لماذا يجب أن تُدمِنوا عارف حجّاوي؟

BLOGS عارف حجاوي

عارف حجّاوي.. ذلك المارد الذي خرج من القمقم! أين كان؟ وكيف اختفى عنّا طوال هذه السنين؟ يبدو أنّه كان غارقا حتى أذنيه في غمار عمله المتمترس حول النصّ، ومن هذه النقطة تماما تكمن أهمية الرجل. كنت قد سمعت به وشاهدته في العام الماضي في بعض المقاطع، ولكني لم أتمعّن جيّدا في ما يكتب ويحكي إلا مؤخرا، وأعجبت بطرحه إعجابًا كبيرا، ووجدتُني أتفق معه بشكل كبير، ليس في أنني أشترك معه في الأصول النابلسية، ولا أنّني أحبّ مثله الخطّ الفارسي، ولا أننا نتشارك في الإدمان على الإبحار في خرائط "جوجل إيرث" وفي صعوبة تعلّم لغة جديدة.. بل اتفقت مع الأستاذ في طرحه المتعلّق بالعربية؛ كيف نتعلّمها؟ ما الذي ينبغي تجاوزه؟ موقفه من الدرس النحوي التقليدي، وما يدور حول ذلك.

 

لقد تنبّهتُ إلى قيمة الأستاذ عارف حجاوي حين تابعتُ بعض لقاءاته الأخيرة وتحدّث عن جملة أشياء منها رأيه بعلم النحو، فما زلتُ من الداعين إلى تيسيره وإلى عدم تدريس الطلبة تفاصيله الوعرة، بل الاقتصار على زبدته وما يدفع إلى القراءة السليمة والكتابة السليمة والفهم السليم. وهذا هو ما يدعو إليه الأستاذ عارف تماما. في الواقع، لا أعتقد أن أحدا يدرك قيمة ما يفعله عارف حجاوي مثلي، فما زلت من المشتغلين بالنصّ العربيّ دراسةً وكتابةً وترجمةً وتنقيحًا منذ أكثر من عقد، وعملي كلّه يقتصر على معالجة النصوص العربية ترجمةً وتنقيحًا بشكل يومي، تعرّفتُ من خلاله على مشاكل الكتابة ومواضع الزلل والأخطاء النحوية واللغوية بشكل كبير، وأدركتُ تماما أنّ خير وسيلة لتعلّم العربية هي "معايشة نصوصها". فكيف برجل سبقني بعقودٍ عمل فيها منقّحا ومترجما ومحرّرا في مؤسسات مرموقةٍ مثل البي بي سي والجزيرة وغيرها؟ لا شكّ أنه يملك من الخبرة العملية مع النصّ العربيّ ما يجعله أهلا للنصح ولأخذ الدروس منه.

 

وقد كتب الرجل كتابه "زبدة النحو" (ولي معه وقفة بعد قليل)، وهو كتيّب صغير يلخّص فيه قواعد النحو ويقدّمها بشكل عملي ميسّر مع أمثلة من النصوص المتداولة لكل من يحتاجها من طلبة وإعلاميين وغيرهم، إلى جانب كتاب "اللغة العالية" الذي هو بمنزلة معجم صنعه للإعلاميين، جمع فيه المفردات التي يحتاجونها والتي يكثر تداولها. والخلاصة أنّ الرجل عمليٌّ واقعيّ، خرجَ من مصانع التحرير والتدقيق حتى عافها، فهو خبرة مهنيّة متحركة، وحين يضع مثلُه كتابا في النحو واللغة فسيختلف طرحه بشكل كبير عن المتخصصين الذين قضوا حياتهم بين جدران النظرية، دون أن يمتطوا صهوة اللغة الحيّة وهي تتراكض في مسارات الواقع!

 

المنقذ!
لقد وجدت الأستاذ عارف حجّاوي هو النموذج الذي تتمثّل به هذه المبادئ قبل أن أعيَها وأعتنقها، وتعجّبت كيف لم أعثر في الرجل قبل ذلك! ولكني وجدته ولله الحمد والمنّة

وحتى تعلم يا قارئي العزيز أهمية الموضوع بالنسبة لي، فعليك أن تدرك تماما أنني أنظر إلى هذا الرجل بمنزلة "المنقذ" الذي أعوّل عليه وعلى أمثاله كثيرا في الرفع من قيمة العربية في حسّ أجيالنا الحالية والقادمة. فقد نشرتُ عام 2012 مقالا بعنوان "مشكلات تدريس النحو العربي وعلاجها"، طرحت فيه رؤيتي بخصوص مشكلة الدرس النحوي المتأخر والمعاصر، ولماذا لا يساهم إلا قليلا في رفع مستوى إتقان العربية فهمًا وإنشاءً، وبنَيته على كلام ابن خلدون في "المقدّمة"، والذي خلاصته أنّ أفضل طريقة لتعلّم العربية هي معايشة نصوصها، قراءة وسماعًا، حتى يصير فاعل ذلك بمنزلة من نزل بقوم من العرب الفصحاء فشربَ لغتهم حتى صارت عادة على لسانه. ثم طرحتُ منهجًا مقترحًا لتدريسها في المدارس.

 

ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا، وأنا أبحث عن نموذج عملي واقعي يعين طلاب العربية على تعلّمها بهذا المنهج ويحبّبهم بها، فإذا بي أجد الأستاذ عارف حجّاوي وهو يصدح بالعربية كالطود الشامخ في حلقات متلفزة، وفي تسجيلات صوتية، وفي كتبٍ نافعة عملية. ووجدته يقول ما معناه: يجب أن تُدرس اللغة من خلال النص الجميل، أن تقرأ شعرا وقصة، أن نقرأ كثيرا، هذا هو ما يعلّم اللغة، وليس بتدريسها كرياضيات. ففرحتُ لذلك فرحًا عظيما، وكنتُ قد كتبت قبل نحو عامين:

 

"العربية مخلوق منجدلٌ بوجدان العرب ومعجون بنفوسهم المرهفة. خرجت الكلمة العربية من القلب قبل أن يعقلها العقل، وخفقتْ بها الصدور في الفيافي القاحلة قبل أن تسطرها الأقلام في الصحف. ولهذا كانت العربية لغةً تُذاق قبل أن تُعقل، وتغرس معانيها في الحسّ والبديهة قبل أن تفلسفها عقول النحاة والبلاغيين".

 

"ولهذا فإنّ من أكبر الجرائم بحقّ العربية كلّ هذا العبث الذي يضعها تحت مجهر الفلسفة تارة ويطعنها بمبضع الرياضيات تارة أخرى. وما أشدّ أسفي حين أجد أجيالا تضلّ عن تذوّق العربية فتغدو اصطلاحات النحاة والبلاغيين هي موضع التباهي والتفاخر فيها، وحال هؤلاء كالذي يرى وجها مليحًا حسنا، فعوضًا عن رشف الجمال الذي فيه يعمد إلى مبضع الطبيب فيشرّحه ويفصل جلده عن لحمه، وعصبه عن عظمه، فيقول: هذا جلد صاف، وهذا عضل مشدود، وهذه نسبة ذهبية في أبعاد عظام الوجه.. إلى آخر هذا العبث الذي أضاع على صاحبه تذوّق الجمال وأفسده"!

 

لقد وجدت الأستاذ عارف حجّاوي هو النموذج الذي تتمثّل به هذه المبادئ قبل أن أعيَها وأعتنقها، وتعجّبت كيف لم أعثر في الرجل قبل ذلك! ولكني وجدته ولله الحمد والمنّة.

 

مفاتيح عارف حجّاوي العربية

وحتى تدرك أيّها القارئ قيمة الرجل فسأقدّم لك هنا أهم المفاتيح التي تعرّفك بجهوده في رفع راية العربية:

 

أولا: إدراكه للخلل الكامن في الدرس النحوي التقليدي، وهذا ليس أمرًا بدهيا، فقد حسبتُني سأموت قبل أن أجد أستاذا قديرا يدرك أن الدرس النحوي التقليدي لا يساهم في تعلّم العربية لغةً للحديث والتداول إلا قليلا. ثم إنّه قدّم البديل النظري المعين على إتقان قواعد العربية عند الحديث والكتابة، وتحديدا من خلال كتابه "زبدة النحو"، وأحسبه زاد من اختصاره في كتّيب أصغر يضعه في جيب بنطاله!

 

ثانيا: تقديمه لحدائق وارفة من النصوص العربية بصوته الفصيح الأجش، وهو تطبيق عمليّ لما يؤمن به من أنّ العربية يجب أن تُدرس من خلال النصّ الجميل، أن تُقرأ شعرا وقصّة. وقد أضاف إلى ذلك موسوعته الجميلة في الشعر العربي، والتي تضمّ مجلّدات كبيرة عرّف فيها بأبرز شعراء كل مرحلة من مراحل الشعر العربي، من الجاهلية حتى الشعر المعاصر، ثم وضع قصائدهم مشكولةً، وشرحها شرحًا مشكولًا. وهو شرح معاصر بلغة معاصرة تشدّ العقول والقلوب، وتستهدف مواضع الجمال، ولا تنفّر الأجيال المعاصرة أو تُشعرهم بوعورة اللغة. فهذه الموسوعة زادٌ مهم جدا لكل طالب للعربية، ليرشف نصوصها رشفًا، فتصير العربية حبّا ينبض في قلبه قبل أن تكون قواعد يكابد حفظ تعقيداتها! وأسماء كتب هذه المجموعة هي: "أول الشعر"، "تجدُّد الشعر"، "تألُّق الشعر"، "إحياء الشعر" و"آخر الشعر".

 

ثالثا: يهتم الأستاذ عارف بمعاصرة اللغة، أي ألا نتكلّف الحديث بلغة الجاحظ والأصمعي، فلكل عصر مفرداتٌ تطفو وأخرى تغيب في الأعماق، وكلها مفردات عربية جارية على قواعد نحوها وصرفها ومستقاة من أصولها المعجمية، فليست الفصاحة أن تتحدّث بلغة الجاحظ، ولا حتى بلغة الرافعي أو محمود شاكر، بل الفصاحة أن توصل خطابك من خلال اللغة بأيسر السبل وأوضحها. كما أنّ جهوده المعجمية لا تخفى، وكتابه "اللغة العالية" مفتاح في هذا الباب.

 

رابعا: الأستاذ عارف من دعاة تدريس كل العلوم بالعربية، يقول: "لا بدّ لنا من العلم، ولا بدّ لهذا العلم من أن يأتينا محمولا على ظهر اللغة العربية". وله جهود طيّبة في تعريب بعض الاصطلاحات المعاصرة.

 undefined


خامسا:
يرى الأستاذ عارف أنّ هذه الأمة لن تنهض إلا على أكتاف لغتها، ويرى أنّ الأصل هو تعلّم اللغة العربية والقراءة بها كثيرا لاكتساب ثقافة راسخة، ثم ننطلق بعد ذلك – أو بموازاة ذلك – لتعلّم اللغات الأجنبية. فهناك مشكلة لدى من يتعلّمون اللغات الأجنبية مع قدر قليل من الثقافة ومن اللغة العربية كما يقول؛ لأنهم حينئذ سيعرفون قشور القشور من اللغة الأجنبية وثقافتها حين يدرسونها.

 

سادسا: للأستاذ عارف حرص على النطق السليم والكتابة السليمة بالعربية، متجاوزا مجرد التدقيق على قواعد النحو والصرف، فهو يتطرق إلى العبارات الركيكة مصوّبا، وقد استفاد في ذلك من خبرته الصحفية الطويلة في معالجة النصوص، ومن اطلاعه الواسع على التراكيب الإنجليزية التي لاحظ تأثّرنا ببعضها سلبا من خلال الترجمة الحرفية.

 

هذه نقاط ستّ محورية في طرح الرجل المتعلّق بالعربية، لا أقول إنها تلخص آراءه في العربية، ولكني أجدها من أهم ما طرحه، وهي بمنزلة المفاتيح للدخول إلى عالم العربية عند الرجل، ولإدراك قيمته من جهة أخرى.

 

مشكلتي مع عارف حجّاوي

رغم هذا التوافق الكبير مع الأستاذ عارف حجاوي، فقد اختلفت معه في رأيه بخصوص إلغاء التشكيل. فالأستاذ عارف رغم أنه كتب ما يرشد إلى إتقان التشكيل، فإنّه يرى أنّ التمسّك بالتشكيل مستقبلا هو نزعة "سلفية"، وأننا لا بدّ أن نتجاوز يومًا ما التشكيلَ لنُسكّنَ أواخرَ الكلمِ، فنذلّل بذلك – كما يرى – صعوبة تقف عقبة أمام طلاب العربية. ويرى الأستاذ عارف أنّ إلغاء التشكيل لا يؤثّر في تغيير المعنى، وأنّ السياق هو الذي يجعلنا نعرف المعنى. وقد ضرب لذلك مثالا في كتابه "زبدة النحو"، إذ وضع أسطرا قليلة سكّن فيها أواخر الكلم وألغى التشكيل، ليدلل على أنّنا فهمنا المعنى رغم إلغاء التشكيل!

 

وفي نظري، وليسمحْ لي الأستاذ عارف بأن أناقشه رغم فارق الخبرة والعلم والسنّ، فليس صحيحا أنّ إلغاء التشكيل لا يؤثّر في تغيير المعنى، حتى لو قلنا إنّ السياق يوضح المقصود، فإنّ البشر عقول متفاوتة وقد يحدث الاختلاف كثيرا رغم وضوح السياق كما يبدو لأول وهلة، ولهذا يأتي التشكيل كضابط مهم لتحديد المعنى. وفضلا عن ذلك، فإنّنا حين قرأنا الأسطر المسكّنة في كتاب "زبدة النحو" كنا نحسن قراءتها لرسوخ آلية النحو في أدمغتنا بعد التمرّس بها لسنوات. ثم إنّ هذه الأسطر لا تمثّل جميع أنواع الجمل وجميع المفردات، فأحيانا قد ترد جملة فيها إشكال: هل هذه الكلمة فاعل أم مفعول به؟ وقد يكون الخياران محتملين في السياق، فهنا يأتي الإعراب أو التشكيل ليضبط المعنى.

 

لقد شعرتُ وأنا أقرأ هذه الأسطر المرهقة المسكّنة أواخرها كأني أسير في وحل، وكلما تقدّمت سطرا غصتُ في الوحل أكثر! شعرتُ بقيود تقيّد لساني عن القفز على المفردات والتنقّل بينها بسلاسة، فصرت أنتف الكلمات نتْفًا! وقد أرشدني هذا إلى أنّ الإعراب يحمل دورا "موسيقيّا" إنْ جاز التعبير وليس فقط لضبط المعاني، وليس أدل على ذلك من دوره في الشعر العربي، الذي لن تجد شعرا على هذه الدرجة من الموسيقيّة في العالم مثله، فكيف يحصل إنْ ألغينا الإعراب؟ وكيف يكون الشعر "رقصًا" كما يقول الأستاذ عارف وقد ألقينا بملابس الرقص في الحاوية؟!

 

أجد الأستاذ عارف ما زال ماضيًا مع ما يسمّيه "الفكر السلفي"، معتنيًا بالتشكيل في كلامه ومدرّسا له، بل يرفده بكل ما يعين على تذليله أمام الطلبة، فهذا ما جعلني أدعو إلى إدمان الاستماع للرجل والقراءة له

فضلا عن ذلك، فإنّ إلغاء الإعراب سيمسّ ولا شكّ في فهمنا للنصّ القرآني، وهو الأخطر، ثم في حفاظنا على تراثنا الشعري القديم بكامل ألقه، جرّب أن تقرأ قصيدة لامرئ القيس بغير إعراب وانظر كم ستخسر! إنّ التشكيل أو الإعراب في نظري جزءٌ من منطق العربية المتكامل، عضوٌ من أعضائها لا يمكن فصله عن جسدها، ونحن إذا فصلناه سنجد صعوبة في التواصل مع تراثنا العربي العتيد، بدءًا بالقرآن الكريم ثم السنّة النبوية ثم الشعر العربي.

 

أما مشكلة عدم القدرة على الإعراب خلال القراءة عند المعاصرين فهي ليست أنّ الإعراب لا يكون إلا بتصنّع، بل هي مشكلة حضارية في المقام الأول، وها هي الإنجليزية احتوت على الكثير من الكلمات المكتوبة بإملاء لا يعبّر عن المنطوق، ولا يمكن الزعم بأنها تنسجم مع السليقة، ومع ذلك لم تُلغ حتى يومنا هذا. وها هم الإنجليز وسائر شعوب الأرض يتعلّمون الإنجليزية ويتعاملون معها لغةً للعلوم ولا يشْكون من هذه الطريقة العجيبة في كتابة الكثير من الكلمات. وذلك لأنّ للإنجليزية من القوة الحضارية التي تجعل الشغف بتعلّمها والإصرار على ذلك متجاوزا لصعوباتها وعراقيلها البنيوية، بل تصبح هذه العراقيل الصعبة مما يتسابق عليه دارسوها، ويتفنّنون في لملمة شواردها وإتقانها.

 

ولقد وجدنا من أبناء العربية من يتعلّم الإنجليزية أو الفرنسية على كبر فيتقنها إتقانا شديدا، بل تجده شغوفا بمعرفة دقائقها، وتجد بعض هؤلاء يسخرون ممن يخطئ في التلفّظ بكلمة إنجليزية أو فرنسية رغم أنهم فهموا ما أراد قوله. فالدافع الذي جعل هؤلاء يحرصون على إتقان الإنجليزية بهذا المستوى الرفيع وبشغف كبير رغم أنها ليست لغتهم الأم هو دافع نفسي، وكذلك الأمر بخصوص العربية، لو توفرتْ الدوافعُ النفسية الحاثّة على إتقانها والشغف بها لانهدم هذا الحاجز الذي يصوّر إتقان الإعراب مهمّة شبه مستحيلة!

 

ولقد درستُ الفرنسية أو حاولتُ (وفشلتُ فشلا ذريعًا) فوجدتُ في الكثير من كلماتها حروفًا زائدة لا تُلفظ، وشعرت بثقل حفظ ذلك وتعلّمه، وها هي اليوم "لغة الرومانسية" التي يفخر بها الفرنسيون والمتفرنسون، لم يشكُ أحد من هذه الصعوبات غير المنطقية فيها! ودرستُ الألمانية (وها هي تتبخّر من دماغي الآن) فوجدتُ الكثير ممّا لا يتلقّاه العقل بسلاسة، ولم يقم الألمان بحملة لتشذيب لغتهم من القواعد الصعبة التي لا تسير على هدْيٍ واحد متّسق أحيانًا، وذلك لأنّ الألمان أمة قوية فخورة بلغتها. نعمْ يعملون على تعديل قواميسهم وتحديثها، ولكنّهم لا يلغون قواعد اللغة الأساسية بحجّة صعوبتها.

 

ورغم هذا الاختلاف، أجد الأستاذ عارف ما زال ماضيًا مع ما يسمّيه "الفكر السلفي"، معتنيًا بالتشكيل في كلامه ومدرّسا له، بل يرفده بكل ما يعين على تذليله أمام الطلبة، فهذا ما جعلني أدعو إلى إدمان الاستماع للرجل والقراءة له، وهو عندي من أهم الدعاة إلى الفخر بالعربية ومن أهم المدافعين عنها والعاملين على إبقائها لغةً حيّة. مع أنّي لا أحب أن يسمّى الحفاظ على التشكيل فكرا "سلفيّا"؛ لاعتقادي بأنّ التشكيل جزء من فلسفة العربية وسرّها الخالد.

 

خارطة عارف حجاوي

وأخيرا، أجد أنه من المهم توجيه القارئ لمواد الأستاذ عارف، وتحديدا مواده المسموعة والمرئية، فضلا عمّا ذكرته سابقا من كتبه المهمّة. فادخل أولا إلى قناته في يوتيوب، Aref Hijjawi، ستجد هناك مجموعات من المقاطع الشعرية لأبرز الشعراء القدامى والمحدثين، فاحرص على الاستماع إليها بقلب حاضر وذهن متفتّح، عشْ معانيها وتجارب أولئك الشعراء، فلهذا أثر كبير في تقويم لسانك وفؤادك.

 

ثم إنك ستجد له سلاسل أخرى مثل "اللغة العالية"، أو "العروض والقافية"، أو "كتاب علّمني"، أو "أحاديث أدبية من البي بي سي" أو "همس وضوضاء" وغيرها من الأحاديث العربية الفصيحة في مختلف المواضيع، فاحرص على انتقاء ما تحبّه منها لتستمع إليها. ولو بحثت في يوتيوب ستجد سلسلة أخرى صغيرة له بعنوان "دقائق اللغة"، فاحرص على متابعتها فهي مصوّبة وملهمة، وستجد بعض اللقاءات المتفرقة له ضمن برنامج "ما يسطرون" و"أسمار وأفكار" فتابعها. كما أنّه سيذيع برنامجًا جديدا في رمضان الحالي على إحدى القنوات بعنوان "اللغة العالية". أما كتبه فاقرأ كتابيه "زبدة النحو" و"اللغة العالية" وسائر ما كتب، ثم اقتن مجموعته حول الشعر العربي وأدمنْ مطالعتها. ستجد أثر ذلك في لسانك العربيّ بإذن الله.