من مصر الفرعونية إلى الربيع العربي.. كيف انتقمت الجغرافيا؟

blogs الأهرمات

هل ما زال هناك اعتبار للجغرافيا في هذا العالم المعولم؟ ألسنا في "قرية كونية" على حد قول مارشال ماكلوهان بفعل الثورة الرقمية في عالم الاتصالات والتقنية؟ كيف يمكن للجغرافيا وفهم الخرائط التنبؤ بمستقبل الصراعات والحروب؟ يجهد روبرت كابلان، الباحث الاستراتيجي الأمريكي، في الإجابة على هذه الأسئلة في كتابه "انتقام الجغرافيا: ما الذي تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة وعن الحرب ضد المصير".

 

وكابلان يعمل عضوا في اللجنة التنفيذية للبحرية الأمريكية وشغل منصب مسؤول الأمن القومي الأكاديمية البحرية الأمريكية وكان عضوا في مجلس السياسة الدفاعية في وزارة الدفاع الأمريكية. يعيد كتاب كابلان الاعتبار لمفهوم الجغرافيا في تحليل وفهم واستشراف النزاعات والمصالح دون أن يغفل التطور في وسائل المواصلات المدنية والتجارية والعسكرية والاتصالات والتكنولوجيا. إذ تبقى الجغرافيا أبرز العوامل التي يجب مراعاتها لفهم أي ظاهرة وحدث ضمن سياق زماني وتاريخي ومكاني.

 

والبارز في هذا الكتاب إشارته إلى أن الجغرافيا متغيرة لأسباب مختلفة منها مثلاً التغير المناخي والاحتباس الحراري. فاليوم هناك أراض خصبة ستصبح غداً جافة، واليوم هناك جزر عائمة غداً ستغرق. وهكذا مما يدفع صناع القرار لإعادة النظر في أحكامهم. هالفورد ماكيندر ونيكولاس سبيكمان وألفرد ماهان هم أبرز ثلاثة أسماء يستن كابلان د إلى نظرياتهم في إبراز أهمية الجغرافيا ووجود منطقة مركزية من ثرواتها وجغرافيتها يمكن السيطرة على العالم وأطراف تحيط بهذه المنطقة. وتركز هذه النظريات على أهمية دور القوة البحرية في التحكم بالمحيطات خصوصاً لتلك الدول غير المتصلة برياً بالمنطقة المركزية أو بقية العالم مثل بريطانيا واليابان والولايات المتحدة.

 undefined

واستناداً إلى النظريات المذكورة يبرز الكاتب أهمية منطقة أوراسيا وآسيا الوسطى التي تتحكم بطرق التجارة وخطوط أنابيب النفط والغاز وقبل ذلك الاحتكاكات الثقافية والحضارية باعتبارها منطقة مركزية للعالم مستنداً أيضاً إلى أعمال هيرودوت وابن خلدون في هذا السياق. ويتوسع في تحليله لكي تضم هذه المنطقة إيران وأفغانستان وباكستان والدول العربية في الشام والجزيرة. ويستطرد في شرح أهمية الأطراف للجزيرة العالمية المؤلفة من أوراسيا وأوروبا البحرية والجزيرة الأفريقية أي القارة ليشير إلى أهمية الصين والهند وروسيا وهي دول برية أدركت مؤخراً أهمية القوة البحرية.

 

يبرز روبرت كابلان كيف أثرت نظرية ماهان البحرية في تطور نفوذ وهيمنة الولايات المتحدة وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تملك هذا العدد من حاملات الطائرات وكيف أن المزاحمة في السيطرة على الأرض انتهت ليبدأ زمن الصراع في التحكم بالمحيطات والبحار من المتوسط إلى الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي وبحر الصين والمحيط الهادي وبالتأكيد المحيط الأطلسي. يتناول هذا الكتاب أيضاً عناصر القوة والضعف لكل من الدول الكبرى والإقليمية مثل الصين والهند وروسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة إذ يحلل مثلاً بأن أكبر خطر على الولايات المتحدة هو جارتها المكسيك لا أفغانستان ولا العراق والخطر الآخر يتمثل في الصين وقوتها التجارية وتمددها بقوتها الناعمة إلى مختلف مناطق آسيا وأوروبا وأفريقيا بما يشبه احتلالاً اقتصادياً لا عسكرياً وهو ما يندرج ضمن القوة الناعمة. ولعل هذا ما تنبه إليه باراك أوباما حينما بدأ بتقليل تركيزه في منطقة الشرق الأوسط لصالح المحيط الهادئ وبحر الصين وتلاه دونالد ترمب في التركيز على خطر المكسيك الديمغرافي والثقافي.

 

لا يبدو أن هذا المنطقة المركزية الماكندرية ستحظى باستقرار طالما أنها قلب ومركز العالم وينطبق ذلك على الدول العربية كونها تنتمي لهذه المنطقة. ولا يبدو أن الصراع والتنافس سيتوقف عند البر والبحر إذ أن المساحات أصبحت محتلة بشكل أو بآخر وصارت الأنظار تحدق باتجاه الفضاء حيث مسرح المعركة والتنافس المقبل. يعتبر كابلان من أبرز الباحثين والمؤلفين الذين يعتمد عليهم في رسم السياسات العسكرية والاستراتيجية الأمريكية. فمؤلفاته تحظى بإشادة من وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس وكذلك من القائد الأسبق للقيادة المركزية بالجيش الأمريكي ورئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية سابقاً ديفيد بترايوس ووزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر الذي علق هذا الكتاب قائلاً إن "الجغرافيا كانت العامل الغالب في تحديد مصير الأمم، من مصر الفرعونية إلى الربيع العربي".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة