رمضان فرصة ذهبية للتصالح مع ذواتنا

blogs رمضان

تهب علينا نسائم رمضان العذبة معلنة قدوم أيام مباركة تمكننا نحن معشر الصائمين من التصالح مع ذواتنا في شهر الصفاء الذي تنظف فيه النفوس من كافة ما علق بها على مدار العام، فنخرج في نهايته بذوات طاهرة وكأنما ولدت من جديد، لتخوض الحياة بإحساس جميل غامر بالانشراح بعد تعديل سلوكياتنا السافلة قيميا والمنحطة إنسانيا. يعد رمضان أهم محطة يمكن لنا فيها إدراك مكامن العطب في ذواتنا التي تفتقد للتناغم بين جوهرها وظاهرها، فإغناء الجانب الروحي من أكثر ما يدفع للتصالح مع أنفسنا، والذي يمثل أرقى مراتب الوعي العملي لما يترتب عنه من فوائد ومنافع جراء التخلص من أوهام الأنا ورغباته المانعة من إصلاح دواخلنا، كما أنه يزيد من اكتشافنا للعمق الأخلاقي الذي أودع فينا؛ فالابتعاد عن إشباع جانبنا المادي يسهل من عملية سبر أغوار ذواتنا والتعرف على مكنوناتها.

 

وقد تعتاد النفوس على ارتكاب المعاصي بعد غرقها في مستنقعات الشهوات، لكن بمجيء رمضان تمنح لها فرصة ثمينة لتنجوا في شهر يمتاز بجو روحاني مثالي، فتستغله لتغيير نمط الحياة اليومية والتوقف على اقتراف ما كانت تقوم به قبل دخوله، فكم من عادة سيئة يصعب التخلص منها إلا أنه في رمضان نقدر على ذلك بسهولة بعد الانقطاع عن ملذات أبداننا فيه، والذي ما هو إلا إدخال أنفسنا في مرحلة صقل وترويض، ورفع درجات تحملها إلى مستويات عليا، مما يخلق لديها قوة وحالة تزكية من المستوى الرفيع. إن رمضان هديتنا الربانية وإن كان زمنها محدود إلا أن نتاج استغلالها الجيد يمتد طويلا؛ بتصالحنا مع ذواتنا في هذا الشهر المبارك ومعرفة قدرها والسعي لمعالجة جوانب الخلل والاعوجاج فيها، لهذا يستوجب منا رمضان حسن استثماره حتى يعود علينا بأغلى المنافع التي تفضي إلى توازن نفسي وامتلاك صحة جسدية وعقلية جيدة، والفائزون الحقيقيون فيه هم الذين سيتمكنون من استغلاله في التصالح مع ذواتهم الذي به سيستطيعون حتما تغيير ما يصعب تغييره، وتعديل ما يعسر تعديله.

 

إن الذين يهملون ضمائرهم سيبقون بحاجة دائمة إلى الشعور بالسلام والتوافق الداخلي، ولا يمكن أن يتحقق هذا النوع من الاطمئنان، إلا من خلال السعي لبلوغ التصالح مع ذواتنا الذي يوازن شخصيتنا ويمكننا من تجاوز سلبياتها

يسهل حصول التصالح مع ذواتنا في شهر رمضان كلما تمكنا من تطهير أرواحنا وتنقية قلوبنا من أدران الذنوب وعوالق الشهوات، والذي يتطلب مصارحة نفوسنا بل ومجادلتها حول ما يصدر منها، ومساءلتها عن ماذا صدر منها؟ وهل ما كسبت مشروع أخلاقيا؟ وما مدى استحقاقها لما جنت؟ وماذا قدمت لله وللآخرين؟ وهل فعلا لذواتنا القدرة على تحمل الأمانة الإنسانية؟ وهل تتجلى في نفوسنا روح المحبة والبذل والعطاء وما له صلة بالقيم النبيلة أم أننا نظل مجرد أجساد مملوءة لذوات معطوبة أخلاقيا وقيميا؟ ويبقى رمضان أفضل وقت للتصالح مع ذواتنا بإزالة حالة الخلاف والتناقض معها، وحقيقة الصيام قولا وفعلا تثبت لنا مدى قابلية نفوسنا للاندماج معه، لنكون على مستوى رقي وشرف هذا الشهر المقدس الذي يمثل اختبارا حقيقيا لنفوسنا وقدراتها على التحمل والصبر لكي تواكب التحديات التي سطرتها فيه، ولا يتم ذلك من دون تكبد المعاناة سواء كانت جوعا أو عطشا أو ضبطا للنفس بما يوائم عظمة هذا الشهر الحميد، لما فيه من روحانية تمكننا من إحداث التغيير الذاتي في حياتنا، فمن كان معتادا على تصرفات سلبية آن له الأوان للتخلي عنها، فمن يقدر على تحمل الجوع والعطش وغيرها من الحاجات الأساسية لهو قادر على تحمل أية معاناة أخرى مهما بلغت حدتها، فالصيام ليس حرمانا بقدر ما هو نوع من أنواع التدريب وتربية النفس على امتلاك الإرادة القوية والعزيمة التي لا تلين، لترك كل ما يفسد نفوسنا والتطوع لفعل الخيرات.

 

تجدر الإشارة إلى أن التصالح مع ذواتنا لا يعني الرضا التام على تصرفاتنا وتعاملنا مع أنفسنا؛ فهذا منطق ملائكي ولا يعني أيضا عدم الشعور بالذنب، بل هو التعامل بتلقائية من ذواتنا ودون تكلف ولا تصنع ولا مباهاة، والرضا والقناعة بما نحن عليه رغم نقائصنا التي نسعى لإصلاحها، ورفض الثقة المفرطة والغرور بصورة مطلقة، فالتصالح مع ذواتنا متعلق بضمائرنا التي بها نحصل على الاستقرار النفسي بعد الحد من التباين الحاصل بين ما في دواخلنا وما نظهره بعيدا عن الصراع الخارجي الذي يفرزه غيرنا والذي لا دخل لنا فيه. لابد من إيضاح فكرة أن التصالح مع ذواتنا لا يدخل فيه اللهاث وراء إشباع الجانب المادي وحده فينا، مع ذلك لا يمكن إنكار الصراع الذي تخوضه نفوسنا مع الماديات، وربما لهذا السبب تكثر الأمراض النفسية في مجتمعاتنا، فحينما يطغى السعي نحو إشباع رغباتنا المادية على حساب الروحانيات نصبح ممن يعيش في مأزق الاغتراب مع أنفسنا، لهذا يظل الاهتمام بالجانب الروحي أكثر ما يمكن ذواتنا من خلق حالة تصالح معها، وهذا ما يؤكد أهمية رمضان على اعتباره فرصة ذهبية لتحقيق الموازنة بين المادة والروح، فكلاهما جزء أساسي في تركيبة الإنسان، وأي خلل في هذا الجانب أو ذاك سوف ينعكس بصورة سلبية مباشرة على ذواتنا.

 

إن الذين يهملون ضمائرهم سيبقون بحاجة دائمة إلى الشعور بالسلام والتوافق الداخلي، ولا يمكن أن يتحقق هذا النوع من الاطمئنان، إلا من خلال السعي لبلوغ التصالح مع ذواتنا الذي يوازن شخصيتنا ويمكننا من تجاوز سلبياتها، واستخراج الخير الكامن فيها بعد القضاء على رواسب وساوس الشياطين وتهذيب نوازع الشر الموجودة في دواخلنا. يعوَّل أشخاص كثيرون على الاستفادة من رمضان في المصالحة مع ذواتهم والتي تعتبر من أعظم الجهاد الممكن في هذا الشهر المبارك، بل ومن أفضل الأمور التي نستطيع أن نقوم بها فيه، فالتخلص من شرور نفوسنا أمر غير سهل كما يعتقد البعض إذ ليس بمقدور الجميع فعل ذلك، خصوصا مع وجود من يستفيدون من تلك الشرور ومن اختبائهم وراءها، فخبثهم الدفين جعلهم يفعلون كل شيء من أجل الإضرار بالآخرين ويقومون بدور لا تقوى حتى الشياطين على فعله.

 

وبالرغم من أن رمضان فرصة ذهبية للتصالح مع ذواتنا ليعود إليها بريقها وصفاؤها ونقاؤها الفطري، إلا أنه للأسف الشديد واقعنا يظهر نقيض ذلك، لأن الكثيرين منا يتركون هذه الفرصة تمر مرورا سيئا لجعلهم شهر رمضان ليلا خاص للأكل والشرب والسهر، والتفرج في الرداءة التي تبث في البرامج الرمضانية الهابطة والمسلسلات الدنيئة، بل ويخصصه البعض للنوم الطويل نهارا والكسل والخمول وكأن رمضان موسم للسبات والغفلة، وهذا انحراف صارخ عن مقصد وجود هذا شهر وعن فلسفة الصوم ومرتكزاته القيمية وحكمته وسمو غاياته وأهدافه التربوية، والذي ينم أيضا عن جهل تام بحقيقة هذا الشهر العظيم من جهة أو عن تضليل متعمد ممن يتحكمون بزمام الوسائل الإعلامية. اغتنموا رمضان واجعلوا منه موسما للتصالح مع ذواتكم ومناسبة للرقي بها، خصوصا وأننا فيه نرتاح من عناء إشباع أبداننا، لتروا الحياة من منظور نوراني مضيء لأنفسكم يضعها فوق كل ما قد يحاك لها من مساوئ وكل ما تواجهه من شرور في هذه الدنيا، الشيء الذي يمكنها من توفير توازن داخلي وسلام ذاتي، فتغمر نفوسنا بالسكينة وتزهر قلوبنا بالسعادة.