والدة الشهيد عبد الباسط الساروت خنساء سوريا

blogs عبد الباسط الساروت

لا يختلف عاقلان على أن حارس نادي الكرامة ابن مدينة حمص الشامخة الأبية كان من أوائل الذين هتفوا بأصواتهم الندية الحرة للثورة السورية المباركة ضد نظام الأسد الطاغي والمجرم، ولا يختلف عاقلان على أن الساروت لم يهادن أو يساوم حتى وفاته، وبقي مطاردًا ومستهدفًا من قبل النظام حتى أن النظام وضع مكافأة مالية كبيرة لمن يأتي بالساروت حيًّا أو ميتًا وبقي تحت الأنظار حتى وفاه الأجل قبل أيام قلائل، فكل تسجيلات الساروت المرئية وغير المرئية وتحركاته تدل على أنه لم يتنازل عن الثورة أو يستسلم أو يتاجر بها أو يسترزق منها كما فعل غيره من المعارضة الكرتونية التي تدور حيث دارت مصالحها الشخصية الضيقة.

 

كان واضحًا منذ اليوم الأول بانحيازه للثورة السورية، وكان واضحًا أن الساروت لم يكن شخصًا عاديًا رغم حداثة سنه، كان يهتف بأعلى صوته، وينشد للثورة بصوته الشجي الندي العذب حتى أصبح ملهم الثورة وأيقونتها، فكان كالشوكة في حلق النظام الأسدي المجرم، فانتقم الأسد ونظامه من أسرته وأخوته بأبشع الطرق وأكثرها وحشية، فأجرم ونكل بحقِّ عائلته، فقد قامت أحد مدرعات الأسد المجنزرة بالمشي فوق أحد أخوته وهو على قيد الحياة انتقامًا من الساروت من أجل الضغط عليه حتى يستسلم، لكن الساروت بقي شامخًا صامدًا ثائرًا مجاهدًا بل أنه كلما استشهد أحد من أخوته زاد إصرارًا على موقفه وتمسكًا بالثورة وطريقها لم ترعبه أساليب الأسد ولم تخفيه مطاردة الأسد له.

  

كان بإمكان الساروت أن يطلب لجوء لأي دولة لكنه كان يريد أن يموت شهيدًا أو يحيا كريمًا، فمات شهيدًا على جبهات القتال وهو يدافع عن الثورة، لكن قبل استشهاده اُستشهد له أربع أخوة وهو خامسهم، واستشهد اثنين من أبناء أخيه، لم تكن عائلة الساروت عائلة عادية، فقد قدمت أرواح أبنائها دفاعًا عن الثورة والحرية والكرامة، ولم تكن أم الساروت أُمًّا عاديةً بل كانت كالخنساء التي استشهد كل أبناؤها وبقيت صامدة محتسبة ذلك عند الله عزوجل دون أن تهادن أو تساوم.

   

  

أكاد أن أجزم أن الساروت لم يكن ليسلك طريق الثورة ويجابه مخاطرها، ويصمد كل هذا الصمود الأسطوري رغم إصاباته المتكررة في جسده النحيل لولا وقوف والدته معه، وتشجيعها له، ولولا الحماس الذي كانت تبثه أمّه فيه لما استطاع الساروت أن يصمد ساعة في وجه هذا الطغيان الأسدي الغاشم، دعوات أمه، وصبرها واحتسابها هي التي جعلت عبد الباسط الساروت يقاوم ولا يهادن، يقارع الظلم ولا يخشى منه، كانت أمه راضية عنه وعن الدرب الذي سلكه، ولهذا هو كان راضيًا مبتسمًا لأن مهجة قلبه كانت راضية عنه.

 

الساروت عندما كانت الثورة تحتاج إلى صوته لم يبخل عليها فكان منشدًا لها، وعندما اشتد الخناق على الثورة لم يختبءَ خلف المتاريس، ولم يتحجج بالحجج المصطنعة، ولم يتهرب، كان في أوائل صفوفها مقاتلًا لم يخشَ الموت أو يفرَّ منه، استشهد الساروت ولحق بإخوته وأهل بيته، لم تذرف دموعي من قبل كما ذرفت عندما شاهدتُ وداع والدة الساروت لابنها، كيف لهذه الأم المحاطة بهذا الألم والقهر أن تزف ابنها الخامس شهيدًا وهي ما تزال صابرة محتسبة شامخة، من أين جاءت بكل هذا الصبر؟ وكيف استطاعت أن تمتص صدمة شهادة ابنها الخامس؟ لو لم تكن هذه خنساء سوريا في هذا الزمان، فمن ستكون خنساء سوريا سواها؟

 

كان بوسع الساروت أن يلتزم الصمت ولا يؤيد طرفًا على طرف، وإذا كان يبحث عن امتيازات شخصية ومراتب دنيوية كان بوسعه أن يهتف للأسد ويناصر نظامه المجرم، لكن الساروت كان يأبى أن يلتزم الصمت على الظلم الذي يمارس على أبناء شعبه، وكان يرفض رفضًا قاطعًا أن يمجد طاغيةً أو يهتف له، كان الساروت يدرك أن الروح هي روح واحدة، وأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، وأن وقوفه مع الظالم ضد المظلومين لن يطيل في عمره لحظة، قبل وفاة الساروت بأسبوع أنشد الساروت للثورة الجزائرية والسودانية، وكان في أنشودته يدعو أن يخلص الله عزوجل مصر من السيسي طاغوت العصر، وأن يحرر الله الأمة من طواغيتها.

 

كان الساروت يدرك جيدًا أن الثورة السورية لن تنتصر إذا لم يتم التخلص من طاغوت العصر في مصر، وإذا لم تنجح الثورة السودانية والجزائرية، وإذا لم تنهار أنظمة الردة التي تأتمر بأمر مشغليها، ولربما كان الساروت يحلم بأن تتحرر الأمة العربية كلها من أنظمتها العفنة التي تأمرت على الثورة السورية المباركة. ويبقى القول الفصل أن الساروت كان يستمد عزيمة النضال والكفاح من والدته الشامخة، فإذا كان الساروت ملهم الثورة السورية وأيقونتها ومحركها، فإن والدته هي وقود الثورة السورية ونارها وحطبها، فما كان الساروت ليصمد ويصبر لولا الوقود الذي تزوده به والدته ليشعل الثورة.