لماذا لن تحصل ثورة مضادة في السودان؟!

يجب على الناس أن تطمأن انه لن تحصل ثورة مضادة في السودان، لكن هذا لا يعني أن الثورة ستنتصر. لن تنتصر مالم نعيّد التفكير في العملية الثورية نفسها لأنها غيّر ناضجة وتفتقد للأدوات التي تساعد على نجاحها، هيكلة الحكم في السودان تختلف عن بقية دول الربيع العربي جميعها، في السودان كان الحاكم عسكري دكتاتور، وشمولي، لكن لدية أيدلوجيا سياسية يحكم على إثرها بغض النظر عن مشروعية الأيدلوجيا، ونجاعتها الأخلاقية من خلال التجربة العملية لها خلال الثلاث عقود فترة بقاءه في الحكم.

 

جميع الحكام العرّب الذين أطاحت بهم ثورات الربيع العربي كانوا دكتاتوريين وشموليين وعساكر، لكن لم تكن لديهم الأيدلوجيا الصلبة التي يقفوا عليها، "باستثناء بشار الأسد" لأن لدية ايدلوجيا جلبت له حلفاء حالت دون سقوطه. هؤلاء الحكام كانوا مجرد بيادق للدول الكبرى، ودول البترودولار، وكان يلتف حولهم مجموعة من النفعيين وسُلطة الدين إن كانت هذه السُلطة كنيسة أو مسجد. كانت توظف الدين من أجل السيطرة على المجتمع.

 

عندما ثارت الشعوب وأسقطت هذه الدكتاتوريات في تونس، وليبيا، ومصر، واليمن. ظهرت مجموعات منظمة ولها مشروع سياسي مُأدلج، وتنظيم جماهيري، ومشروعية ثورية "أطلق عليهم الإسلام السياسي" هذا المشروع كان يشبه بعضه. هذه الخواص التي ذكرتها جعلته يتصدر المشهد بكل براعة ويقدم خطاب متناقم وثوري لأنه استثمر الحالة الثورية التي تجتاح المجتمع. وبهذا تصدر في أول تجربة انتخابية في تونس حركة النهضة حصلت على أغلبية برلمانية، ليبيا رغم الفوارق التي كانت مفروضة بين الشعب وهذه المجموعة إلا أنها تحصلت على تفويض في أول انتخابات، وكانت قمة التتويج لها في مصر عندما حصلت على الرئاسة والبرلمان رغم الفارق الضئيل في الرئاسة إلا أنه انتصار لهذا المشروع.

 

في السودان الانتفاضة في الأساس قامت على نظام إسلامي، وله ارتباطات أيدلوجية بالحركات الإسلامية. لذلك لن تحدث عملية عرقلة كما حصل في مصر وليبيا

هذه النقلة التي أوصلت التيارات الإسلامية للحكم ادخلت المنطقة في زعر خصوصا الدول الخليجية. لأن بدأت الاحتجاجات تصل إليهم في البحرين وتدخل درع الخليج للسيطرة عليها، والاحتجاجات وصلت إلى الكويت من قبل هذه المجموعة الإسلامية بالإضافة للأردن. هذه "الصحوة الإسلامية" إن صح التعبير دفعت دول الخليج لتكوين "غرفة عمليات" لإجهاض ثورات الربيع العربي كما اسماها الدكتور المنصف المرزوقي. هذه الغرفة كُونت من قبل الإمارات والسعودية. قطر تنبهت لهذه الموجة الشعبية وقامت بعملية نقل باردة للسلطة من الوالد للابن. رغم طبيعة الحكم القطري الذي لا يختلف كثيرا عن بقية دول الخليج إلا إنها وقفت في صف الشعب ودعمته بالآلة الإعلامية الضخمة التي تمتلكها قطر؛ لا أعلم أين تكمن مصلحة قطر في هذا الدعم الغير محدود لكن بكل تأكيد قد دعمت.

 

غرفة العمليات التي تشكلت والتي اُطلق عليها لاحقاً دول اعداء الربيع العربي كان لها هدف بارز هو إخماد نار الإسلام السياسي التي انطلقت ككرة الثلج التي تكبر كلما تتدحرج، وكانت تفضل هذه الدول أي حاكم ليس له صبغة إسلامية حركية. بدأ هذا العداء الواضع في إعلامهم، ثم دعم عيني لكل الحركات والأحزاب التي تقف ضد هذا التيار تحديدا. رأينا كيف تمت الإطاحة بمرسي، حركة النهضة في تونس والتي تفهمت الموقف وتنازلت عن الحكومة بتوافق وطني عبر حوار مع الأحزاب الشريكة في الوطن، ثم ليبيا التي تحول فيها الصدام إلى صراع مسلح. وهذا لسبب واحد لان ليبيا ليس بها مؤسسة عسكرية منظمة فيها عملية سيطرة وتحكم كما هو الحال في مصر وتونس لذلك اخذ الوضع هذا المنحنى الدموي، ثم اليمن التي تدخلت فيه هذه الدول بعد استشعارها خطر الأيدلوجيا الحوثية التي كانت ستسيطر على اليمن بكل تأكيد ويتحول لجمهورية إيرانية بكل تأكيد.

 

هذه الدول سيكون موقفها مختلف بكل تأكيد إذا وصل للحكم مجموعة غير إسلامية مثلاً رأينا في تونس رحبوا بالباجي السبسي رغم انه منتخب. بمعنى أن هذه الدول لا ترفض الديمقراطية من حيث المبدأ، ولكن ترفض الديمقراطية التي تأتي بالإسلام السياسي أو الحركي السبب بكل بساطة وبالنسبة لي لأن هذا التيار لديه مشروع ثقافي بغض النظر عن مشروع السُلطة، نجاحه من فشله. لكن لا تمنع أن تأتي الديمقراطية بعلماني برامجي أو جنرال سابق ويتبع نفس أدوات الحكم التي توصل للسلطة.

  

أما في السودان فإن الوضع مختلف لأن الانتفاضة في الأساس قامت على نظام إسلامي، وله ارتباطات أيدلوجية بالحركات الإسلامية. لذلك لن تحدث عملية عرقلة كما حصل في مصر وليبيا. في السودان ستسمح هذه الدول بهامش ديمقراطية للقوى الغير إسلامية وهي المتمثلة في قوى إعلان الحرية والتغيير لكن هذه المساحة ستكون مشروطة في الاتي:

 

أولاً: أن يكون على رأس السلطة جنرال يحفظ مصالحهم ومكاسبهم في السودان خصوصا الجنود السودانيين الذين يقاتلون مع هذه الدول في اليمن وعدم سحبهم.

ثانياً: تصفية الإسلاميين بجميع تشكيلاتهم واحزابهم "بمن فيهم حزب الأمة شريك قوى الحرية والتغيير" في السودان بالتشريد أو السجون والمحاكمات الكيدية.

ثالثاً: تصفية المؤسسة العسكرية السودانية بحجة انها وكر للإسلاميين خوفاً من الانقلاب "تحت اسم إعادة هيكلة" واستبدالها بقوات الدعم السريع، وقوات الحركات المسلحة التي تدخل في هذه العملية السياسية.

رابعاً: الالتزام لهذه الدول بالوقوف معها في حالة أي تهديد لها من إيران.

 

يبقى السؤال هل ستوافق قوى الحرية والتغيير مقابل مشاركة الجيش؟ اما ستُبعد هي ايضاً ويترك الأمر للجيش فقط كما في مصر. لفيف من المنتفعين يشكلون البرلمان وحكومة من متقاعدي الجيش.



حول هذه القصة

اندلاع الثورة بالسودان قد يلقي بظلاله على التوازن الاستراتيجي بمنطقة القرن الأفريقي، خاصة وأن إحدى مطالب الثورة هي إلغاء أو إعادة النظر في الاتفاقيات المبرمة مع دول أو جهات خارجية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة