مُتلازمة النوافذ

BLOGS نافذة

"عذراً.. أنا بجوار النافذة".. هكذا استهِلُ كُل رحلاتي.. الطويلة منها و القصيرة، ليلاً أو نهاراً وفي كُلّ الفصول و كُلّ الأحوال..! العجيب في الأمر أنني وبعد هذا العمر لا أعرف الاتجاهات ولا الأماكن ولا حتى أسماء الشوارع وأجدُ صعوبةً في وصف مسار وجهتنا لأحد..! يقال: (الّذين يجلسون بجوار النافذة، لو سألتهم عن تفاصيل الطريق لا يعرفونها). جمله قد تحتوي على نسبةٍ من الصحة، لكنها بالتأكيد لم تحتضن الحقيقة بين حروفها.

ولماذا لا نعكس السؤال، لنسأل تفاصيل الطريق عن تفاصيل عشاق النوافذ، نسأل الجبال عن غصةٍ حبست أنفاسهم، والأشجار عن ابتسامتهم العفوية التي توارت بين أغصانها ونسأل أجنحة الطيور عن مئات التنهيدات التي ارتقت بها لتستقر في السماء هناك حيث تحتويها رحمة الرحمن الرحيم، ولم لا نسأل أذني النافذة عن عدد المرات التي سمعتا بهما (يا رب) وربما لو سألنا المقاعد والوديان وأعمدة الشوارع أو حتى شاخصات المرور لعرفوهم وبيسر. كيف لا وأن وطأة الأيام عليهم يسيرة، وعلينا مُضنيّةٌ.. أننا وبمجرد أن تبدأ ملامح الحياة تسيرُ أمام أعيننا حتى تنطلق الرحلة، بعيداً عن كُلِّ ملموسٍ هنا..

لا تستهينوا بالتفاصيل الصغيرة، فتفاصيل أرواحنا تجسد معنى الحياة لدينا.. وإن اختلفت تبقى مُتأصلة في أثرها. قد تجد هذا الشعور في موسيقاك المفضلة أو بوردة تحملها يدُ الحبيب وآخر تتملكهُ رائحة عطر لا تحمل أي ماركة مسجلة إلا في قلبه

تَعرِفُ الجبالُ كم عانينا لنقف شامخين.. لنُبقي ثلاثةَ أرباعِ ما يوجعونا مدفونٌ تحت أُصولنا.. لنستقبل كل عاصفٍ على أيامنا دون أي حراك، وبعد كُلّ مِحنةٍ نتفقدُ القمةَ والسفحَ ونُعيدُ الترميم ولو بالهدم.. كم تُشبهُنا صخورها الصلبة وفتاتها المُتطاير بين الأهواء.. مثلُنا تماماً فكيف لها أن لا تحتضن غصّة كادت أن تُمزقنا! حتى الأشجار؛ تبتسم لنا كلما راقصت نسائم الذكرى أغصان الشوق الحزين.. تتمايلُ وريقاتُها بلطفٍ حاني كيدّ أمٍ حنون تُربتُ على أكتافنا.. مثلُنا تماماً فكيف لها أن لا تحتفل بابتسامتنا اليانعة!

وعلى أجنحة الطيور حمّلنا أمتعة الأحلام والخيبات.. الطموحات والانكسارات.. فرّغنا جيوبنا من كُلّ التنهيدات.. حينما استقرت هناك، عانقنا لُطفُ المولى وكأن قبساً من نعيم الجنة غُرس في أرواحنا.. مثلُنا تماماً فكيف لها أن لا ترتقي بنا مع كُلّ نَفَس! هذه السهولُ الخضراء ربيعُ أيامنا.. نستقبلها ونودعها بلا حولٍ لنا ولا قوة، ينابيع الزُلال تلك تتدفق كشغفٍ يُصبُ على قُلوبنا صباً.. لا نعلمُ مصدرهُ ولا مَرَدُّهُ، غُيومٌ بلون ضمائرنا.. بيضاء تحملُ معها صحو عقولنا، أو قاتِمة نحتمي من فعائلها، سنابل الذهب هنا وثمار الحقول هناك.. مقاعدٌ تنتظرُ معنا.. شواخص تُحدد مسارنا.. إشارات ضوئية توقف تدفق أفكارنا.. فضاءٌ رحب نمرحُ به بلا تعب.. مثلُنا تماماً فكيف لها أن لا تحتوينا!

عشقنا وجه النافذة؛ عليه أثر انفاسنا التي رسمت خريطة بلى وِجهة.. يديّها التي ما فارقت أيدينا.. أذنيّها لم تخذلنا البته.. لمعةُ عينيّها التي نُسقيها من مشاعرنا.. مع كُلّ لقاء أظنها ستَملُني، أو ربما تُشيحُ بوجهها عن أحاديثي.. لكنّها رفيقٌ مخلص تُشاركُنا قَطع المسافات، بل أنها تَصنعُ لنا مسافات جديدة، أكثر جمالاً ورقةً، وأخفَ وقعاً على النفس.. تشبهنا تماماً فكيف لنا أن نترك مقاعدنا بجوارها! إن الأشخاص المُصابون بمتلازمة النوافذ هم ليسوا فاقديّ التركيز، على العكس تماماً فهم أكثر الناس تركيزاً.. ولكن مع أنفسهم، أجادوا صنعَ علاقاتٍ وطيدة مع كُلّ ما حاصرهم.. قذفوا الحياة فيمّا حولهم، فلا جماد يجوبُ أركانهم. وكُلُّ ما في الأمر أنهم لا ينظرون للطريق بأعينهم وإنما ينظرون لها بروحهم..

لا تستهينوا بالتفاصيل الصغيرة، فتفاصيل أرواحنا تجسد معنى الحياة لدينا.. وإن اختلفت تبقى مُتأصلة في أثرها. قد تجد هذا الشعور في موسيقاك المفضلة أو بوردة تحملها يدُ الحبيب وآخر تتملكهُ رائحة عطر لا تحمل أي ماركة مسجلة إلا في قلبه.. وغيرهم يمتلك آلاف الأقلام من النوع نفسه لأنه خطّّ به قرار حياته المصيريّ.. هذه أرواحنا مع عِظم الهالة التي تصنعها إلا أن تفاصيل صغيرة تبدو لها أعظم بكثير.. الأمرُ شائكاً بعض الشيء.. لا تُرهقوا عقولكم بالتفكير.. انطلقوا في رحلة الأن، جاوِروا نافذتكم المهجورة أو اصنعوا رحلة من تفاصيلكم الخاصة ولا تُقاوِموا أمواج العاصفة.. سلمّوا روحكم لرحلةٍ من نوعٍ فريد.. أربطوا الأحزمة فالأمر يستحق التجرُبة.