مسافة في عقل رجل.. تساؤلات حول الدين

في سياق قراءة رواية مسافة في عقل رجل للكاتب المصري علاء حامد، نواصل استعراض ما تضمنته الرواية من تساؤلات، في هذا السياق تحدث الكاتب عن صورة الإنسان بعد بعثه، واعتبر أن الأقرب إلى الصواب هو أن الإنسان سيُبعث على الصورة التي مات عليها، ثم تساءل حول مدى قدرة أهل الجنة على توفير مستلزماتهم دون حاجتهم إلى العمل، أم أنهم سيستمتعون فقط بملذات الحياة هناك. وهكذا افترض في سياق هذا الموضوع أن أهل النار هم الذين سيعملون لخدمة أهل الجنة، كما تساءل الكاتب حول اللغة التي يُفترض أن يتم التواصل بها في الجنة بين شخص بدائي لم يعتد أن يتحدث سوى بهمهمات وآخر في عصر حديث، وعن نوعية المجتمع الذي سيكون في الجنة. كما افترض الكاتب كذلك أن الإنسان قد يكون خالدا، ولن يتألم، وهكذا سيكون على طبيعته العذرية بعد أن فقد أحاسيس الحياة، من حب وخجل وطعام، ثم تطرق الكاتب إلى موقع هذا الفندق الإلهي، وعن الأجواء التي تخص هذه الجنة انطلاقا من الأوصاف التي ذكرتها الأديان بخصوصها.

 

أشار الكاتب في معرض حواراته داخل الرواية أن الإنسان استكشف بواسطة عقله عدة أفاق متنوعة للاستمتاع تفوق تلك التي تعد بها الجنة، واستدل بمثال أن الوعد بالفضة والذهب، لن يحمل أي معنى للإغراء، طالما أن هذه المعادن تفقد قيمتها نتيجة تلبية حاجة طالبها وقت طلبها دون عناء. وانتقد الكاتب في نفس السياق ما قام به المتفقهين بدعوتهم إلى الإيمان بكل ما في الأديان من نقائص تحت حجة مظلة حظر النقاش لكل أمر يصعب على العقل إدراكه حتى لو خالفت أحكامه البديهيات المنطقية، هذه القاعدة تخالف التفكير العقلي، واعتبره الكاتب أن ذلك انتهاك لحرمة قُدسية العقل، وهكذا يصبح اليقين في الخرافات أقوى من اليقين في المنطق، وهذا ما أدى إلى العديد من جرائم الدعارة الفكرية، وتم في المقابل إباحة كل ما يرفضه العقل، ونتج عن ذلك انتشار الإرهاب الفكري الديني، والذي يحاول تحطيم البديهيات العقلية تحت ستار هذا الخطر الإلهي المفروض على كل نقاش لأحكام الأديان، وهكذا بات إعمال العقل والمنطق والفكر يجلب الاتهام بالكفر والردة.

 

ستدل الكاتب بالنظريتين المتعارضتين اللتان تفسران قضية الإنسان في هذا الوجود؛ حيث تعتبر الأولى بأن الإنسان جاء نتيجة التطور في عالم مادي عمره ملايين السنين، وذلك نتيجة تفاعلات كيميائية

ناقش الكاتب ما ينطوي على الجحيم من أساليب الترهيب والتخويف بعذاب النار، وهي الفكرة التي تستمد جذورها من الفكري البدائي القديم الذي يقوم على التعذيب الجسدي، وهكذا انتقل الأمر من التخويف البشري إلى التخويف الإلهي، هذه الفكرة هيمنت على الأديان، ذلك أن هذه الأخيرة تلجأ إلى الترهيب والترغيب، عن طريق الاعتماد على فكر خفي، وذلك من أجل دعم حقيقة لا تسندها سلطة أو قوة على أرض الواقع، من خلال ذلك يتم اللجوء إلى التخويف بالنار بعد البعث أو الترغيب في الجنة بعد الموت، واعتبر الكاتب أن فكرة النار ليست سوى هرطقة عقلية، ونظرا لما ينطوي عليه إشكال العذاب داخل القبر من غموض، فقد قوبل الأمر بتفسير حول عذاب الروح في القبر وعذاب الجسد يوم البعث، ذلك أن ربط العذاب المحسوس بمعنى خفي وهو الروح، فهذا الأمر يقضي على القضية.

 

واستنتج الكاتب أنه لا يمكن بناء حقيقة على وهم، وطرح الكاتب تساؤلا منطقيا: كيف يقع العذاب وهو معنى نعرفه جميعا على الروح التي نجهل كنهها أو مدلولها؟ واستطرد الكاتب بمعقولية الإيمان بالصور المادية للعذاب دون مناقشة صحتها أو جدواها. وعموما يرى الكاتب بأن الحقيقة العقلية تغيب عما ورد من الأوصاف التي تخص العذاب باعتبارها لا تتفق مع العقل، ويتجلى هذا التناقض من وجهة رأي الكاتب إذا ما تم ربطها بقضية الوجود المطلق والوجود الحقيقي، وذلك نظرا لغياب حقيقة تثبت تحول الموجود المطلق إلى موجود حقيقي، ولذلك يبقى مجهول لا يمكن تصديقه. ثم اعتبر الكاتب أن فلسفة العقاب من اختراع الانسان، مبررا ذلك بأنه لو تم التعامل مع المجرم على أساس أنه مريض وليس مخطئا، ستصبح جهنم كمصحات للمرضى.

 

استدل الكاتب بالنظريتين المتعارضتين اللتان تفسران قضية الإنسان في هذا الوجود؛ حيث تعتبر الأولى بأن الإنسان جاء نتيجة التطور في عالم مادي عمره ملايين السنين، وذلك نتيجة تفاعلات كيميائية، منذ اللحظة التي انقسمت فيها خلية ألامبيا ليشملها التطور إلى الإنسان أرقى الحيوانات، من خلال هذه النظرية يمكن اعتبار الانسان نظرية مادية بحثة وجد بالصدفة وسيموت بالصدفة، وبموته سيصبح مجرد ذكرى في أروقة الحياة، حيث لا إله ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار، والأديان ليست سوى صيغ بشرية ذكية، والإنسان ابن الطبيعة، وسيفنى جنسه البشري بالصدفة، ويمكن أن يأتي جنس آخر مختلف عنه. أما النظرية الثانية ترى أن هناك إرادة عليا ترسم لهذا الكون لوحاته الرائعة، وتخطط وتهندس له مشاريعه، وأن الإنسان ليس سوى صورة من هذه الصور التي ارتضاها الرسام الماهر لتحقيق مبادئه، وأن صلة الله بالإنسان مثل الصلة بين التيار الكهربائي الذي يغذي مصابيح صغيرة، وهذه المصابيح هي البشر، تنطفأ وتموت إذا انفصل التيار عنها، وترتبط بهذه النظرية ما يسمى قضية الخلق.

 

يرى الكاتب بأن نظرية الخلق في الأديان يعجز العقل عن فهمها، ذلك أن ما تدور حوله نظرية الخلق يختلف عن الحقائق العلمية، وتساءل الكاتب لماذا لم يخلق الانسان من العدم كما خلقت الأرض؟ وأردف الكاتب ذلك بتساؤل حول الوسيلة المعتمدة في خلق الحيوان، بحيث خصص لكل حيوان شكل معين، أم أن هناك إرادة إلهية نجهلها، فتم خلق الحيوانات والنباتات، وإذا كان ذلك كذلك فلماذا لم ندري عن الكيفية التي تم بها خلق الحيوان، في مقابل المبالغة في وصف خلق الانسان، وتساءل كذلك بخصوص المكان الذي توجد فيه الجنة، والطريقة التي نزل بها آدم، وذهب الكاتب إلى أن كل هذا يبقى قضية قانون كامل، هذا الأخير يعني من وجهة نظر الكاتب القانون الذي تم وضعه بدقة دون تدخل الارادة الالهية، لأن هذا التدخل قد يعني أن هناك نقص في هذا القانون، ومن خلال ذلك يبدو أن رواية الخلق ترى بأن الإله تدخل من أجل صنع الإنسان، وهذا قد يعني أن القانون الكامل ناقص، اضطر معه الاله إلى التدخل من أجل إصلاح هذا النقص.

 

في مقابل أن قانون التطور من الامبيا إلى الإنسان يسد مثل تلك الثغرات على حد قول الكاتب، وبرر الكاتب ذلك باعتبار أن الكون لا يحتاج إلى تدخل مباشر وغير مباشر من الإرادة العليا لإصلاح ما أفسده الدهر، ذلك أن القانون الالهي لا يحتاج إلى تدخل بين الفينة والأخرى، من خلال ذلك اعتبر الكاتب بأن نظرية الخلق في الأديان تعني أن العقل البشري حاول أن يجد أسباب مقنعة لنشوء الخلق، حيث تم انتزاعها من ثقافات وخرافات سابقة وتم إلباسها ثوبا إلهيا، من أجل أن يصدقها الناس، وتم اعتباره إرادة إلهية، بعيدا عن النقد والتحليل والاستنتاج العقلي الذي يخالف أساس العقيدة، وهكذا استنتج الكاتب أن القانون الالهي كامل متكامل لكن الانسان تعثر في رحلة بحثه على حقيقة هذا القانون، وفي إطار نقاشات الكاتب ذهب إلى أن قضية الخلق كما صورتها الأديان لا تستقيم مع الحقائق العلمية ولا الحقائق العقلية، وبذلك تظل في جعبة الخرافات.

 

اعتبر الكاتب أنه قبل مناقشة مسألة الرسالات السماوية، ينبغي أولا البحث فيما تثيره الأديان من حقائق كاملة لا يختلف عليها أحد، وبالتالي المسائل التي يمكن أن نطلق عليها قوانين إلهية كاملة، ومدى استناد هذه الحقائق على استنباط عقلي، ثم ناقش الكاتب قضية وجود الله، واعتبر في هذا الصدد أنه إذا كان يوجد قانون يحكم الكون بدقة شديدة، وأن خلف هذا القانون إرادة منظمة امتزجت به، لدرجة أنه يمكن القول بأن هذا القانون هو الله، وهكذا يصبح البديل في غياب هذا القانون هو الفوضى، ثم إذا اعتبرنا محاولات البعض في تصوير الإله بصور بشرية، وذلك من أجل تقريب مفهومه للعقل البشري، وإذا باءت هذه المحاولات بالفشل، فإن هذا ما يجعل صورة الاله تظل غامضة، ومن خلال ارتباط القانون الذي يحكم الكون بالله وجود وعدما، وانطلاقا من ذلك يمكن القول بأن القانون الالهي متكامل، وصالح لكل زمان ومكان، ويحمل بين ثناياه كمالا دائما، وبهذا يمكن اعتبار أن إدخال الرسالات السماوية في القانون الإلهي ينتقص من هذا القانون، باعتبار أن الله يقوم بين الفينة والأخرى بتعديل مضامين قانونه كلما تبين له خطّأ في المنهج الذي يسير به الكون.



حول هذه القصة

رواية “الحصن الرقمي” تعالج موضوع الأمن المعلوماتي، شيفرة غامضة أعجزت الوكالة الأمريكية وجعلتها تعيش حالة من الرعب، شيفرة محيِّرة قادرة على تعطيل استخبارات أمريكا بضربة واحدة، سماها الكاتب “الحصن الرقمي”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة