حميدتي والثورة.. الثعلب في قن الدجاج

يطل علينا حميدتي في كل يوم جديد ويأتينا بما يؤكد المخاوف بأنه الثعلب الذي يتربص بالثورة ليمتطيها في اللحظة المناسبة ليصل لكرسي الحكم في السودان، لن يقبل حميدتي إلا بخيار واحد وهو مرحلة انتقالية ضعيفة يكون له فيها النفوذ يخربها ويصل في نهايتها للسطة عبر انتخابات مشوهة بعد أن يمكن لنفسه ويسوق لها بإعتباره الرجل القوي الذي يبسط الأمن ويحسن معاش الناس عبر أموال الخليج وحامي البلاد والدين من "المتربصين" وإلا سيحاول أن ينقلب على الثورة بمليشياته وجنجويده للسيطرة على السلطة بالسلاح مدعوما بقليل من السند الشعبي لستر عورة الجريمة.

  

بدى واضحا أن الرجل يتحرك على أربعة محاور بإعتبارها حواضن يستطيع أن يستثمر فيها لإكتساب التأييد والسند الذي يظن انه سيؤهله للإنقضاض على الحكم هذه الحواضن هي المنظومة العسكرية الحالية والإدارات الأهلية والخدمة المدنية وأحزاب الحوار الوطني.

 

استهل الرجل حركته الدؤوبة داخل المصفوفة العسكرية برعايته لجهاز أمن النظام البائد ومعارضته الشديدة لأي رأي يدعو لحل الجهاز بإعتباره تركة مغرية يمكن ورثتها فالجهاز الذي يمتلك أعداد لا بأس بها تقدر في حدود الستين ألف أغدق عليها المخلوع العطاء بلا حساب وأطلق يد صلاحياتها لتحميه من الشعب فبطشت ونكلت وانتهتكت كل القوانين وأصبحت تطاردها لعنات الثورة ومطالبات الحل وتلاحق منسوبيها قضايا جنائية فأصبح يتعامل معها حميدتي باعتبارها غنيمة وورثة شرعية تركها له المخلوع حيث يمتلك هذا الجهاز إمكانيات عالية في القمع والتنكيل التي أغرت الرجل ولا يمتلك الجهاز غير الاحتماء بحميدتي من سيل الثورة الجارف.

   

  

عقد الرجل العديد من اللقاءات مع منسوبي الشرطة وحاول استمالتهم وأغدق عليهم بحافز راتب ثلاثة أشهر وأزاح من قيادتها كل من يعارضه بحجة تنظيف الشرطة من منسوبي النظام السابق واستبدلهم بموالين له، توسع الرجل وتغلغل داخل القوات المسلحة بعد ترقيته لرتبة الفريق اول بنفس رتبة رئيس المجلس العسكري الذي أصبح نائبا له مما مكنه من اقحام انفه داخل هذه القوات وأصبح يساهم في صنع القرار داخلها فأزاح كل من يفوقه رتبة واقدمية وضاعف رواتب منسوبيها وساعدت دولتي الإمارات والسعودية صاحبتي النفوذ داخل الجيش بالتمكين للرجل.

 

علاوة على ذلك يمتلك السيد حميدتي جيشه الخاص الذي لا ينازعه فيه أحد وهي مليشيات الدعم السريع وهي قوات شبه نظامية تأتمر بأوامره المطلقة ومتهمة بإرتكاب فظاعات وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وهي خليط من أفراد من قبائل عربية دارفورية وعناصر أخرى من دول الجوار لدارفور أنشأها المخلوع البشير في بادئ الأمر لإخماد الثورة المسلحة في دارفور ثم توسعت بعد ذلك مع توفر الدعم والتمويل الخارجي لها وابتلعت كل السودان وأصبحت مليشيا إقليمية تشارك في حرب اليمن كما قامت هذه القوات بارتكاب مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، مع كل هذا التاريخ الإجرامي لهذه القوات فهي مؤهلة بإمتياز لرصف طريق حميدتي للوصول لكرسي الحكم وفق أي سيناريو يختاره الرجل.

 

لا بد من إبعاد حميدتي وجنجويده خارج السلطة وخارج جميع مؤسسات الحكم وتقليص أدوار قواته مقابل صعود القوات المسلحة

لا ينكر أحد دور الكثير من الإدارات الأهلية في تثبيت أركان الأنظمة الديكتاتورية على امتداد التاريخ السوداني لذلك يسعى حميدتي في حركة دؤوبة لشراء ولاءات الإدارات الأهلية محملا بأموال الخليج فأصبحت تحشد له الحشود "للقاء القائد" كما المخلوع تماما ويحاول أن يروج لنفسه بإعتباره ممثلا للريف والهامش ويتبرع لمشاريع التنمية كأنه يدفع من جيبه الخاص وهو يمتلك رصيد من الخبرة في هذا المجال في دارفور حيث اتفاقات المال مقابل المقاتلين مع بعض الإدارات الأهلية يفعل كل هذا ليجمع لنفسه رصيدا شعبيا وجماهيريا يساعده في الإنقضاض على الثورة.

 

"تاني مازي زمان البيضرب مايرجع مؤسسته" هكذا صرح الرجل غاضبا في أحد لقاءاته كما أنه لم يمر له لقاء دون أن يتعرض لموضوع الخدمة المدنية ودفع راتب ثلاثة أشهر حافز لمنسوبي الكثير من المؤسسات واوقف الإجازات وأصبح الرجل يصدر القرارات كأنه الآمر الناهي الوحيد داخل الخدمة المدنية وكلما اشتد الخلاف في المفاوضات يلوح بخيار تشكيل مجلس الوزراء بمعزل عن الحرية والتغيير ويصر على نطق كلمة التكنوقراط بصورة ملفتة بإعتبارهم يمكن احتوائهم حسب تقديره، يولي الرجل الخدمة المدنية الكثير من اهتماماته وعينه على ممارسات النظام البائد داخلها وامتطائها لتثبيت أركانه عن طريق حشود التأييد والحشود الانتخابية وممارسات الفساد السياسي.

 

التفت أحزاب الحوار الوطني حول الرجل ليصنع لها موطئ قدم في المرحلة الانتقالية التي ظلت تقاتل حتى آخر رمق لبعث الروح في جسد النظام الذي ما ادخر وسعا في سبيل إجهاض الثورة ضربا وقتلا وترويعا تحت سمع وبصر أحزاب الحوار الوطني التي لم تنفض يدها من السفاح فشاركته مسئولية جرائمه وأقصت نفسها من أن تكون جزءا من الحل في مرحلة الانتقال فرحب حميدتي بهذا الالتفاف وأصبح يطرح موضوع الاقصاء السياسي لقوى الحرية والتغيير للاخرين ويصر على اشراكهم في العملية السياسية اللجنة السياسية للمجلس للقائهم وهو يستثمر في هذه الاحزاب لدعمه في مخططه للاستيلاء على الحكم.

 

إن كنا نتحدث عن انتقال سلطة للمدنيين في فترة انتقالية تؤسس لحكم مدني ودستور دائم يفضي للتداول السلمي للسطة لا بد من إبعاد حميدتي وجنجويده خارج السلطة وخارج جميع مؤسسات الحكم وتقليص أدوار قواته مقابل صعود القوات المسلحة فمع طموح الرجل الواضح في السلطة وبوجود مليشيات مسلحة تسيطر على كل مفاصل الدولة وتنتشر في كل جحر من البلاد تأتمر بأمره وحده وتدفق أموال الخليج في يد الرجل وتصاعد الثورة المضادة لا أمان على الثورة من انقضاض الثعالب عليها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اندلاع الثورة بالسودان قد يلقي بظلاله على التوازن الاستراتيجي بمنطقة القرن الأفريقي، خاصة وأن إحدى مطالب الثورة هي إلغاء أو إعادة النظر في الاتفاقيات المبرمة مع دول أو جهات خارجية.

الواقع يحتاج صوت أعلى، حلولاً حقيقية أيها العربي، علينا أن نتحرر من أخطائنا المنهجية المتكررة، أن ندرك أننا نحتاج صوتاً لا ينطفئ، وأغنية لا تتوقف وصورة لا تغيَّر.

الأكثر قراءة