لماذا صمدت طالبان وأخفقت الجماعات الأخرى؟

نجاح طالبان لم يكن في هذه الفتره فقط ولا نقصد به المفاوضات التي تتم الآن بين واشنطن والحركة في الدوحة. ولكن نجاح تجربتها في البدايات بفرض سيطرتها على أفغانستان وقدرتها على تشكيل حكومة وتحويل الحركة المجاهدة إلى حكومة عملية تحكم دولة إسلامية طردت منها السوفيت بلا رجعة وشكلت فرق دبلوماسية لتقود مرحلة اعتراف دول العالم بها وكانت البداية باعتراف أربع دول بحركة طالبان كحكومه دولة أفغانستان.

بغض النظر عن أسلوب إدارة الحركة لدولة أفغانستان ومحاولة تهويل صورة الحركة بأنها رجعية متشددة لا تعترف إلا بالشدة والعنف حتى بعد حصولها على الحكم وتحولها من حركة مقاومة إلى هيئة حاكمة وبغض النظر عن استفزاز الغرب للحركة وتشويه صورتها بأذرعه الإعلامية ومحافله الدولية. إلا أن وقعت حادثة برجي التجارة العالمي وبدأت الحركة تخسر كل مكاسبها. فبعد سقوط الحركة في عام ٢٠٠١ إلا أنها استطاعت إجبار الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إداره أشد رئيس يميني متطرف على الجلوس على طاولة المفاوضات في الدوحة بل والمفاوضون من الحركة هم قادة معتقلون وقادة مصنفون على القوائم الإرهابية ولكن تم إصدار قرارات بالعفو عنهم وشطب أسمائهم من قوائم الإرهاب ليجلسوا وجها إلى وجه مع المفاوضين الأمريكان.

فكيف استطاعت طالبان الصمود؟ وكيف استطاعت إدارة هذا المشهد؟ وكيف تعلمت طالبان المناورات السياسية واستغلالها بعد أن كانت حركة تجيد القتال فقط؟ وكيف استطاعت تهميش حكومة أفغانستان ومطالبتها بالجلوس مع واشنطن على الطاولة باعتبار أن حكومة أفغانستان مجرد دمى في يد البيت الأبيض، والسؤال الأهم كيف صمدت الحركة في ظل خفوق وانهيار معظم الحركات الجهادية والإسلامية في العالم الإسلامي، هذا ما سنحاول توضيحه في هذه التدوينة.

أولا: الحاضنة الاجتماعية والدينية:
لم تكتسب الحركة فكر متشدد منفرا لمن حولها فلم تحاول استعداء الحركات الجهادية ولم تحاول أن تنتهج فكر التكفير لمن لا ينضم للحركة ولم تحاول معاداة الدول المجاورة والحكومات

كانت الطبيعه الأفغانية منسجمة دينية واجتماعية مع حالة الجهاد الأفغاني لذلك وفرت هذه الحالة الدعم الشرعي والديني للجهاد الأفغاني الطالباني ودعمته بخلاف ما حصل للحركات الجهادية الأخري في الكثير من المناطق الإسلامية حيث لم يتوفر هذا الدعم للفصائل الجهادية فكانت الحاضنة الدينية والاجتماعية ضعيفة.

ثانيا: سياسة النفس الطويل وفهم الواقع:

كانت حركة طالبان تقرأ المشهد جيدا وتفهم الواقع بحنكة فلم تؤثر النفس القصير على النفس الطويل ولم تكن رؤيتها السياسية ضيقة ومقتصرة على الجهاد فقط فلم تسعى طالبان إلى فتح جبهات معاديه لها في البلاد الإسلامية ولم تشتت نفسها بالخلافات بين الفصائل الجهادية وبالدول المجاورة وبالأخص باكستان التي كانت تسعي لخلع طالبان عن السلطه وتورط باكستان في اعتقال قادة طالبان وتسليمهم إلى واشنطن وعلى راسهم سفير طالبان وعلى الرغم من ذلك كانت تدرك طالبان الطبيعة الجغرافية السياسية لباكستان فرفض زعيم الحركه الملا عمر الدخول في معارك هامشية ووضح ذلك في رسالته إلى زعيم الحركة في باكستان.

فاعتمدت الحركة في هذا الوقت سياسه النفس الطويل واقرته منهاجا للحركة أدى في النهاية إلى جلوس الحركه مع واشنطن لتملي طالبان شروطها. وهذا ما لم تتعلمه الحركات الجهادية الأخرى وشرعت في إعلان الخلافة واعتمدت على المنظور القتالي الضيق دون النظر إلى تداعيات المستقبل. كانت طالبان تفهم الواقع الأفغاني جيدا وكانت تفهم معاناته والأمة فلم تعامل الشعب الأفغاني يوما على أنها وصية عليه ولم تسمح بدخول الأجانب في صفوفه لأنها تدرك جيدا أن حاضنة الشعب هي المقياس الأهم لنجاح خطط الحركة، أما الحركات الأخرى فنري أنها هبطت على أراضي لا تعرف جغرافيتها ولا طبيعتها وسمحت بمجاهدين أجانب لا يتحدثون اللغة العربية حتى كانوا أوصياء على الشعب فلم تكتسب هذه الحركات حاضنة اجتماعية ولا شعبية.

ثالثا: عدم اكتساب الأعداء:

لم تكتسب الحركة فكر متشدد منفرا لمن حولها فلم تحاول استعداء الحركات الجهادية ولم تحاول أن تنتهج فكر التكفير لمن لا ينضم للحركة ولم تحاول معاداة الدول المجاورة والحكومات التي كانت على علاقة بها قبل حادثة برجي التجارة العالمي. بل سعت الحركة إلى تجنب الدخول في معارك داخلية ومعارك حدودية ولم تخرج الحركة خارج إطار أفغانستان وقامت الحركة باحتواء جميع الفصائل المجاهدة واحتواء عناصرها ولم تنفرها فلم تحدث انشقاقات داخلية ولم نجد انقسامات في الفصائل المجاهدة في أفغانستان. فإذا نظرنا إلى ساحات الجهاد الأخري مثل سوريا والعراق تجد أن الحركات الإسلامية الأخرى انشقت منها حركات كثيرة وبدأت بقتال بعضها وتكفير الخارجين عنها فكانت النتيجة ملايين القتلي والجرحي والمتشردين وفقد الكثير من الأراضي لصالح الأطراف الأخرى وانتهاء التجربة.

رابعا: النضوج الفكري

حركه طالبان كانت مبنية أساسا على المدارس العلمية الأفغانية التقليدية وعندما قررت الحركة الدخول في المعترك السياسي والجهادي بعد أن كانت تمتاز بالسلبية السياسية فدخلت الحركة هذا المعترك بفكر ناضج غير منحرف فلم تتحول الحركة إلى تكفيرية ذات غلو في الدين ولم تتحول إلى حركه تابعة للسلطة والقوى الغربية كحال الحركات التي كانت في معتزل عن السياسة وودخلت المعترك السياسي لأهداف تخريبية حتى لو كانت بالخطأ نتيجة للسذاج الفكري. طالبان امتازت بالفكر الناضج الذي لا غلو في الدين ولا السذاجة الفكرية وهو ما مكنها من تكوين أرض صلبة تحافظ على مكتسباتها طيلة السبعه عشر عاما الماضية وتحافظ على عناصرها الداخلية بدون انشقاقات. أما حال الكثير من الجماعات الأخرى فكان الغلو في الدين والتكفير والانحراف الفكري هو اللبنة التي قامت عليها هذه الجماعات الأخرى فكانت النتيجة انشقاقات وتراجعات ميدانية إلى أن وصلو إلى الفشل التام وانتهاء التجربة.

خامسا: الكاريزما القيادية
استطاعت طالبان أن تساوم بورقة الروس والدول الصاعدة إقليميا مثل إيران وتركيا بالإضافة لاستغلال النجاح الساحق للحركة على الأرض ساعدها في مساومة واشنطن على طاولة المفاوضات

نجحت طالبان في تكوين كوادر قيادية سواء شبابية أو تاريخية فكان القادة يتميزون بالمهارات اللغوية والخطابية والميدانية بالإضافة إلى المهارات القتالية والسياسية ناهيك عن الإخلاص والانتماء الذي كان سمه أساسية في هؤلاء القادة، فخطاب القادة لقواعد وكوادر الحركه لم يكن مبتزلا ولم يكن عاطفيا ولم يكن خياليا بل كان موزونا وفكريا وواقعيا، لم ينس القادة ماهيتهم القتالية والجهادية فكانوا دائما في نظر الشعب وقواعد الحركة مجاهدين مقاتلين جنبا إلى صفتهم السياسية فكانت هذه السمات لا تسمح لأحد بالطعن في نوايا القادة أو تشويه صورتهم أو تصويرهم أنهم منتفعين.

سادسا: المهارة القتالية والمناورة السياسية

امتازت طالبان بالمهارة القتالية كحال الجماعات الأخرى ولكن طالبان كانت تتميز بمعرفتها بفنون الحرب جيدا فعلي الرغم من تعرضها لنكسات عسكرية جديدة وكانت تفقد الأراضي الخاضعة تحت سيطرتها بعد حادثه برجي التجارة العالمي إلا أنها اتقنت فن الانسحاب والتراجع واتقنت فن السيطرة على المواقع الاستراتيجية وساعدها في ذلك معرفتها الوطيدة بالطبيعة الجغرافية للأرض الأفغانية فاستطاعت الحركة السيطرة مرة أخرى على أراضيها واستطاعت هزيمة القوات الأفغانية والقوات الأمريكية وإلحاق الأضرار بمعداتهم وقواتهم.

أما الحركات الأخرى فكانت متفوقه قتاليا فلا أحد ينكر ذلك لكن الفارق التقني الكبير بين هذه الجماعات والجيوش النظامية كان كبيرا لذلك كان لزاما لهذه الحركات عدم الاستعجال وعدم الكشف عن جميع الأوراق الاستراتيجية وعدم استعجال النصر وإعلان إقامة دولة أممية. أما بالنسبة للمناورات السياسية فاستطاعت طالبان أن تساوم بورقة الروس والدول الصاعدة إقليميا مثل إيران وتركيا بالإضافة لاستغلال النجاح الساحق للحركة على الأرض ساعدها في مساومة واشنطن على طاولة المفاوضات.

خاتمة:

في نهاية هذه الورقة نحن لا نطعن في نوايا الحركات الجهادية ولا إخلاصها ولا نهمش فكرها ولكن هذه الورقة نقدية لأساليب الحركات الجهادية ومحاولة تقييم تجاربها بالإضافة إلى الاستدلال بتجربة ناجحة صامدة مثل حركة طالبان. نحاول أن ننوه أيضا في هذه التدوينة أن الإخلاص في النية لا يكفي لنجاح الحركات الإسلامية ولا يكفي لإقامة دول إسلامية لكن لابد من النضوج الفكري والدهاء السياسي والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى المعتمد على سياسة النفس الطويل، فلا ننظر إلى الملعب الصغير وننسى الدوائر الإقليمية والدولية الكبيرة.



حول هذه القصة

في حين وفرت باكستان الدعم لطالبان بأفغانستان بوصفها شريكا موثوقا أيديولوجيا وسدا منيعًا أمام النفوذ الهندي المتزايد في المناطق الشمالية عسكريا، تظل علاقة إيران الشيعية بالجماعة السنية المقاتلة معقدة للغاية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة