أيموت الرئيس؟ أم تموت الشعوب؟

عند اللحظة التي تلقيت فيها نبأ وفاة الرئيس المصري محمد مرسي تبادر إلى ذهني هذا السؤال: أيموت الرئيس؟ كما يموت الإنسان العادي بسبب من الأسباب؟ حصل معي للوهلة الأولى ما يشبه التخبط قبل أن أدرك أن المعني بالوفاة هنا هو رئيس إنسان وليس رئيس على الإنسان، ليخلد ربما اسم مرسي في كتاب غينس للأرقام القياسية كأول رئيس عربي يموت مظلوما لا ظالما، ومغدورا لا غادرا، وصابرا لا متخاذلا أو متراجعا.

  

المثيل هنا صعب التكرار كون شخصية البطل الحقيقي كما يقول فولتير لا يعيدها الزمن إلا بعد قرون طويلة من ظهورها، وبغض النظر عن طريقة وفاة مرسي التي لا تقل في فظاعتها ووحشيتها عن طريقة عزله من السلطة والانقلاب على الشرعية، وبغض النظر كذلك عن وفاته تحت ظروف قاسية من التعذيب النفسي والجسدي، فإن خبر وفاة الرئيس المعزول بلا شك قد زعزع أركان المنتظم الدولي الذي افتضح أمره وهو يشهد إطلاق الرصاصة الأخيرة على رمز مهم من رموز الديمقراطية التي صدعوا بها رؤوسنا لسنوات طويلة، والتي بصعود مرسي إلى كرسي الرئاسة بعد أول انتخابات نزيهة تعرفها مصر في تاريخها السياسي قد وضع بذلك اللبنة الأولى لبلورة هذا المفهوم وإطلاق شرارته الأولى في البلدان الاستبدادية.

 

مقولة "الشعوب تستحق حاكميها" هي مقولة لا تخرج عن صلب الحقيقة، و"كيف تكونوا يولى عليكم" قد لخصت كل ما يمكن قوله في تبيان علاقة الحاكم بالمحكوم وفلسفة هذه العلاقة

مع كامل الأسف فقد ظهر للصغير قبل الكبير أن الغرب المتبجح بمبادئ الحرية ومظاهر الديمقراطية يكن حقدا تاريخيا كبيرا لكل ما هو عربي بل لكل شيء تنبعث منه رائحة العروبة، ولن يتردد الغرب المتحضر لحظة واحدة في المتاجرة بهذا المصطلح الرنان والتنكر له على الأقل ما دامت الشعوب العربية لم تصل بعد إلى درجة من الوعي تستوعب فيه معاني الديمقراطية الحقة، ولا ننكر أن الغرب في هذا يسلك مسلك الذكي الفطن فهو سرعان ما يقلب الحقائق وينقلب عليها كما ينقلب الليل على النهار، وعلى هذا الأساس لن يجد من رادع في تصوير الانقلاب ثورة شعبية والظلم حاجة ملحة والدماء عملية جراحية عاجلة، وهو في تأدية هذا الدور أذكى مما نتصور، لكن الغباء منقطع النظير هو أن يخرج الإعلام المصري بخبر وفاة مرسي داخل قاعة المحكمة التي تتوفر طبعا على مكيفات هوائية وكراسي مريحة وموائد للطعام، حتى لا يتبجح من يسمون أنفسهم حقوقيون أن الرجل مات لا قدر الله بين أربعة جدران.

 

والواضح أن خبر وفاة مرسي لم يعلن للعالم مباشرة بعد أن أسلم الرئيس روحه إلى بارئها، إنما قد يكون الرجل صفي قبل ذلك بأيام أو أسابيع ثم جاء هذا التوقيت الملائم على حد تخمين النظام المصري العبقري بالضبط قبل انطلاق منافسات أمم إفريقيا لكرة القدم بأيام قليلة، حتى يضيع الحدث بين صيحات الجماهير في الملاعب وحناجر المتفرجين أمام شاشات التلفاز كما هو حال شعوب العالم الثالث، حتى إذا فاق الشعب من غفوة الكرة وجد رئيسه الذي انتخبه لأول مرة كشعب حر الكلمة مستقل الرأي قد غطى جسمه التراب ونسي في سجلات التاريخ.

 

إننا أمام إشكال عويص كوننا لا نجد أمامنا من نتاج مفكرينا وفلاسفتنا بعد سنوات طويلة من البحث والتفكير ما نستطيع به اليوم أن نوجد توليفة حقيقية نفهم بها تركيبة العقل العربي، ومن مظاهر هذا العجز أو من أسبابه أننا لم نصل بعد إلى أمة قادرة على استيعاب مفهوم الديمقراطية وتمييز حقوقها وامتيازاتها الطبيعية، فالغالبية العظمى تركن إلى الاستبداد والرضوخ لإملاءات الطغاة، بل وتجد اللذة في ذلك، حتى إن نسبة الأدرينالين عندها وهي تداس بالأقدام وتجلد بالسياط ترتفع لأعلى مستوياتها، هذه الفئة تتحول مع الترويض الممنهج تحت آليات أكثر قساوة ووحشية إلى بعبع جامح لا يعرف للرحمة مرادفا، فما يكون منه إلا أن يبتلع ابتلاعا تلك البقية التي ظلت وفية لمبادئها وحقها الإنساني.

  

لا ننكر أن مقولة "الشعوب تستحق حاكميها" هي مقولة لا تخرج عن صلب الحقيقة، و"كيف تكونوا يولى عليكم" قد لخصت كل ما يمكن قوله في تبيان علاقة الحاكم بالمحكوم وفلسفة هذه العلاقة، وما دمنا غير مؤهلين لنستحق واقعا أفضل، فإن هذا الاستحقاق لن يرسو على أرض الحقيقة وسيظل دائما حلم الشعوب في غد أفضل حلما مؤجلا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بقواعد الديمقراطية وتقاليدها، فإن شرعية مرسي قائمة، لكن الانتصار لهذه الشرعية، لا يكون إلا بثورة حقيقية تخرج فيها الجماهير وقرارها أنه لا عودة قبل الانتصار لشرعية الرئيس المنتخب

الأكثر قراءة