يجب أن تصنف كرة القدم كنوع من الفن!

بهذه العبارة المُلغمة التي تُسكت القارئ ابدأ حديثي، أحد أعظم العبارات الكروية التي قيلت في قرن ال 21قالها أرسين فينغر وطبقها مدربين كُثر، كرة القدم لم تعد مجرد لعبة بل أصبحت علم يُدرس في جامعات العالم. إنها الرياضة التي استحوذت على ملايين العقول ولسنين طويلة، كرة القدم الحديثة ستدخل كنوعٍ من الفن وليست من الالعاب الرياضية.

  

"الحديث يكون تكتيكي قليلاً وللأسف قِلة من تشاهد كرة القدم للاستمتاع بها تكتيكيا وليس فقط للانتصار والتسجيل"

 

ماضٍ مُر

لُعِبَت كرة القدم على مدار سنين طويلة بشكل عشوائي أو ما يطلق عليه "بالعَك الكروي"، ولأن البطولات مهمة في الوقت الماضي جعل المدربين يفكرون في اساليب لعب ربما كانت مملة ولكنها حققت العديد من النجاحات. في الماضي كانت اغلب التشكيلات هجومية بشكل جنوني بتشكيل 1-2-7، إلى ان ظهر المدرب النمساوي كارل رابان وإيقانا منه بعدم قدرة لاعبيه على تطوير إمكانياتهم البدنية والفنية لتصبح مثل اللاعبين المحترفين في منتخبات وفرق البلدان المجاورة مثل إيطاليا، فرنسا وألمانيا، وردا على أساليب اللعب الهجومية التي كانت متفشية في ذلك الوقت قام في عام 1932 بابتداع خطة جديدة دفاعية تمامًا يعجز المنافسين عن مواجهتها وهي خطة السلسلة.

 

أسلوب اللعب

كانت على ارض الملعب على شكل 5-4-1 في تلك الخطة كان يعتمد على خط دفاعي مكون من أربعة لاعبين يلعبون بأسلوب الرقابة اللصيقة مع لاعبي الفريق الخصم إضافة إلى لاعب خامس ذي نزعة دفاعية كبيرة خلف خط الدفاع الرباعي وأمام حارس المرمى مباشرة أسماه رجل القفل (الليبرو أو القشاش فيما بعد). أمام خط الدفاع خط وسط مكون من لاعبين في القلب مع جناحين يتقدمان للأمام وأمام خط الوسط كان المهاجم الوحيد للفريق.

  

ظهر في ايطاليا ما يسمى بالكاتيناتشو ومعناه "القفل" وهو تكتيك ايطالي خالص ابتكره مدرب الانتر هيريرا، كان يعتمد على الدفاع طوال الوقت واستغلال الفرصة المثالية (سواء من هجمة مرتدة، كرة ثابتة أو اقتناص أخطاء الخصم) لتسجيل هدف الفوز ثم العودة بكامل اللاعبين لاستخدام أسلوب دفاع المنطقة عدا ثنائي الهجوم وهو ما جعل هجمات المنافسين مجرد تمرير عرضي للكرة بين لاعبي الفريق المنافس دون أي فاعلية في ظل عدم تواجد أي ثغرة لاختراق دفاعات إنتر ميلان.

 

عودة الكرة الهجومية

عادت الكرة الهجومية لكن بشكل منطقي أكثر بتشكيل 4-2-4 التي قضت على التوهج الايطالي آنذاك، وجعلت من البرازيل في تلك الفترة فريق الأحلام.

  

"الأساس" رينوس ميتشيلز

في عام 1970 بدأت ثورة التكتيك في عالم الكرة، من هولندا وبالتحديد من نادي اياكس ظهر رينوس ميتشيلز مبتكر اسلوب الكرة الشاملة التي تعني تبادل اللاعبين لمراكزهم وادوارهم في المباراة نفسها، فالكل يدافع والكل يهاجم ومن هنا نمّى لنا ميتشيلز شريحة جديدة من اللاعبين الذين اتقنوا اقل شيء 3 مراكز داخل ارضية الميدان، ومن هذا المنطلق نفهم ماهيّة "الكرة الشاملة" بمعنى ان الجميع يقومون بنفس الأدوار وبالتالي فان شمولية الاداء تسيطر على اللاعبين داخل الملعب، اعتمد ميتشليز على تشكيل 4-3-3 تمركز اللاعبين في الملعب جميل لما يشكلونه من خطوط فيما بينهم وكذلك يبين الفضاء الكبير الذي يشغره اللاعبين في الملعب، كما وركز على السرعة والمهارة والشخصية والذكاء.

 

   

ساكي المجنون!

المدرب الايطالي الذي لا يمت صلة بايطاليا تكتيكاً، فهو اول المدربين الذين تجرأوا على كسر الفلسفة الايطالية الدفاعية، ليلعب بشكل هجومي وضغط لم يأتِ له مثيل. جاء ساكي لميلان ونسف مبدأ الليبرو واعتمد على خطة 4-4-2 ولكن مع فلسفة واضحة والتي تتمثل في الضغط العالي، الدفاع المتقدم، النجاعة الهجومية الفعالة والفريق المنظم، حيث يدافع الفريق ويهاجم ككتلة واحدة فما بين اخر قلب دفاع ورأس الحربة 25-30 متر فقط!، بالإضافة إلى المرونة التكتيكية. أبهر ساكي العالم بفكرة تدريبية جديدة عرفت باسم "كرة الأشباح"، حيث ينزل اللاعبون أرض الملعب ويخبرهم ساكي بوجود كرة خيالية في الملعب ويأمرهم بالتوجه والتمركز على أساسها. قالوا عنه اخر السنين بالمجنون بعدما حقق نجاحات خيالية وأوصل فريق ميلان إلى المجد الكروي، سبب هذا المصطلح هو انه اتى في زمن عصيب من ناحية اللياقة البدنية واسلوبه في اللعب يتطلب لياقة بدنية عالية جداً، ما ادى إلى "اهلاك" اللاعبين بدنياً تماماً، فدخل في مرحلة شك بذاته، وأعترف انه لو أتى في هذا العصر لكان من الممكن ان يُقدِّم اكثر لكرة القدم.

 

"العراب" يوهان كرويف

بعد نهاية حقبة رينوس ميشيلز مع الكرة الشاملة جاء كرويف واستلم المشعل منه وحتى وان حافظ على أبرز معالم هذا المبدأ إلا انه ترك بصمته أيضا عليها وجاء بأمور جديدة تخص هذا التكتيك ولو قلنا أن رينوس ميشيل ركز على السرعة والمهارة والشخصية والذكاء، فان كرويف وبالإضافة إلى هذه الأمور أضاف نقاط أخرى مهمة جعلت من تكتيكه فلسفة جديدة لكرة القدم وهي:

1 اللعب السلس:

كرويف وأول شيء ركز عليه هو مبدأ تناقل الكرات بأقل لمسات ممكنة بحيث أنه قال أن تمرر الكرة من اللمسة الأولى يعتبر الأمر جيد جدا، لمستين جيد، ثلاث لمسات سيء. وهكذا فان كرويف ركز على سرعة تناقل الكرات فيما بين اللاعبين مع الاعتماد على أسهل الحلول وعدم تصعيب الأمور لأنه بالنسبة إليه كلما قلة المدة الزمنية للاعب الممتلك للكرة كلما كانت الهجمات والبناءات الهجومية أسرع.

 

2 الاستحواذ:

كلما امتلكت الكرة أكثر كلما أضعفت إمكانيات الخصم.

 

3 أهمية الاهداف:

كرويف قال سابقا في تصريح شهير انه يفضل الفوز بنتيجة 5-4 خير من أن يفوز 1-0 وهنا تظهر نية كرويف ورغبته الهجومية فهو دائما ما يركز على الفعالية الهجومية وبالتالي فهو يركز بالأساس على غزارة الأهداف والنشاط الهجومي.

 

4 الزيادة العددية:

كرويف لا يعترف بمبدأ هذا مهاجم وهذا مدافع فأدوارهم سواسية بالنسبة له واهم شئ ان يكون هنالك تبادل الأدوار بحيث ان على الظهير مساندة الجناح والعكس بالعكس وقد قال سابقا في تصريح آخر " حينما أتحدث عن الظهير فهذا لا يعني أن الجناح غير مسؤول " كرويف أبرز أن أي هفوة من الظهير فهي مشتركة بين هذا الأخير والجناح وبالتالي الزيادة العددية جد مهمة وخاصة في الحالات الدفاعية.

 

ضمور الكرة المهارية واستبدالها بالكرة التكتيكية..

مع بداية القرن الواحد والعشرين، خفت نجم الكرة المهارية لِتُستَبدل بالكرة التكتيكية وهذا ما أدى إلى غياب البرازيل والارجنتين عن ساحات كأس العالم وغياب اللاعبين المهاريين، أو حتى وان وجِدوا اللاعبين المهاريين فردياً لن يُقبلوا من قبل الكشّافين فالتكتيك أصبح ينتشر بالمعاهد والجامعات والاكاديميات حتى أن المهارة أصبحت اللعب بالقدمين والذكاء والرؤية ودقة التمرير، كما وظهرت منتخبات ضعيفة اصبحت تعتلي منصات التتويج لأنها اعتمدت الاسلوب التكتيكي في تشكيلاتها.

 

ما بعد 2008:

اتخذت كرة القدم منحنى آخر بعد يورو 2008 تحديداً وبداية حقبة جديدة بثورة تكتيكية خالصة من ضغط واستحواذ وتمركز ومساحات، مَن حمل افكار كرويف وساكي وسار بها إلى الطريق الصحيح..

 

الفيلسوف غوارديولا

المدرب السابق لعصره ذو الاسلوب الممتع كما يطلق عليه، وهو الذي غير من شكل كرة القدم الحديثة. اختلف غوارديولا عن البقية بأنه أتى في زمان طبق فيه أفكار كرويف وساكي على لاعبين مناسبين وزمان مناسب من ناحية اللياقة البدنية.

   

  

ماذا أضاف بيب؟

1- إلغاء أهمية اللاعب الواحد بالفريق: فالفريق أصبح يلعب بمنظومة وحدة كاملة.

 

2- تقسيم الملعب إلى مستطيلات أكبر وأكثر عدد من الشكل الطبيعي.

 

3- المرونة التكتيكية والتحول من 4-3-3 إلى 3-4-3 إلى 3-5-2 في المباراة الواحدة.

 

4- ابتكار مركز الظهير الوهمي: ﺍﻟﻈﻬﻴﺮﻳﻦ ﻳﺘﻘﺪﻣﺎﻥ ﻭﻳﺪﺧﻼﻥ إﻟﻰ ﻋﻤﻖ ﺍﻟﻤﻠﻌﺐ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﻻﻋﺐ ﺍﻻﺭﺗﻜﺎﺯ ﻣﻤﺎ ﻳﺨﻠﻒ ﻗﻠﺒﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻭﺣﺪﻫﻤﺎ، ﻟﺬﻟﻚ ﻳﺘﺮﺍﺟﻊ ﻻﻋﺐ ﺍﻻﺭﺗﻜﺎﺯ ﻟﻠﺴﻘﻮﻁ ﺑﻴﻦ ﻗﻠﺒﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻟﻴﻜﻮﻥ ﻗﻠﺐ ﺩﻓﺎﻉ ﺛﺎﻟﺚ ﻭﻳﺘﺤﺮﻙ ﻗﻠﺒﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻛﺜﺮ.

 

5- قاعدة السبع ثواني: لدى فريقه سبع ثواني فقط لإستراجع الكرة من الخصم.

 

في اعتقادي بيب غوارديولا أتى في فترة متطورة استطاع فيها أن يطبق أفكار كرويف وساكي ولو أن الاثنان في بداية التسعينيات لم يستطيعوا تقديم الكثير كون تكتيكهم يتطلب القدرة البدنية العالية والتي كانت مفقودة آنذاك، نحن الان نعيش واقع كرة هجومية وليست دفاعية، ومن هذا المنطلق نفهم أن الفريق الذي لا يواكب العصر بأسلوبه ومزاياه يفشل في الهيمنة على العالم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة