رحل الساروت بلبل الثورة لكنه أبقى بلابل

حين توفي إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله خرجت بغداد كلها في جنازته، وكانت حينها تقدر بمليوني نسمة، بينما خرجت دمشق كلها في جنازة الإمام ابن تيمية رحمه الله والتي كان عدد سكانها يومها سبعمائة ألف نسمة كما يروي المؤرخون، لحظة تاريخية مهمة اختصرتها عبارة الإمام أحمد لأهل البدع حين قال لهم: "بيننا وبينكم الجنائز". واليوم تتكرر الحالة مع رموز الثورة الشامية حيث شاهدنا وشاهد العالم كله خروج الناس في الريحانية وإدلب التي غدت اليوم سوريا المصغرة استظل بظلها كل أحرار الشام تقريباً يشيعون بلبل الثورة عبد الباسط الساروت، ليؤكدوا من جديد أن الجنائز بيننا وبين العصابة الطائفية وسدنتها المحتلين، ويجددوا معها عهد الثورة، ليكتبوا معها الذكر الثاني للشهيد الذي لن يموت، فالموت هو موت الجسد أما الفكرة والمبدأ فسيظلان يحييان ويعيشيان بعد فناء الأجساد..

 

رحلت أيها البطل لكن من سوء حظي أنني لم ألتقيك رغم  زياراتي المتكررة إلى سوريا الحرة، لكن كانت أناشيدك الثورية، وجرأتك بالحق، وصبرك ومصابرتك وهجرتك من حمص العدية إلى الشمال ملهمة لنا جميعاً، وستظل أفعالك ومآثرك أقوى من كل ضجيجهم وأكاذيبهم، وستظل الثورة السورية تعيش على رصيدك كما عاشت ولا تزال على رصيد من سبقك من قادة أحرار الشام تقبلهم الله، وقادة جيش الفتح والشهداء من أمثال عبد القادر الصالح وأبو فرات وغيرهم كثير، جمعكم كلكم رفضكم أن تبرحوا جبل رماة الشام، فأصررتم على البقاء لثماني سنوات، طاعة لله ولرسوله عليه السلام.. 

 

الشام الذي أنشد لها الساروت وضحى من أجلها هي شام الحرية التي لا يزال مشعل حريتها ممسكاً به الملايين من إخوان الساروت مصممين على العهد

حكاية الساروت هي حكاية الثورة من مبتدئها إلى ما قبل خبرها، فقد انطلق منشداً ومغرداً للثورة السلمية فطاف بذكره الركبان من ساحات حمص العدية، التي اكتسبت اسم عاصمة الثورة بجدارة، ليواصل القتال في صفوف الثوار بعد أن دفعتها العصابة مع ما جلبته من مليشيات طائفية واحتلالات  أجنبية إلى الثورة المسلحة، فهاجر من حمص العدية ليقاتل في جبهات عدة وكان آخرها جبهة  ريف حماة، ليقضي نحبه فيها، وحين انطلقت ثورتا السودان والجزائر غنى للثورتين وهتف لهما كما هتف للثورة السورية، فالثوار بعضهم أولياء بعض، والحرية لا تتجزأ كما الاستبداد بعضه من بعض لا يتجزأ ولا يتبعض، فهزيمة حلقة من حلقاته هزيمة للسلسلة كلها..

 

رحل الساروت عنا بعد أن سبقه والده وأربعة من إخوانه على طريق الثورة، لم يتسن للساروت أن يرى الحرية التي غنى لها في الشام، ولكن حسبه أنه لم يكن يغني أو يمثل، وإنما قدم دمه على مذبح الثورة ليكون وقوداً لشموع تضيء طريقاً قد يكون طويلاً، ولكن طريق الألف ميل إنما يبدأ بميل، رحل الساروت وحسبه أنه خلّف آلاف الساروتيين الذين جددوا العهد اليوم في مشهد جنائزي مهيب، فكانت جنازته عامل وحدة وتجميع للفصائل والثوار، فأطلقوا العمليات الجديدة باسمه، وسمّوا المعسكرات باسمه، في حين جدد البعض دورته الدموية العدائية للعصابة بعد أن كان قد أصابها تجلط الملل والسأم والركون إلى الأرض والابتعاد عن مقارعة الاستبداد والمستبدين، فالتحق الشباب مجدداً بالمعسكرات والجبهات ولعل ذلك في ميزان حسناته وأعماله في الدار الآخرة..

 

مئات الرموز الثورية اليوم يعيشها أهل الشام، وكثير منهم جنود مجهولون، فإن جهلناهم فربنا يعلمهم، أما رحيل الساروت فقد أبقى للعصابة ولسدنتها المحتلين ما يسوؤهم، بمقابل هذا نرى أن العصابة اختزلت نفسها برمز طائفي بغيض واحد أو اثنين، وعليه فإن الشام الذي أنشد لها الساروت وضحى من أجلها هي شام الحرية التي لا يزال مشعل حريتها ممسكاً به الملايين من إخوان الساروت مصممين على العهد، لن يقيلوا ولن يستقيلوا حتى يحكم الله بينهم وبين عدوهم وعدو البشرية، شعارهم النصر أو الشهادة، يحدوهم قول من سبقهم من أجدادهم لا نجونا إن نجى الاحتلال وذيله، فإن رحل البلبل فقد أبقى في الأعشاش آلاف البلابل التي ستواصل التغريد للثورة والشام حتى تطير بلابل الحرية فيها..



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة