"You’ve Got Mail".. كيف يعكس ستاربكس فوضى خياراتنا؟

يعتبر فيلم "You’ve got mail" -لديك رسالة- للمخرجة نورا إيفرون وبطولة الثنائي توم هانكس وميغ رايان تحفة فنية من تحف سينما التسعينيات. هذا الفيلم الذي يحكي عن قصة حب تنشأ عبر الإنترنت بين بائعي كتب في مدينة نيويورك، (كاثلين) المثقفة صاحبة المكتبة البسيطة التي ورثتها عن أمها من جهة، و(جو) التاجر الكبير الذي يملك سلسلة محلات كتب ضخمة من جهة أخرى، الاثنان يعرفان بعضهما في الواقع لكن لا يدركان أنهما نفسهما اللذان يهيم كل منهما بالآخر خلف شاشة الحاسوب كل ليلة. يحمل الفيلم الذي يمزج بين الرومانسية والكوميديا عدة معاني رائعة خصوصا تلك التي نقرأها بين أسطر الرسائل المتبادلة بين بطليه، تلك الرسائل المرفقة دوما بعبارة (You’ve got mail) التي تم استوحاء اسم الفيلم منها، وصوت التكتكة الخفيف الذي لا يسمع البطلان سواه رغم ضجة وصخب شوارع المدينة التي لا تنام.

 

في إحدى مشاهد الفيلم، يرسل (جو) – الذي يحمل اسما مستعارا هو السيد NY152- رسالة إلى (كاثلين) يصف فيها مقهى (ستاربكس)، والتي تعتبر شركة تمتلك أكبر سلسلة مقاهي في العالم، فيقول: إنّ الهدف من الأماكن التي على شاكلة (ستاربكس) هو مساعدة الناس الذين لا يستطيعون اتخاذ أي قرار في حياتهم، على أن يأخذوا ستة قرارات من أجل فنجان قهوة واحد. قصير أو طويل، فاتح أو داكن، بالكافيين أو منزوع الكافيين، بدهن قليل أو بلا دهن … لذا فالناس الذين لا يعرفون ما هم فاعلون أو من هم أساسًا على هذه الأرض، يستطيعون بـ 2.95 دولار فقط ليس شراء كوب من القهوة فحسب، بل تعريف لهويتهم وإرضاء أنفسهم أيضًا.

 

في هذه الرسالة الصغيرة، استطاع الممثل العبقري توم هانكس وصف الخيارات التي نقف أمامها نحن على مدار حياتنا بمثال بسيط يتمثل في أنواع القهوة التي يقدمها مقهى (ستاربكس)، وتحدث عن أولئك الذين لا يستطيعون اتخاذ أي قرار في حياتهم وكيف أنهم يلجؤون إلى إرضاء أنفسهم عن طريق التقرير بناء على خيارات فرضت عليهم دون معرفة أنهم ربما يملكون بدائل أفضل وهم رواد المقهى الذين يفرحون بكوب القهوة الذي طلبوه، ويفرحون كذلك، بأنهم استطاعوا تقرير ما يشربون. لذا فمقهى ستاربكس لا يبيع القهوة فقط، بل يبيع الثقة الزائفة لأولئك العاجزين عن أي قرار !

   

  

الاختيار هو ظاهرة تلقائية ومستمرة يمارسها الناس بشكل يومي ودوري، أحيانا دون إدراك وأحيانا أخرى بإدراك وتركيز عاليين فالأمر هنا يتعلق بماهية وطبيعة القرارات التي سنقوم بها، فعندما تهم باختيار ما ستلبسه اليوم ليس نفسه عندما تهم باختيار الشعبة الجامعية التي ستدرسها بعد تحصلك على شهادة الثانوية العامة أو عندما تهم باختيار شريك حياتك المستقبلي. الاختيار هو الظاهرة التي تصنعنا وتحدد من نحن وما الذي سنكونه، هو الذي يبني كياننا ويرسم طريقنا، ويضع لنا القالب الذي سنتخذه والحياة التي سنحياها، فجون بول سارتر يقول بأننا لا نعتبر سوى تمخضا لخياراتنا.

 

إن الآليات الفكرية المتنوعة والخلفيات التي يتبعها الناس عند الاختيار يمكن أن تسهل الأمور بقدر ما يمكن أن تسبب المشاكل. كما أن وجود الخيارات أو انعدامها يمكن أن يكون شيئا مساعدا يحررنا مثلما يمكنه أن يكون قيدا ضخما يدخلنا في متاهة الارتباك. في كليات الطب مثلا، تكون الامتحانات على شكل أسئلة ذات خيارات متعددة(MCQ) يختار منها الطالب الاجابات الصحيحة، هذا النظام يعتبر شيئا رائعا بالنسبة للطلبة في مواد معينة لكنه يكون كابوسا بنفس الدرجة في مواد أخرى فمادة الكيمياء ذات طابع الفهم يكون نظام الخيارات متساهلا لكونه يوضح الإجابة بشكل ما، أما علم التشريح فالاختيارات المطروحة تكون كالمتاهات لاعتبار ان المادة تركز على التدقيق الشديد والعبارات الدقيقة التي يتلاعب بها الأساتذة في أسئلة امتحاناتهم.

 

إن وجود الخيارات وكثرتها يخلق ما تحدث عنه توم هانكس في رسالته تلك والذي يمكن أن نسميه بـ(فوضى الخيارات المزيفة)، هذه الفوضى منظمة بشكل مزور وهي المسؤولة عن توريط الناس، فتعطي الواحد منهم خيارات غير حقيقية البتة بل مجرد اقتراحات توضع أمامه، قد تفرضها عليه جهة أعلى منه أو شخص ما في حياته أو ظروف حياتية معينة فتجعله يظن أنها هي المتاحة وحدها دون غيرها. إنها الخيارات التي تقرر نيابة عن الناس.

 

الكلام هنا عن الخيارات التي تصيب الناس بالشرود والارتباك، وعن هؤلاء الناس أيضا الذين يعجزون أمامها، ولا يستطيعون الخروج من قوقعتها فيلجؤون إلى التقرير بين مجموعة من الخيارات يعتبر أحلاها مرا بالنسبة لهم. هؤلاء الناس يتذرعون بكون أن هذا هو الأمر الواقع وتجد دوما عبارة (ليس لدينا خيار آخر) ملاصقة لألسنتهم، هذه العبارة التي لا تسمعها سوى من شخص يقوم بفعل شيء لا يرغب به. المشكلة أن هؤلاء الأشخاص لا يدركون عندما يقومون بالاختيار أنهم فعلا لا يختارون، بل إنهم يخضعون للتوجيه المتعمد الذي يقرر نيابة عنهم. هم أسرى ظروفهم التي تجعلهم لا يعرفون أنهم يمتلكون دوما البدائل، فقط لو استطاعوا النظر أمامهم بموضوعية… هؤلاء الأشخاص هم من يفرحون بكونهم استطاعوا شراء قهوة من محل (ستاربكس)

   

  

لا بد للواحد منا أن يتحرر من تلك الفوضى المنظمة وأن يدرك كيف يغربل المتاح أمامه ويرى الأمور بأكثر من زاوية ويتعلم كيف يقرر بنفسه، فالخيارات الحقيقية هي التي تجعلك سيدا لأنها نابعة منك لا الخيارات المزيفة التي تقرر باسمك بدلا عنك. لا بد للواحد منا أن يتحرر من اليأس الذي تفرزه لنا كثرة الخيارات، يأس يتحول لعجز يوقفنا عن التقدم في الحياة ويترك للآخرين الفرصة للتقرير مكاننا لأننا لم نجرؤ أن نقوم بذلك بأنفسنا فسلب حرية الأشخاص ليس بسجنهم فحسب بل كذلك بسلبهم حرية الاختيار.

 

على الواحد منا أن يتحرى صفة الحقيقة في خياراته فهي الكفيلة بترك المهم واقصاء التافه، وأن الخيارات الحقيقية تجعلنا نقرر عن قناعة ما نريده، وتحررنا من قيود (لو اخترت كذا لكان كذا) وتمنحنا مناعة حديدية ضد الندم من أي قرار اتخذناه. وبالتالي التقدم الفعلي في طريق الحياة الذي آمنا به.

 

أنا متأكد أنك لطالما احترت في اختيار ما تريد أكله عند زيارتك لإحدى المطاعم الفخمة واحترت تماما في اختيار ملابس أنيقة في أحد محلات الملابس الفاخرة وعجزت عن اختيار العطر الزكي في محل العطور الكبير ولست أبالغ بأنك قد غادرت ربما كل تلك الأمكنة دون أن تشتري شيئا. لذا في المرة القادمة أنصحك بأن تختار مطعما عاديا نظيفا بدل مطعم فخم، ومحل ملابس عادي جميل بدل واحد فاخر، ومكتبة عطور صغيرة بدل محل كبير جدا. وهكذا ستستطيع الاختيار بكل قناعة وحرية. واحرص على ان لا تتبع كل دقائق الأمور فهنري فريدريك أميل يقول: (الشخص الذي يصر على رؤية الوقائع بوضوح تام قبل اتخاذ القرار، سوف لن يتخذ أي قرار).



حول هذه القصة

على غير المعتاد وضع الفيلم الحل بوضوح، وكان الحل سهلاً بسيطاً: أيها الفقراء توقفوا عن التكاثر! حين تتكاثرون كالجرذان، تعيشون عالة على الدولة، تتصرفون بهمجية، تقومون بالأخطاء.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة