حراك الجزائر.. رهان التغيير يتواصل

blogs الجزائر

أدهش ملايين الجزائريين العالم في المسيرات المنظمة بأسلوب حضاري وراقي، كما استطاعت عدة أسابيع من غليان شعبي في كل ربوع الوطن الجزائري أن تنهي 20 عاما من حكم "بوتفليقة"، الذي استقال تحت ضغط الحراك الشعبي، لكن الشعب لا يزال يناضل ويكافح بعزم وإصرار مطالبا بالتغيير الجذري، فرقعة الحراك تتسع مكانيا وزمانيا، وسقف المطالب بات يرتفع من رفض للعهدة الخامسة إلى إسقاط رموز النظام والباءات كلها.

انفجر بركانُ غضبٍ شعبي في 22 فبراير 2019، عبر عنه الشعب الجزائري طيلة الأسابيع الماضية في حراك بعث إشارات واضحة عن رقي الشعب وتحضره. فالحراك الذي بدأ افتراضياً على وسائل التواصل الاجتماعي، انتقل إلى احتجاجات ميدانية عارمة، كما أن غياب تغطية إعلامية محليّة للاحتجاجات، وتجاهل القنوات العموميّة والخاصّة عرض الأخبار المتعلقة بالاحتجاجات، بل قامت بعض القنوات الإعلامية بتحريف الغاية من نزول الناس إلى الشوارع، والادعاء بأنها مسيرات «من أجل التغيير والإصلاح»، رغم أنها كانت مسيرات ضد «العهدة الخامسة»، مما دفع بالعديد من المشاركين في المسيرات بنشر مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي لينقلوا بذلك كل ما يحدث في الشارع الجزائري مباشرة. كما عبّر المشاركون في الحراك الشعبي، عن رفضهم التدخل الأجنبي، مطالبين بإبقاء الحل جزائرياً، وفق ما تقتضيه مصلحة الشعب.

لم يقتنع شعب الجزائر الذي أصبح حديث الصحف والقنوات في كل أنحاء العالم باستقالة بوتفليقة، ولا بتطبيق المادة 102 من الدستور، ولا حتى التغيير الذي طرأ في الحكومة باستبدال وزير بآخر

إن ما ميز الحراك الجزائري، هو المشاركة النوعية، لكل فئات المجتمع الجزائري المختلفة، سواء تعلق الأمر بامرأة أو رجل أو شاب أو طفل أو مسن، وقد برز دور المرأة الجزائرية في هذا الحراك، وهو ما كسر الصورة النمطية التي اعتاد عليها الجزائري، على اعتبار أن المرأة مكانها في مساحات معروفة ومغلقة.. وهذا ما يدفع نحو تأسيس للفعل الديمقراطي في المجتمع الجزائري وحق الجميع سواء كان رجلاً أو امرأة في التعبير.

وقد اجتمع الجميع في البداية على شيء واحد هو "لا للعهدة الخامسة"، حيث أمضى "بوتفليقة" أطول فترة حكم قضاها رئيس جزائري على سدة الحكم في تاريخ الجزائر دامت 20 سنة، كانت له مشاهد مليئة بالأحداث السياسية، بدأها بميثاق السلم والمصالحة وانتهت بمرضه على إثر إصابته بجلطة دماغية سنة 2013 جعلته يقضي عدة سنوات حكمه صامتا مقعدا لا يخاطب شعبه، لكنه رغم ذلك أعلن عن ترشحه لعهدة خامسة في الانتخابات التي كانت مقررة في أبريل 2019، إلا أنه وتحت ضغط الحراك الشعبي تراجع وقام بتأجيل الانتخابات، وهذا ما أجج غضب المتظاهرين حيث اعتبروا ذلك تحايل لتمديد مدة ولايته، فخرج الآلاف من الجزائريين في وقفات احتجاجية أخرى حملوا فيها شعارات تعبر عن رفضهم القاطع لتمديد العهدة وتأجيل الانتخابات، ليعلن بوتفليقة على إثرها استقالته رسميا في 2 أبريل 2019، وبعث بعدها رسالة اعتذار يرجو من خلالها الصفح من الجزائريين، فرد بعض الجزائريين عليها بقولهم: :يمكننا السماح لبوتفليقة… لكن لا يمكننا مسامحة الحكومة على ما فعلته".

لم يقتنع شعب الجزائر الذي أصبح حديث الصحف والقنوات في كل أنحاء العالم باستقالة بوتفليقة، ولا بتطبيق المادة 102 من الدستور، ولا حتى التغيير الذي طرأ في الحكومة باستبدال وزير بآخر.. شعب الجزائر أصر كل الإصرار على التغيير الجذري، وبناء حكومة انتقالية بإسقاط النظام والباءات كلها، ولا يزال يكافح تحت شعار "أتركونا نعيش بحرية"، هذا الشعب الذي أخرج فرنسا بالقوة وأنهى احتلالها للجزائر، والذي صمد في العشرية السوداء وحتى في الأزمات، سينتصر حتما مادام مصرا على بناء جزائر جديدة متحدة تحت شعار "خاوة…خاوة"، فنوايا هذا الشعب هي من نوايا الإصلاح، في حين الساسة الفاسدون ذكروا الشعب بدماء سوريا والربيع العربي، لكن الشعب رد قائلا: "الجزائر ماشي سوريا"، "ونحن لسنا عرب.. نحن أمازيغ"، ليعطي بذلك أيضا درسا في السلمية لأصحاب "السترات الصفراء" والدرس هو "كيف تحافظ على هدوءك وأنت غاضب"، لكن ما يجب أن نعلمه كلنا أن الإصلاح لا يكون في وقت وجيز بل يحتاج إلى صبر ووعي كبير، وسلمية الحراك يجب أن يضمن استمرارها ما دام الشعب متعطش للتغيير.