سامي كليب.. الرحالة "المستشرق"

العالم بعيون الصحفي المخضرم سامي كليب في كتاب "الرحالة: هكذا رأيت العالم" هو مسارات من الرحلات خاضها هذا المثقف الملتزم بقضاياه في الصحافة وشؤون هذا الكوكب من تجربته الإنسانية وما تحمله من خبرات ومغامرات. وأن تكون صحفياً فيكون لهذه الصحبة طعم آخر في الاتفاق والاختلاف والتعلم.

 

مرافقة سامي تعني ثراء في فهم الصراعات من الميدان في اليمن والسودان وجيبوتي والصومال والصحراء الغربية وفي تعقب خلفيات التوترات في مصر والجزائر وتونس وموريتانيا والبرازيل وفي أن نسيح في مدن زرناها أم لم نزرها من بوكيت التايلندية ومراكش المغربية إلى هافانا الكوبية ولاس فيغاس الأمريكية.

 

ومرافقة سامي تعني أيضاً أن يدب الخلاف الذي لا يفسد في الود قضية في تفسير حكم العرب والمسلمين للأندلس، فهو يراه استعماراً وقد عادت الأرض إلى أهلها، فلماذا لا ينطبق الأمر نفسه على مصر القبطية أو إسطنبول التركية. وتعني أيضاً أن تناقشه في جلد الذات العربية بين كل صفحة وصفحة.

  

لا نفهم خلال تصفح الكتاب بعض الإسقاطات المبالغ فيها مثل تحويله حي الفاتح الإسطنبولي إلى قندهار الطالبانية، أو الانتقاد المفرط للنقاب والمظاهر الإسلامية في سوريا ولندن وباريس

يصر سامي على مقارنة الغرب بدولنا المتخلفة، فهو تارة يحمل تخلفنا إلى الحكام، وتارة أخرى يمدحهم علانية أو بين السطور من جمال عبد الناصر إلى عبد العزيز بوتفليقة. ويتجاهل آل الأسد في سوريا ليلقي اللوم على عصابة البغدادي الداعشية متناسياً أنها وغيرها ترعرعت في سجون هذه الأنظمة مثل صيدنايا.

 

أن نسافر فوق سطور الكتاب لا بينها نتعجب من المديح المفرط لآل نهيان في الإمارات ومحمد بن راشد آل مكتوم في دبي وكأن هذه البلاد لا تضم سجن الرزين السيء الصيت ولا تنتهك حقوق الإنسان من العمال الوافدين إلى المواطنين المعارضين ولا تزرع بذور الشقاق والفتن وتنشر المرتزقة من اليمن إلى ليبيا.

 

في مرافقة سامي في باريس الساحرة نستغرب مقارنته جمال نهر السين بـ"نهر الموت" الشحيح والملوث في بيروت، فالنهر البيروتي، وفق مقارنة سامي، ألقيت في بطنه جثث إبان الحرب الأهلية، لكن سامي لا يشير إلى أن نهر السين صبغته دماء الجزائريين في 1961. سامي القابض على جمر مشرقيته نراه يستشرق في المقارنات.

 

لا نفهم خلال تصفح الكتاب بعض الإسقاطات المبالغ فيها مثل تحويله حي الفاتح الإسطنبولي إلى قندهار الطالبانية، أو الانتقاد المفرط للنقاب والمظاهر الإسلامية في سوريا ولندن وباريس وهي تبقى حرية شخصية طالما لم تمس حرية أحد آخر، مثلها مثل حرية فتيات لاس فيغاس أو المتحولين في بوكيت.

 

سعدنا ببعض الرحلات بينما أخرى نغصت المتعة، مثل إقحام زيارة موسكو وسان بطرسبرغ بين الصفحات. فلم نر فيها غير زيارة جاءت تلبية لدعوة دعائية اقتصرت على أيام المؤتمر رافقه فيها شخصية لبنانية طائفية عنصري ضد الفلسطينيين والسوريين، نستغرب كيف تثير إعجاب كاتبنا وهو وحدوي علماني عروبي يساري الهوى وليبرالي المسلك.

 

في صحبة الرحالة سامي كليب، كانت متعتي أني أشاركه ذات المهنة والهوايات، فاتفقت معه كل الاتفاق في أن "السفر وحده لا يكفي وأن علي كلما سافرت أكثر أن أقرأ أكثر". وأدركت معه "أنه مهما أغراني السفر وأغوتني حياة الترحال يجب أن أعود إلى وطني وجذوري وأهلي"، ووطني لا حدود له.

 

وعلمني السفر والترحال مثلك يا سامي "الانفتاح على الإنسان أينما كان. تعلمت التسامح وفهم الآخر. تقبلت عادات الشعوب مهما كانت غريبة. آمنت بضرورة مد جسور وتواصل بين بني البشر". ولذلك، أشاركك موقفي من كل أنواع التطرف بما في ذلك الديني، لكن ذلك لا يمنعنا من البحث عن أسبابه ودوافعه.

 

الحس الأدبي لسامي يحضر كثيراً في دقة وجمالية وبلاغة الوصف واستوقفني حديثه عن أن "للمدن أرواح منثورة على أرواح ناسها. مهما اختلفت الوجوه والأشكال والألوان فإن لكل مدينة روحها المتناثرة في أرواح أهلها وساكنيها والعابرين فيها. للمدن ألوان وأشكال، ولكن الأهم أن للمدن روائح وأرواحا تختلف من دولة إلى أخرى. للمدن أحاسيس تنساب إليك فتنساب إليها، أو تنفر منها".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة