا ورفعة "وقُل جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنّ الباطِل كان زهُوقًا"، لك الويلُ.. لك الويلُ يا صَرْح المظالم مِن غدٍ إذا نهَض المُستضْعفُون وصَمّمُوا.



حول هذه القصة

تظاهرة الحب التي انفجرت في وسائل التواصل، وملأت المساجد بمن اصطفوا ليصلوا صلاة الغائب على روح الدكتور مرسي، قد أثارت غيرة الكثير ممن كانوا يزعموا أنهم من أهل العدل والإنصاف.

في فترة رئاسة مرسي كان واضحا للعيان سخط الدولة العميقة على الإخوان وتيارهم عامة وعلى الرئيس بصفة خاصة، وهذا ما كان متجليا من خلال الإعلام الذي كان يجابه أصحاب السلطة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة