المحكمة تقرر.. مشروم يترك ليعيش

blogs تأمل

خرجت من الكويت مهاجرا قبل أشهر، اليوم بعد قبولي في بلد المهجر وعند استلام أوراق اعتمادي لم أتمالك نفسي، ظنت المحامية أنها دموع فرح، وما هي إلا دموع قهر وحزن، الآن فهمت ماذا قصد الكاتب الكويتي المهاجر ناصر الظفيري رحمه الله حينما قال (الوطن يسكننا لا نسكنه). 38 عام عشتها في وطني الكويت وأنا بدون، بدون جنسية، غير كويتي، غير مقيد، جاري البحث، غير محدد الجنسية، عديم جنسية، مقيم بصورة غير قانونية…. وأخرها مشروم!! نعم مشروم، هذا التعبير وصف به الكويتين البدون من قبل نائبة في مجلس الأمة الكويتي، المجلس المناط به تشريع قوانين لحفظ كرامة البشر على أرض الكويت ونبذ التمييز. فهي ممن ينادي من أجل تحسين ظروف العبودية وليس من التحرر من العبودية.

والآن خلال أشهر وبعد رحلة عذاب أصل لبلد المهجر وأصبحت طالب لجوء، لم يقل لي أحد من أين أنت؟ أنت لست مشروم؟ كما تفضلت به النائبة. بعد فترة من الإحترام والتقدير وصون الكرامة وتقديم الأدلة والدراسة تم خلالها توفير مسكن لي وراتب أسبوعي وتأمين صحي أصبحت لاجئ في البلد الجديد، قد لا أحمل جنسية بلدي الجديد بعد، لكني أتمتع بكافة الحقوق الإنسانية في بلدي الجديد، رغم أني لاجئ لدي هوية وطنية وحساب بنكي وتأمين صحي ورخصة قيادة وأستطيع الآن تسجيل أبنتي في المدرسة وإصدار شهادة ميلاد لابني، وغيرها من الحقوق. قد تكون هذا الأمور من المسلمات لدى البعض لكني كنت أصارع الحياة في بلدي الكويت من أجل حياة كريمة، وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية. بعد أن كنت سلعة يساوم على من حكومة الكويت مرة لجزر القمر وأخرى للسودان! أصبحت إنسان وكرامتي مصانة.

لا أجد نفسي منافقا عندما أحب بلدي الجديد الذي أكرمني ورحب بي، والذي تسلل حبه في قلبي وأصبح يزاحم معشوقتي الكويت التي حبي لها شعور فطري لم يغذى أو يعزز، ولن أنسى ذكريات العذاب الشديد

منظمة إنسانية تساعدني وغيرها تلبي احتياجاتي وتسعى لدمجي في المجتمع، وتأسيس حياة جديدة وتهيئ لي الظروف المناسبة وتسخر العقبات لي للإندماج في بلدي الجديد. نعم بلدي الجديد الذي أحبني وأكرمني وأواني. كنت أعيش في الكويت سجين الحاجز غير المرئي الذي أحاطني به ظلم وطني لي وللآلاف من الكويتيين البدون، محروم حتى من الشعور بالإنتماء لوطني الذي ولدت فيه، فقد كنت على هامش المجتمع. الآن أعلم ماذا يعني الانتماء، نعم الحياة الجديدة صعبة لكن لدي كرامة وكيان.

في رحلة المهجر أسلي نفسي فأقول لحبيبتي بجسمي أغادر وروحي لها عويل، أرجو العفو إن أنقصتك قدراً يا روح قلبي، ليتني لا أقولها وداعاً وطني، وداعاً يا روح قلبي (الكويت)، وداعاً وذكرك في فمي ومن روحي ملكت الكثير، أعذرني إن خانتني الحروف وتلعثمت كلماتي بدموع قلبي الجريح، شئت أم أبيت أنا ابنك وأنت بلدي. فحب الوطن جبلّي في النفس البشرية وهو إن كان فطري كونه أثير النفوس وموضع الصبى إلا أنه قد يكتسب، فحب الوطن بحاجة إلا أن يغذى ويعزز.

فلا أجد نفسي منافقا عندما أحب بلدي الجديد الذي أكرمني ورحب بي، والذي تسلل حبه في قلبي وأصبح يزاحم معشوقتي الكويت التي حبي لها شعور فطري لم يغذى أو يعزز، ولن أنسى ذكريات العذاب الشديد فيها منعتني من التعليم والعلاج والحياة الكريمة، ذكرياتي معها ذكريات القهر والظلم وصور سوداء. وأعزي نفسي بالآية الكريمة "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا" وقوله تعالى شأنه "يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ".

أول قرار لي في حياتي الجديدة أن أكون إنسان، ليس ككويتي بدون أو أوروبي، بل أن أكون إنسان أفضل، فحياتي من صنع أفكاري. خرجت من وطني الكويت في رحلة إلى المجهول الذي قد لا أصل إليه وأنا أحمل همومي في صدري، الآن أنا أتخطى الوطن وهمومه وذكرياته ومشاعره إلى الإنسانية الكبرى. يقول د. مصطفى محمود: "الإنسان هو إنسان فقط إذا إستطاع أن يقاوم ما يحب ويتحمل ما يكره". أنا بخير الآن أعرف ما هي مهمتي وأعرف ما هو هدفي، أعلم أنني طالما أتنفس أنني سأستمر في تغيير الوضع غير الإنساني الذي يعيشه أهلي البدون في الكويت إلى الأفضل، وأنا بعون الله قادر على ذلك.