سقطة حافظ الأسد التي لا تكفي كل دموع الدنيا للتكفير عنها!

نجحت إسرائيل إلى حد كبير في إدارة الصراع العربي – الإسرائيلي لصالحها، فهي التي هزمت الأنظمة العربية وعرتهم في أكثر من موقعة، وصنعت لنفسها خندقاً متقدماً مرهوب الجانب، وفرضت نفسها كقوة إقليمية مهيمنة، مما دعا الأنظمة العربية للقبول بالأمر الواقع، والعمل الدؤوب على عدم إزعاج الجارة الجديدة التي فرضت نفسها بالقوة. لذلك سعت الأنظمة العربية لمهادنتها وعلى رأسهم نظام حافظ الأسد، الذي لم يرَ ولم يعرف حزبه -حزب البعث- منذ استيلاءه على السلطة سوى الهزائم، وإن كانت الهزائم السابقة تهون لأن الهزيمة مع الجماعة رحمة حسب القول المأثور، إلا أن هزيمته أثناء غزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 كانت قاسية وموجعة بحق، فقد سقط الأسد كغيره من الزعماء العرب بفخ التطمينات الإسرائيلية-الأمريكية التي هزت عرشه، وهنا نتساءل: كيف مرت الخدعة الإسرائيلية-الأمريكية مرور الكرام على الأسد؟ وكيف سقط الأسد في الفخ الإسرائيلي أثناء الحرب؟

مع بداية الغزو الإسرائيلي للبنان في 4 حزيران عام 1982 أدرك الأسد أن الهدف الإسرائيلي من الغزو هو ضرب الوجود الفلسطيني المسلح وليس ضرب الوجود السوري في لبنان، كذلك أدرك كعسكري أن القوات السورية المتواجدة في لبنان بقواها الذاتية لا يمكنها في حال من الأحوال مواجهة الترسانة العسكرية الإسرائيلية. وفي المقابل كانت الخطة الإسرائيلية تقوم على إبقاء القوات السورية خارج نطاق المعركة في الـ 72 الساعة الأولى، ريثما يتم تحطيم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في الجنوب اللبناني، ومن ثم يتفرغوا فيما بعد لتدمير القوات السورية في لبنان.

يبدو مما لا يجعل مجال للشك أن الأسد وقع في فخ التطمينات الإسرائيلية-الأمريكية، فالحكومة السورية في الأيام الأولى للحرب لم تعزز قواتها المتواجدة في لبنان أو قواتها المتواجدة على تخوم الجولان

ولتنفيذ خطتهم: في الخامس من حزيران بعث رئيس الحكومة الإسرائيلية وقتها "مناحيم بيغين" رسالة إلى الرئيس الأمريكي "رونالد ريغان" يخبره فيها أن (القوات السورية المتواجدة في لبنان لن يتم مهاجمتها إلا في حال تعرضها للقوات الإسرائيلية المتقدمة في الجنوب اللبناني). وتأكيداً على حُسن نوايا إسرائيل بعدم التعرض للقوات السورية في لبنان، طلب الرئيس الأمريكي "ريغان" من مبعوثه الخاص للشرق الأوسط "فيليب حبيب" في 7 حزيران أن يذهب إلى الأسد بالرسالة ذاتها التي أرسلها له "بيغين" ليطمئن الأسد من نوايا إسرائيل.

وفي الوقت الذي كانت التطمينات الإسرائيلية-الأمريكية تتقاطر على الأسد، فقد وجهت الحكومة الإسرائيلية تعليماتها للقوات الإسرائيلية الرابضة في الجولان، أن تعزز تواجدها العسكري في الجولان عدةً وعتادً، وأن تكون مستعدة لأي تحرك سوري محتمل في الجولان وما حولها، وحتى لا تُفهم التعزيزات في الجولان على نحو خطأ، أصدرت قيادة الجيش الإسرائيلي بياناً أكدت فيه، أولاً: أن الجيش الاسرائيلي لا يعتـزم مهاجمة القوات السورية، ثانياً: أن هدف القوات الإسرائيلية طرد "المخربين" في لبنان، ثالثاً: أن الإجراءات التي تم اتخاذها في الجولان ما هي إلا إجراءات روتينية معتادة.

ويبدو مما لا يجعل مجال للشك أن الأسد وقع في فخ التطمينات الإسرائيلية-الأمريكية، فالحكومة السورية في الأيام الأولى للحرب لم تعزز قواتها المتواجدة في لبنان أو قواتها المتواجدة على تخوم الجولان، كما أصدرت تعليمات للقوات السورية بعدم إطلاق النار على القوات الإسرائيلية المتقدمة إلا إذا هاجمتهم القوات الإسرائيلية، ولإبداء حسن نوايا الأسد اتجاه إسرائيل، لم تستجب القوات السورية لطلبات فصائل منظمة التحرير الفلسطينية المتكررة بتقديم الدعم اللازم لهم أثناء المعارك الدتئرة مع القوات الإسرائيلية كما تم الاتفاق سابقاً.

وفي 7-8 حزيران حينما تمكنت القوات الإسرائيلية من السيطرة على قلعة شقيف، إضافة لتراجع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية نحو بيروت والشمال اللبناني، حينها بدأت إسرائيل بتنفيذ خطتها بمهاجمة القوات السورية في لبنان، وقتها لم يكن لدى الأسد الوقت الكافي لتعزيز قواته، لذلك اتخذ الأسد قراراً متسرعاً بإدخال 5 بطاريات لصواريخ المضادة للطيران إلى لبنان، ليصبح عدد بطاريات الصواريخ المضادة للطيران في لبنان 19 بطارية.

وقد وجدت إسرائيل بزيادة بطاريات الصواريخ المضادة للطيران في لبنان ضالتها، فهاجم سلاحها الجوي القوات السورية، وبطاريات الصواريخ المضادة للطيران، وعبثاً حاول الأسد إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بطاريات الصواريخ المضادة للطيران، فأدخل في حربه مع إسرائيل معظم طائرات السلاح الجوي السورية على أمل أن تتغير المعادلة. ونتيجة طبيعية لقرارات الأسد المتسرعة والغير مدروسة، وقعت في سماء لبنان أشرس المعارك الجوية، شاركت فيها أكثر من 200 طائرة حربية لكلا الجانبين، وعليه خسر الأسد في هذه المواجهة عدد كبير من الطائرات، قدر عددها بالعشرات ما بين 80–70 طائرة، إضافة لمصرع عشرات الطيارين السوريين.

وحينما وجد الأسد أنه عاجز عن مواجهة القوات الإسرائيلية وإنقاذ قواته، هرول إلى الاتحاد السوفيتي ليتواصل له مع الحكومة الأمريكية لإبرام اتفاق لوقف إطلاق النار، وفعلاً في 11 حزيران دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بين الأسد-إسرائيل.
———————————————————————————————-
المصدر: كتاب "الأسد.. الصراع على الشرق الأوسط"، ﺗﺄﻟﻴﻒ: باتريك سيل.



حول هذه القصة

أسوأ خيانات العصر الحديث هي خيانة “البطل والقائد الخالد” “حافظ الأسد”، لقد رسم لنكسة حزيران وخطط أكثر من إسرائيل نفسها،كان هو ومن معهُ صانعي النصر بالنسبة لإسرائيل.

لطالما تمتع حافظ الأسد بتقدير حسن بأوساط الدبلوماسية الغربية، وهو الذي يتحكم منذ عام 1970 بأقدار أحد أهم بلدان الشرق الأوسط وأكثرها حساسية، بتعداد سكانه 12 مليونا في ذلك الحين.

هل أصبح الرئيس السوري الذي تسبب في مقتل ما يزيد عن 300 ألف سوري صمام أمان الغرب؟! وهل أصبح دم المواطن السوري الترياق الذي يضمن حياة المواطن في الغرب؟!

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة