قَلَمٌ مَيت وكاتِبٌ حيّ!

يَشقُ عليَّ أنْ أقرأ هذا العنوان، وأن أسلمَ به تسليمًا تامًا، ويحزنني أنْ أكون كاتبه، ورسوله للناس؛ فالكاتب والقلم نفسٌ واحدة، لا روحٌ يحملها جسد، ولا جسد يستنطقه روح، إنما هما الوحدة الصغيرة، التي تتكاتف فتبني جسدًا أو روحًا، وما كان لأحدٍ -من جيل الطليعة- أن يكتب، فيفصل تحت عنوان قوامه مترادفان، وربما لو خالطت عيون الرافعي، هذا العنوان، لجلد صاحبه بالقلم نقدًا، وتوبيخًا؛ فالقلم -عندنا وعندهم- صورة صاحبه الحاضرة متى غاب، وصوته حنجرته النافذ متى غُيِّب، ورسول فكرته المسافر لا يبرح، والمثال الحي الذي لا يقدر على مواراته زمان ولا مكان، لكن الحقبة التي نعيش، أو نحاول عيشها غصبًا، قد جنت على الأدب العربي أثقل جناية، وربما سامحنا العقاد إن بُعث مرة أخرى من مرقده، ورأي ما نرى في الكتابة، بعدما أصبحت حرماتها مستباحة، لا جودة في أسلوب، ولا أثر في لفظ، ولا قيمة في فكرة، ولصوص الأقلام الجائعة، متربصون، يستكون أقلامهم فقرًا، والنصوص المنقصوة التي لا تروي في النفس مستصغر منتشرة، كأنها مطر يفترش الرصيف منزلًا، أو غثاء يتكتل فوق رفوف المكتبات.

لا غرو في كون الأقلام حية، والكُتَّاب ميتون؛ فالماضي سلطان الأدب دائمًا، ويبدو أنه كذلك في تاريخ الأمة العربية، كأننا نحدر إلى الفناء طوعًا مع تقدم السنين، ومرور الأيام؛ فكُتَّاب الأدب العربي، المُغيَّبين تحت الأرض، ما زالت كلماتهم حاضرة، شاخصة أمام الأعين، لا تخطئها أذن، ولا تغيب عن منبت الجمال الخلَّاق، أو مجمع الأفكار العظيمة، بيد أن الغرو كل الغرو من كاتب حي -يدعي التجديد- وقلم ميت، يسود الورق، فلا تستبصر العين إلا سواد الحبر أو زرقته، كأن أفكاره خفية، لا يقرأها إلا هو، أو أن قيمه ذاتية، لا تنكشف لعيون الآخرين، وإن كانت المعجزة وظهرت لنا واحدة منها، فأرباع الأفكار تطالع، وأعرج الأساليب تقرأ، وأسوأ التشبيهات تتصور، كأن الواحد منهم، عدو نفسه، يجبلها على الخطأ، وينزوي بها إلى دنوٍ وانحطاط.

لا كتابة بغير ملكة، حتى وإن دفع الإنسان عمره فداء، ولا حصيلة لغوية دون مطالعة وقيد، ولا إجادة للحسن، إلا بمعاودة طريقه، ولا سبيل للأفكار العظيمة إلا بالنقد

والكاتب الحي ذو القلم الميت، هو الذي يكتب بغير منهج، ولا يحتكم إلى سبيل، يبرز منه قيمة، أو يبني فيه فكرة، أو يهدم به صنمًا، يسود الورق، كأنما يكتب بمداد مقطوع، ويطوي الصفحات، كأنه لم يغادر أولها، ويعود خالي الوطاب، لا عمل ينصره، ولا حرف يحميه، والقصد ها هنا لا يشمل صعاليك الكتابة، من أقلامهم مرهونة بقرش الناشر، وأفكارهم مشغولة باللهث وراء إعجاب الناس، وكتبهم مثقولة بما يستحسنه المُطلِع، ولا يرضاه الضمير، من لا يكتبون إلا فيما يجلب للنفس الفساد، وللعقل العطب، وللروح الغربة، حتى يطبعها على ما فيها، فتسلم وتستكين، وينزل الهدوء بما إن عمله الحركة، والسؤال.

وآفة ذلك معلومة، لا هي الدقيق الخفي ولا هي الصعب المُستغلِق؛ فإن أنصاف الكتاب، مشغولون بما يقوله الناس عنهم، مغبونون في البحث عن سبيل للظهور، يسرهم أن تتوالى أسماؤهم على ألسنة الناس، وتستسكن أسماعهم، لا يسوء أعينهم أن تغرق أقلامهم في الخطأ، أو أن تخرج عقولهم الجدباء أفكارًا شوهاء، لا يقرؤون، وإن فعلوا، لا يحسنون، يحسبون الكتابة حبرًا على ورق، أو سوادًا ينازل بياضًا، الفكرة عندهم خاطرة، والخاطرة مقدسة، وهي في ميزان الأدب عدم، وعلة، يكاشفون العامة غصبًا، كأن في الخاطرة ما ليس في المقالة، وهم على كثرتهم، لا ينصرون في الأدب مظلوم، ولا يحسنون في اللغة إنتاج، إنما يحملون عليها الأدواء.

ودواء ذلك علقمٌ، لكنه يشفي، عسيرٌ لكنه يجعل الخلاص ممكنًا؛ فالكتابة زرع لا يُحصد إلا بعد حين، وشجر لا يثمر إلا بعد مشقة وجد، والكاتب الذي لم ينل ملكة وموهبة، ويخلص قراءة وبحث، ويستجهد في الكتابة والتدريب، ويعود عقله النقد والمنازلة، ليس إلا واحد، من أولئك الذين لا يشغلون العين مهما اعترضوا سبيلها؛ فلا كتابة بغير ملكة، حتى وإن دفع الإنسان عمره فداء، ولا حصيلة لغوية دون مطالعة وقيد، ولا إجادة للحسن، إلا بمعاودة طريقه، ولا سبيل للأفكار العظيمة إلا بالنقد، والدربة، ولا غنيمة إلا في كتب الأوائل، ومنازل أهل اللغة والأدب، واقرأ هذا النص الذي كتبه الرافعي عن البلاغة النبوية؛ حتى تدرك الأمور على حقيقتها:

"هذه هي البلاغة الإنسانية التي سجدت الأفكار لآيتها، وحسرت العقول دون غايتها، لم تُصنَع وهي من الإحكام كأنها مصنوعة، ولم يُتكلَّف لها وهي على السهولة بعيدةٌ ممنوعة، ألفاظ النُّبُوَّة يعمرُها قلبٌ متصلٌ بجلال خالقه، ويصقِلها لسان نزل عليه القرآنُ بحقائقه، فهي إن لم تكن من الوحي ولكنها جاءت من سبيله، وإن لم يكن لها منه دليلٌ فقد كانت هي من دليله، مُحكمَة الفصول، حتى ليس فيها عروة مفصولة، محذوفة الفضول، حتى ليس فيها كلمةٌ مفضُولة؛ وكأنما هي في اختصارها وإفادتها نبضُ قلب يتكلم، وإنما هي في سُموِّها وإجادتها مظهرٌ من خواطره ﷺ.

إن خرجت في الموعظة قلتَ أنينٌ من فؤاد مقروح، وإن راعت بالحكمة قلتَ صورةٌ بشرية من الروح في مَنزَع يلين فينفر بالدموع، ويشتدُّ فينزو بالدماء، وإذا أراك القرآنُ أنه خطاب السماء للأرض أراك هذا أنه كلام الأرض بعد السماء، وهي البلاغة النبوية، تعرِفُ الحقيقةَ فيها كأنها فكرٌ صريحٌ من أفكار الخليقة؛ وتجيء بالمجاز الغريب فترى من غرابته أنه مجازٌ في حقيقة، وهي من البيان في إيجاز تتردَّد فيه «عَينُ» البليغ فتعرفُهُ مع إيجاز القرآن فرعين؛ فمن رآه غيرَ قريبٍ من ذلك الإعجاز فليعلم أنه لم يُلحق به هذه «العَينْ».على أنه سواءٌ في سُهولة إطماعه؛ وفي صُعوبة امتناعه؛ إن أخذ أبلغُ الناس في ناحيته، لم يأخذ بناصيته، وإن أقدم على غير نظر فيه رجع مُبصِرًا، وإن جَرَى في معارضته انتهى مقصرًا"(1).

أي كلمات يمكن أن تتكاتف لتكوين تعليقٍ على هذا الإبداع، الذي إن صلته إلى أهل السماء أكبر منه إلى أهل الأرض، إن مفتاح الأدب العربي، ونصرته، لم تغادر كتب السابقين أمثال الرافعي وعبد القاهر الجرجاني، والجاحظ والعقاد وغيرهم، وإن الكاتب أي كاتب، لا يقدر أن يأتي بالعظيم ما لم يطالع هذا ويتدارسه "فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم، إن التشبه بالكرام فلاحٌ" والمعنى مثبوت بإتقان الكتابة، والبذل فيها، لا بالتقليد والمحاكاة، فيا ‏أيها الكاتبُ الغِرّ، إنَّ القلمَ النازلَ بغير منهج، صَدِئٌ سِنُّه، راصِفٌ في النسيان، مقطوعٌ به مهما سوَّد، أرقطٌ وإن بدا مُستمسِك، مشدوهٌ بالصغائر، هالِكٌ لا غرو؛ فالحرفُ المُتَّكِئُ على هوى، مُتَّكِئٌ على لا شيء.
——————————————————————————————————-
هامش:
(1) تاريخ آداب العرب، البلاغة النبوية، مصطفى صادق الرافعي.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة