الصراع على الرئاسة الفنزويلية.. انتصار للديمقراطية أم مؤامرة خارجية؟

بعد أن كانت أكثر الديمقراطيات استقرارا، وتمتلك أكبر مخزون احتياطي للنفط على مستوى العالم وتسجل أعلى أرقام في إجمالي الناتج المحلي عالميا، أصبحت فنزويلا اليوم تعيش على وقع فوضى عارمة، وتواجه أزمات سياسية واقتصادية متتالية، حيث تعاني فنزويلا اليوم من تضخم غير مسبوق يصل إلى مليون بالمئة!

 

تضخمٌ أدى إلى انهيار اجتماعي، وما صاحبه من انتشار للفقر والجوع والأمراض، الأمر الذي دفع عددا من الفنزويليين للسعي نحو الهجرة خارج بلادهم، إلا أنه وعلى أعقاب اندلاع الأحداث الأخيرة وما صاحبها من احتجاجات طالت سياسيات الرئيس الفنزويلي مادورو، فقد سنّت الحكومة قوانين وتشريعات تعمل على كبح هذا التزايد في عمليات الهجرة. هذه الأزمات المتراكمة، بالإضافة للسياق الدولي، مثّلوا أهم الأسباب التي دفعت بالصراع للواجهة بين الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو الذي يدعمه الجيش الوطني، وبين رئيس مجلس النواب خوان غوايدو الذي تدعمه الولايات المتحدة وأطراف خارجية والذي يسوّق نفسه داخليا باعتباره من يمتلك معادلة الخروج من الأزمات التي يعيشها الشعب الفنزويلي.

 

مع بداية الألفية، ارتفعت أسعار النفط، مما دفع تشافيز للاعتماد عليها كمصدر دخل رئيسي لتحقيق مشروع التنمية الخاص به، وليعمل سريعا على تأميم الشركات النفطية بهدف تجفيف منابع الهيمنة الأميركية الامبريالية على الاقتصاد الفنزويلي

عند هذه النقطة، يستدعي البعض نظرية المؤامرة وتحكم أطراف خارجية بالمشهد، بينما يستدعي آخرون أهمية التحرر من الحكم السلطوي المتفرد وسوء الإدارة التي أودت بالبلاد لمستنقع من الأزمات. وبين هذه وتلك، فإنه لا يمكن تجاهل تأثير الفاعلين الدوليين في المشهد، كما لا يمكن إغفال العوامل الداخلية التي ساهمت في تأجيج الصراع. لذلك، فإنه ومن أجل تصوير المشهد الحالي في فنزويلا، لابد من النظر عبر عدسة السياق التاريخي للثورة البوليفارية والتي شكلت "الهوية الفنزويلية الحالية" وما حملته تلك الثورة من أفكار وأهداف لا زالت آثارها ممتدّةً حتى يومنا، وذلك بُغية قراءة المشهد بصورته الكاملة.   

 

الثورة البوليفارية.. وإرث تشافيز

في بدايات القرن السابع عشر، ظهر المفكر الفنزويلي سيمون بوليفار، والملقّب بالمحرر، داعيا شعوب القارة اللاتينية للتحرر من القوة الاستعمارية، وتأسيس دولة كونفدرالية تضم الولايات اللاتينية التي تجمعها اللغة والدين والعرق، وذلك بهدف صياغة سياسات تعمل على نهوض تلك الشعوب من وطأة الاستعمار. ثورة بوليفار لم تكن حبيسة فترتها الزمنية، لكنها امتدت للحركات التحررية اللاحقة التي برزت في أميركا اللاتينية.

 

وهي الأفكار التي سيتبناها هوغو تشافيز لاحقا، ليستند على خطاب بوليفار للتحرر من القوى الإمبريالية التي تتحكم بالبلاد وتستفيد من مواردها، أي التحرر من أميركا تحديدا والتي لطالما عاملت القارة اللاتينية باعتبارها محمية أميركية، وفناءً خلفيا لها. سياسة تشافيز تلك، عبّأت الشارع الفنزويلي خلفه ومنحته الشرعية الثورية التي أكسبته الانتخابات الرئاسية وأوصلته لكرسي الحكم عام 1999، وهي الأفكار التي باتت تسري في الثقافة اليومية للفنزويليين باعتبار خيارهم هذا يعد مقاومة وتحرّرا بحد ذاته.

 

كما أن ما أضفى الشرعية والشعبية على هوغو تشافيز، والذي أصبح رمزا للثورة البوليفارية في العصر الحديث، هي الأفكار السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تبناها شافيز لتحقيق ما وصفه بـ"العدالة المنشودة"، وعمل على تحقيق إصلاحات مؤسساتية، كما سعى لتمرير استفتاء بهدف تغيير الدستور، الأمر الذي عُدَّ تغييرا هاما في الثورة الفنزويلة، وبذلك فإنه حقق من خلال الإجراءات التي اتبعها نقلةً فعلية في ممارسة الاستقلالية عبر صنع السياسات الداخلية والخارجية بعيدا عن التبعية لأميركا.

 

ومع بداية الألفية، ارتفعت أسعار النفط، مما دفع تشافيز للاعتماد عليها كمصدر دخل رئيسي لتحقيق مشروع التنمية الخاص به، وليعمل سريعا على تأميم الشركات النفطية بهدف تجفيف منابع الهيمنة الأميركية الإمبريالية على الاقتصاد الفنزويلي، الأمر الذي أبعد الشركات المتعددة الجنسية من الاستثمار في كراكاس، كما قام تشافيز بمشاريع وسياسات استنزفت أموال البلاد دون حساب، مثل تقديم تأمين رعاية صحية مجانية ومساكن لفئة ذوي الدخل المحدود.

 

إلا أن سنوات "العسل" لم تدم طويلا، فمع انخفاض أسعار النفط لاحقا، وصراع تشافيز مع السرطان الذي أدى لوفاته، بدأت كراكاس تواجه أزمات سياسية ومالية، بسبب عوامل عدة، كان على الرأس منها، الفساد وسياسات التنمية غير المستدامة -التي تعتمد على النفط فقط- التي رسمها تشافيز. حيث كانت الحكومة الفنزويلية متجهةً ناحية تمويل المشاريع غير الربحية بالتزامن مع اقتصادها غير المنفتح على الاقتصاد الدولي. كل تلك العوامل، ساهمت وبصورة أساسية في ارتفاع الدين العام على الدولة، بالتزامن مع انخفاض إيراداتها من النفط، مما أدى إلى تدهور الاقتصاد بصورة غير مسبوقة، فلا مدخرات، ولا صندوق سيادي قوي، ولا تنوع في مصادر الدخل، الأمر الذي أبرز أن النهضة الاقتصادية التي قادها تشافيز لم تكن سوى نهضة مؤقتة اعتمدت على النفط كمصدر دخل رئيسي ووحيد، لتنعكس آثار هذه الأزمات على الحكومة والشعب عند وصول نيكولاس مادورو لسدة الحكم خلفا لتشافيز.

 

وعليه، فيمكن القول، إن مادورو وعلى الرغم من أنه استفاد حين وصوله للسلطة من شرعية تشافيز الثورية السابقة، وباعتباره -مادورو- مكمّلا لمسار "التحرر" إلا أنه ورث كذلك اقتصادا مهترئا، وأزمات متفاقمة في الداخل، إلا أن هذا لم يكن بالوضع الذي يؤلب الشعب على مسار ثورتهم الذي أصبح إلى حدٍّ بعيد جزءا من ثقافتهم اليومية. لكن، وعلى الرغم مما سبق، بدأت معاناة فنزويلا تتزايد، مما أدى لتضخم وهبوط حاد للعملة المحلية. ونتيجة بذلك، اتخذت السلطة السياسية خيار طبع الأوراق النقدية دون رصيد، ودون تحديد سقف محسوب اقتصاديا، وذلك نتيجة للعقوبات الأميركية -السلاح الأميركي المفضّل- التي فُرضت عليها نتيجة لاتهامها من قبل الولايات المتحدة بانتهاك لحقوق الإنسان وقمع المعارضة، مما أدى الى انتشار الفقر والجوع بصورة واسعة، وانخفاض جودة الرعاية الصحية وتدني مستوى التعليم. بناءً على ما سبق، انتشرت الأمراض مثل الكوليرا الملاريا والسرطان دون وجود حلول وسياسات جذرية من قبل الحكومة لعلاج هذه الأزمات، خاصة في ظل ما يُفرض عليها من عقوبات خارجية عملت على تقويض مساحات الإصلاح المحتملة.

 

وفق هذا الوضع الداخلي، والذي يرتبط بالسياق الدولي دون شك؛ بدأ مادورو يعتمد في حكمه على نظام الحكم الفردي السلطوي للدولة بعدم قبول المعارضة كشريك سياسي للتنمية الوطنية، ورغم مساعي مادورو، فقد نجحت المعارضة بالفوز بالانتخابات البرلمانية بأغلبية ساحقة، لتدخل فنزويلا عهدا جديدا من الصراعات بين الحكومة والبرلمان، مستندة في خلافاتها على الأزمات السياسية والاقتصادية التي فصلناها سابقا.

 

صراع الرئيس والبرلمان

بدأت بوادر الخلاف بين الرئاسة والبرلمان تطفو على السطح حين طالب البرلمان في المشاركة برسم سياسات لمعالجة الأزمة الاقتصادية والتعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لاجتيازها، إلا أن مادورو رفض هذا الاقتراح، متذرّعا أن المعارضة مجموعة من الخونة الذين يرتبطون بأطراف خارجية بهدف إسقاط نظامه، وأنهم يسعون لتقويض كرامة فنزويلا واستقلالها، الأمر الذي عَدّهُ مادورو تهديدا للأمن القومي والإرث الأيديولوجي البوليفاري، مما دفعه لزج عدد من أفراد المعارضة في السجون، وآخرون قيد الاقامة الجبرية، ليصل الوضع السياسي إلى طريق مسدود.

على الصعيد الدولي، وُجّهت انتقادات لمادورو -من بعض الدول- باعتباره ديكتاتور وسلطوي منتهك لحقوق الإنسان، وباعتباره لا يؤمن بالاختلافات السياسية، مما ولّد مزيدا من الأزمات الدبلوماسية لفنزويلا، والتي ترتب عليها قطع علاقات فنزويلا الدبلوماسية مع عدد من الدول، حتى باتت في عزلة سياسية. وفق هذا الحال، سعى مادورو للسيطرة والتحكم المطلق بوضع الدولة السياسي، والضرب بيد من حديد في مواجهة التهديدات الخارجية وامتداداتها الداخلية كما يصف، إلا أن حالة الاحتقان تلك، وصلت لحد محاولة اغتيال مادورو أثناء إلقائه خطابا في حفل عسكري، وقد ظهر مادورو موجها أصابع الاتهام الى بوغوتا وواشنطن بأنهم المتآمرين على فنزويلا والداعمين الرئيسيين للمعارضة الفنزويلية ضد نظامه.

 

ملعب القوى الدولية.. والجيش يحكم

وصل الصراع ذروته في نهاية يناير 2019، وذلك حينما أعلن خوان غوايدو نفسه رئيسا انتقاليا للبلاد، وهو الخطاب الذي سرعان ما اعترفت به الولايات المتحدة وكولومبيا، وإعلانها تأييد غوايدو كرئيس للبلاد. كما هددت أميركا بشن غزوٍ عسكري لإسقاط النظام البوليفاري، وهو الأمر الذي يمكن قراءته باعتباره حربا سياسية واقتصادية وايديولوجية على فنزويلا، وعلى خروجها من حظيرة الولايات المتحدة، وهي السياسة التي تعتمد كما أشرنا على إرث تشافيز، والتي يقودها مادورو شخصيا.

 

إلا أن هذا الإعلان بقي في إطار الخطاب والسجالات الإعلامية ولم يتحول لتحكم حقيقي للمعارضة، وذلك في ظل اصطفاف قادة الجيش الوطني لتأييد مادور، حيث تسابق الجنرالات لتقديم الولاء التام لمادورو باعتباره متبنيا للأيديولوجية البوليفارية بالإضافة للامتيازات التي يحوزها الجيش منذ عهد تشافيز ووصولا لحكم مادورو. وعليه، فإن قادة الجيش يرون أن دعم مادورو يعد أساسيا لإكمال إرث تشافيز، حيث كان تشافيز رجلا عسكريا يفتخر بعمق علاقته بالمؤسسة العسكرية، والتي مثلت النواة التي ظهرت منها الحركة البوليفارية، وهي بذلك تمثل أيديولوجيا يؤمن بها الجنرالات باعتبارها المسار الأمثل للاستقلال السياسي والاقتصادي.

 

وقد انعكس هذا الولاء بوضوح، حينما أفشل الجيش محاولات الانقلاب والاغتيال التي استهدفت مادورو. إلا أن ذلك لم يمنع المحاولات الأميركية المستمرة الرامية لاستمالة وتشجيع الجيش الفنزويلي للإطاحة بـ مادورو بهدف "حماية الدولة والدستور" مع تقديم امتيازات لأي حراك عسكري سيتجه للإطاحة بمادورو، وهو ما بدأت بعض آثاره بالظهور عقب المحاولة الانقلابية الأخيرة التي قادها بعض ضباط الجيش، إلا أنها باءت بالفشل من الجيش نفسه، الأمر الذي يعطي لمحة عن بوادر انشقاقات بدأت بالبُروز في حائط الجيش المتماسك. على الجانب الآخر من التدخل الأميركي، تدعو موسكو وأنقرة وهافانا الجيش الفنزويلي الى التماسك ومساندة الرئيس، كما اتجه الكرملين لتقديم المساعدات المالية والعسكرية لمادورو والجيش الوطني.

 

وبين مناصر لمادورو، الذي يحاول قطع اليد الأميركية التي تمتد لكراكاس من جديد، وبين مناصر لغوايدو في سبيل تقويض حكم من تصفه الولايات المتحدة بـ"الديكتاتور"، يبدو الصراع في فنزويلا محتدما، وتتداخل فيه العوامل بصورة تعيد إنتاج الأحداث التاريخية بصورة جديدة، وهو الصراع الذي لا يبدو أن هناك بوادر لإنهائه سوى بسقوط أحد الطرفين. فهل ما نراه اليوم في كراكاس هو حلم تشافيز الذي ناضل من أجله لتحقيق العدالة؟ وهل ستتحرر فنزويلا من السيطرة الأميركية لتدخل في عباءة السيطرة الروسية؟ وهل يؤدي هذا الانقسام السياسي ومساندة الجيش للرئيس في فنزويلا إلى حمام دم لن تجف آثاره لعقود طويلة؟ لا يبدو أن هناك إجابات واضحة نستطيع تقديمها، لكن الوقت كفيل بتبيان مآلات الأمور، والفائز في هذه المعركة الدولية/المحلية.



حول هذه القصة

أمريكا والتي تبعد عن فنزويلا جواً مسافة الأربعة كيلومترات فقط، قادرة على أن تُعيد غزو فنزويلا كما فعلت بجارتها كوبا في ظل الهيمنة الاقتصادية والقوة العسكرية الكبيرة التي تملكها.

السياسات الاشتراكية التي طبقها تشافيز وسوء الإدارة الاقتصادية والتوزيع والصرف العشوائي والفساد كان السبب الأساس والرئيس لما يحدث في فنزويلا اليوم. فهو ساعد الفقراء بسياساته وأسعدهم على المدى القصير فقط.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة