في المأساة السورية.. قليلون هم من بكيتهم منهم الساروت

blogs الساروت

خلال سنواتٍ من القتل والتشريد والقمع والاستبداد والاعتقال في سوريا وبسبب كثرة المجازر والشهداء الذين قضوا على يد سفّاحها وأعوانه ونهر المآسي والأحزان الذي لم يتوقّف تدفّقه لحظة واحدة منذ سنين أصيبت مشاعري بالرّكود والتبلّد، وأصبحت دموعي الّتي كنت أحسبها قريبة لا تذرف كثيرا، والسبب ليس عدم التأثر أو اللامبالاة فيعلم الله كيف أن الفؤاد يتمزّق على كلّ قطرة دمٍ تسيل ومع كل صرخة معتقل تطلق.

 

هي حالة يصعب شرحها إلا على من عاشها من أبناء بلدي، ولكن هناك مواقف وأحداث تكسر هذه القاعدة وتُجبر العيون على ذرف الدموع الوفيرة ربّما استطعت تفسيرها حينما كان الأمر خاصّا بفقدان صديق العمر ثم أخي الشقيق أو بعض الأحيان على صور أشلاء الأطفال وأنّات الثكالى وأطفال الكيماوي، قبل أيام مرّ موقف آخر وحادثة أخرى جرت فيها دموعي بحرقة وغصّة كبيرة لإنسان لم أعرفه شخصيا ولم أقابله في حياتي ولكن أبى إلا أن تكون لديه خصوصية في قلبي كما في قلوب الكثيرين وأبى إلا أن يكون رحيله مفجعا ومضرّجا بالدماء وبالدموع ذلك الإنسان هو أيقونة الثورة السورية "عبد الباسط ساروت".

 

لا تستطيع عندما ترى الساروت على جبهات القتال -وحينما تسمع كلماته وترى عزيمة الجبال في عينيه وشموخ النسور في وجهه إلا أن تتأكد من عدم هزيمة هذه الثورة مهما طال الزمن

شابٌّ صغير لا يتجاوز عمره العشرين ربيعاً، ببشرةٍ سمراء ولكنةٍ بدويّةٍ من النوع الدافئ المحبّب للسماع والتي تدلّ على الأصالة والطيبة، وصوتٍ جَهوريٍّ عريض ومصطلحات ومفردات تعبّر عن شخص خبير بالحياة على صغر سنّه، هكذا بدأ عبد الباسط ساروت بالظّهور على رأس المظاهرات في مناطق متفرقة من مدينة حمص، ذلك الظّهور الذي لم يكن ينقصه وهو حارس مرمى لشباب نادي الكرامة ومنتخب شباب سوريا، وبالتأكيد لديه طموح أيّ لاعب كرة قدم في النجاح والاحتراف وتحقيق الإنجازات والألقاب، ولكنّه قرّر إيقاف كلّ أحلامه وطموحاته وأجّل جميع أهدافه لتحقيق الهدف الأهم والحلم الأكبر ألا وهو العيش بكرامة وحرية.

 

لن أخوض في مسيرة السّاروت خلال الثورة السوريّة والأحداث التي عاشها واللحظات الصعبة التي مرّت عليه بفقدان أبيه وإخوته والعديد من أقربائه والإصابات الّتي تعرّض لها رغم اطّلاعي على معظم ذلك ولكن سأترك الأمر لرفاق عبد الباسط والمقرّبين منه ليتحدّثوا عن هذا، أمّا أنا فسأتحدّث عن رؤيتي له كواحد من جمهور الثورة الّذين تابعوه وتابعوا أخباره عبر مواقع التواصل ومقاطع الفيديو والصوت، كانت أناشيده تصلنا في حماة ونردّدها في مظاهراتنا ونتفاعل معها كأنّه بيننا وكانت كلماته "يا حماة سامحينا" تعانق هتافاتنا "يا حمص حنّا معاكي للموت" في سماء الحريّة.

 

لا تستطيع وأنت ترى مقاطع الساروت وهو ينشد في المظاهرات والبيوت والسّهرات والمناسبات إلا أن توقن بالنّصر وتشحن عزيمتك وأملك في زوال الظلم حتما يوما ما، ولا تستطيع أيضا عندما تراه على جبهات القتال بعد إجرام النظام وعمليات الإبادة والاعتقال والاغتصاب التي ارتكبها أزلامه والتي دفعت الثوّار إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وكان السّاروت من بين هؤلاء وحينما تسمع كلماته وترى عزيمة الجبال في عينيه وشموخ النسور في وجهه إلا أن تتأكد من عدم هزيمة هذه الثورة مهما طال الزمن.

 

من الطبيعيّ لشخص مثل السّاروت اكتسب شعبية جارفة وامتلك رصيدا كبيرا من المحبة والإحترام لدى الجميع من الشعب السوري الثائر وأنصار الثورة السورية في كلّ مكان أن يقوم بإنشاء حساب رسميّ له على أحد مواقع التواصل يجمع فيه محبّيه والّذي كان من المؤكد أنه سيجمع مئات الآلاف بل الملايين أو أن يستغل شهرته -كما فعل الكثيرون- في القيام بأعمال ومشاريع تكسبه الأموال إلى جانب استمراره في الثورة الّتي طال أمدها ولكنّ ذلك لم يحدث.

  

لم يكن لديه أيّ حساب رسميّ للتواصل رغم عشرات الصفحات والحسابات الّتي حملت اسمه، ولم يكن يطلب أموالا أو الحصول على لجوء أو حتى جنسيّة أخرى في أيّ دولة كانت رغم قدرته على ذلك مستغلّا مكانته وقدرته ولكن بعد استشهاده عرفت أنّ تلك الأشياء ليست لشخص مثل السّاروت فأمثاله يلزمهم شيء أكبر من ذلك بكثير وأجمل من ذلك بكثير، شيء كالجنة مثلا…، الساروت كان من أولئك الرجال "الرجال".. الّذين تشعر وأنت تراهم يتحدثون أنّهم قادرون على زحزحة جبالٍ من أماكنها والتقاط غيومٍ من مساكنِها، آمن بالثورة بكل جوارحه وسخّر لها كل أوقاته وإمكانياته واستطاع ببساطته وعفويته وصدقه أن يجمع على حبّه وإحترامه جميع أنصار الثورة على اختلاف انتمائهم وأفكارهم وخلافاتهم الكثيرة، تماما كما اجتمعوا اليوم على رثائه والحزن عليه مردّدين خلفه بالدموع والآهات كلمات كان ينشدها وأصبحت حقّا "جيتك شهيد بيوم العيد، والجنة بيتي الجديد يا يمّا.. يا يمّا