عادات قتلت فينا الحب

blogs حب

على نغم سمفونية بيتهوفن الخامسة "ضربات القدر"، أسيرة هجست في أذني تترجاني لأكون قلمها، تبدو كالقاتلة وهي مقتولة، وتتراءى كالغالبة وهي مغلوبة، مذنبة بلا ذنب، تساءلني هل الحب خطيئة؟ أم أن جريرتي أني ألقت بي الأقدار بينهم؟

 

شرعت أطوف بذاكرتي فيما قرأت واستحضر قصصا مضت على أذني، أردف الحرف تلو الحرف لأسطر مقالا من عصارة فكري يكون جلاء للصورة التي نعيشها، في ضوء مبين عن حقيقتها وتلافيفها، لا هي دحض لأفكار مجتمع، ولا دعوة للانحلال. إنما نداء واستنهاضا للحقيقة، نداء للوعي، نحن مجتمع خالط عاداتنا الخطأ والخلل، لماذا لا نصحح مواطن الخلل؟ أم أن عقلية القبلية التي تكتب الشتات الأبدي على المتاحبين، ميراث القرون الأولى، جزما مستحيلة التعيير؟

 

فطرة الحب جعلت من محب مازال في فن الحب طفلا تأججت مشاعره، لتحمله روحه في وغْر النهار، بأن خربش خفية على حائط الحب غرام وليس حرام بُرعم تعلق قلبه بزميلته، كتب رسالة طفولية التعابير، اقتبسها من أبيات لشاعر أسير للهوي، أدخلها في الأنبوب المعدني للطاولة، مداريا حبه، قرأتها، رمقته بنظرة طفيلية غزلية، أهدته ابتسامة مفتاحا لباب الوصل، عاش الحب بأعف معانيه، ليهب سني عمره هائما في هواها، نسي أنها مغلوبة وهو القتيل بلا اثم ولا حرج

  

الحب ليس روايةً شرقيةً

بختامها يتزوَّجُ الأبطالُ

لكنه الإبحار دون سفينةٍ

وشعورنا ان الوصول محال

 

فشريعة القبائل لا ترحم، فهي تدين أبنائها باختيار الزوجات من الأباعد دون الأقربين، زواج قائم على علاقة الدم ووشائج النسب، امتداد لنسل، لا المودة والألفة تعنيهم، فالحب رذيلة! من الوقاحة عندهم أن تخبر فتاة بتأويل حلمها، حين رأت في ليلة شتوية أميرا بهي الطلعة يقبل يديها ومحياها، تحلم بورد أحمر وترانيم ليلية لم يحرمها شرع تحلم بعاشق متيم سيتزوجها يكون لها مسكنا، يستحضر معها بدايات عشقهما، ألم يخبروها أنها سامها ابن عمها قبل مولدها؟

 

طريدة القبلية، باحت ذي حياتي فلا تتدخلوا، تبدأ الميلودراما الأسرية، وسيناريو العقوق، هكذا كنا واجدادنا، متي تكفون عن ركوب ظهر الماضي؟ وتعليل جريرتكم باسم الدين، فمن هو الجاني ومن المجني عليه؟ روي حبر الأمة وإمام المفسرين وترجمان القرآن ابن عباس، يقول: (جاء عند النبي بكر وثيب زوجهما أبوهما بغير رضاهما فأبطل النبي نكاحهما). إن سألت محبا ما الزواج؟ أجاب بأنه علاقة روحانية بين ملاكين، أبدية في خيال المحبين في أبعد سبحاته.

 

لكنه الإبحار دون سفينةٍ

وشعورنا ان الوصول محال

 

أسير الشجا، القتيل بلا قتال، لتبقي حديثه بين العاشقين، وإذا هبت نسائم الليل مرهفة بأريج البراري، نطق بصوت مبحوح، عبرات سكبت على فراق تولد من وصال، هل العاطفة الفطرية حرام؟ ألم يروي ابن عباس: (سئل الرسول صلى الله عليه وسلم في بنت بكر طلبها رجلان أحدهم فقير والأخر غني، وهي تحب الفقير وأهلها يريدون ان يزوجوها بالغني، فقال النبي: زَوِّجوها بمن تحب)، ليتني لقيتها زمانه ثم تسري به العاطفة الي شاعرية الملوح، لينشد ابياته فهو مثله في الهوى قتيل:

  

أمر على الديــــــار ديار ليـلى

أقبل ذا الـــــــجدار وذا الجـدارا

وما حب الديار شـــــغفن قلبي

ولكن حب من ســـــــكن الديارا

 

يراها كل بديع تجانسا، تحيله الذاكرة إلى نزارية:

إن افتكاري فيك يكفيني

فالحب

وهم في خواطرنا

كالعطر، في بال البساتين

 

مجتمع سمى الجهل فضيلة، عرف أقام حدودا وموانع من عنده للزواج، ابنتنا لا يظفر بها الا ابن عمها، أو برجوازي يخرجهم من عاتيات الفقر والعوز، ليجعلوا منه نفعية بين شريكين او إيروسية فولوبتاسية (شهوانية)بحتة، ما كتبت هذا انتصارا لحق الفتاة فحسب، بل انتصارا لهذا القتيل ذاته، يبحث عمن يكفكف الدمع ويواسي الأسير، ويقف طودا في وجه العاتيات، يكشف دثار القبلية الدميمة، ميراث الجاهلية الجهلاء، زيجة المال والجاه، لا يرعون فيها دينا ولا خُلقا.