الأفلام كمعمار.. هكذا تكلمت الهندسة المعمارية عبر السينما

blogs inception

"نقوم بتشكيل مبانينا، وبالتالي فهي تشكلنا"

وينستون تشرشل

    

من الصعب تخيل السينما دون مشاهد تملأ القصة وتغنيها، من دون الديكورات تبقى السينما مجرد فراغ غير قادر على إخراجنا من واقعنا وانغماسنا في قصة الفيلم، يقول المخرج الفرنسي جون لوك غودارد بأن هناك عدة طرق لصنع الافلام، مثل جون رينوار وروبيرت بريسون الذين يصنعون الموسيقى، ومثل سيرجي إيزنشتاين الذي يرسم، ومثل ستروهيم الذي كتب روايات ناطقة في زمن الافلام الصامتة، وكروسيليني الذي يصنع الفلسفة، السينما بعبارة أخرى يمكن أن تكون كل شيء في نفس الوقت الحكم والتقاضي.

 

ومن ضمن التصنيفات التي ذُكرت لطرق صنع فيلم، أغفل جون لوك المعمار في السينما، فالفيلم أيضا لوحة معمارية يتفنن المخرج في إخراج قدراته المعمارية في المشاهد السينمائية، ويطلق العنان للمهندس المعماري الذي يقبع داخله، البنايات في الأفلام هي تلك التقاطعات والحوارات بين فن السينما وفن الهندسة المعمارية، العلاقة بين السينما والعمارة علاقة تكامل، وكل منهما يحاول رسم معالم رسالته بأفضل طريقة ممكنة، ولا يمكن إغفال دور العمارة في أي عمل سينمائي ناجح، فبدون وجود اساس معماري يفقد المتتبع شعوره بواقعية الفيلم.

  

وما لم تكن من محبي الهندسة المعمارية أو على الاقل من المعجبين بالمباني الجميلة فقد لا تولي اهتماما كبيرا بالتصاميم والهياكل في اللقطات السينمائية، لا يجب أن نلوم أنفسنا على عدم التركيز في بنية اللقطات على حساب حبكة الفيلم والقصة لأننا لسنا خبراء بالفن المعماري، لكن بنية اللقطات تحكي قصصا لا يمكن لسطور الحوار أن تحكيها واستطاع العديد من المخرجين أن ينجحوا في استخراج قدرات الهندسة المعمارية لتنوب في مشاهدهم عن الكلمات وأداء الممثل.

 

ألفريد هيتشكوك.. كيف تحول اللوحة لحكاية

"من القواعد التي اتبعتها دائماعدم استخدام أي موقع تصوير كمجرد خلفية، استغله كله ولا تكتفي بجعله مجرد خلفية، بمعنى آخر، يجب على الموقع أن يكون وظيفيا"

ألفريد هيتشكوك

  

كثيرا ما نجح المخرج هيتشكوك في تجسيد "سينما المكان" التي تدور قصتها في مكان واحد، ويظهر تأثير المكان بشكل واضح على حبكة الفيلم، من أهم أفلام هيتشكوك التي اعتمدت على المكان الواحد فيلم rear window، أحداث الفيلم تدور حول الرؤية المحدودة من النافذة، ومن هذا المنطلق تظهر قوة المعمار في تكملة الحبكة والأحداث، يحكي الفيلم عن مصور أصيب إصابة أقعدته وأجبرته على رؤية الأحداث من نفس المكان كل يوم مما يولد لديه الفضول لمراقبة حياة الآخرين من خلال نافذته المطلة على الشارع.

   undefined

  

يقول هيتشكوك بأن على مخرج الفن أن يمتلك معرفة واسعة وفهما عميقا بالعمارة، هذه المعرفة تجسدت لدى هيتشكوك من خلال اعتماده على التصميم المعماري من أجل إبراز الأحداث، ليس هذا فقط بل يتجاوز إظهار الأحداث لرسم لوحات عالمية وعرض حبه الشديد للفن التشكيلي. اهتم هيتشكوك بالرسم قبل اهتمامه بالأفلام، فقد تابع دراسته في قسم الفنون الجميلة بجامعة لندن واهتم بالفنون التي فتحت أمامه الطريق نحو السينما.

 

كان هيتشكوك معجبا كبيرا برسومات الفنان الأمريكي إدوارد هوبر صاحب اللوحة الشهيرة "صقور الليل nighthwaks"، واشتهرت لوحات هوبر بواقعيتها وشبهها الكبير بالكادرات السينمائية، إذ تمتد بشكل أفقي ورأسي يشبه شاشة السينما مما سهل على هيتشكوك إعادة صياغتها في أفلامه معتمدا على المعمار.

 

كما أن لوحات هوبر تمتاز بالغموض والوحدة مما جعلها مثالية للطابع الذي يميز أفلام هيتشكوك، واستوحى من لوحته "منزل بجوار سكة الحديد" شكل المنزل المتطرف في فيلم سايكو، في الواقع يظهر تأثير لوحات هوبر في العديد من لقطات أفلام هيتشكوك، خصوصا اللوحات التي تصور الأماكن المرتفعة والنوافذ المفتوحة.

 

كريستوفر نولان..ماك إيشر يُبعث من جديد

"لقد ألهمتني مطبوعات ماك إيشر للغاية، بخاصة الربط المثير أو محو الحدود بين الفن والعلم والفن والرياضيات"

كريستوفر نولان

 

تتميز أعمال الرسام الهولندي ماك إيشر بتراكيب معمارية مستحيلة ومفارقات رياضية لا نهائية، ويقول حول ذلك "بالنسبة لي، يظل السؤال مفتوحا حول ما إذا كان العمل يتعلق بمجال الرياضيات أم بعالم الفن"، الاطلاع على أعمال ماك ايشر يُظهر تلك الافكار المتناقضة والمستحيلة التي لا تخضع للمنطق، كلوحته النسبية relativity التي تصور لنا بناء معماريا يمضي فيه كل شخص نحو عمله بشكل عادي لكن البناء ككل مستحيل معماريا.

 

كما يظهر في لوحات ايشر أن الناس غير واعيين بما يجري حولهم ولا رغبة لهم في التغيير، في لوحة النسبية يحاول ايشر أن ينقل فكرته حول العالم بكون البشر غير مدركين لوعيهم الخارجي ولا يهتمون سوى بحياتهم الخاصة بعيدا عن الإدراك الأكبر لما يحوم حولهم، استطاع كريستوفر نولان نقل فلسفة مارك ايشر في افلامه، خصوصا فيلم استهلال inception، الذي يستطيع فيه أبطال الفيلم طي المدينة رأسا على عقب كلوحة إيشر.

   

  

لقد سخر نولان العمارة لإبهار عقولنا بالأفكار واللقطات، فالأحلام التي يعتمد عليها الفيلم تحتاج لبنية المنام، لذلك استعان بطل الفيلم بطالب عمارة لتصميم أحلامه، ونجح المخرج في خلق عالم واسع من المفارقات عبر الانقلاب على القوانين الفزيائية والاعتماد على فنون ماك إيشر.

 

أما في فيلم باتمان لكريستوفر نولان، فقد ارتبطت شخصية باتمان -بالرغم من أنها خيالية- بمعالم المدينة التي تقطنها، المدينة هي التي صنعت باتمان، يقول الناقد المعماري جيمي ستيب بأنه لا توجد شخصية خيالية متأثرة بالعمارة أكثر من شخصية باتمان، فمدينة غوتام بمعمارها عنصر أساسي في القصة منذ البداية.

 

أعاد كريستوفر نولان تشكيل مدينة غوتنام عبر استبدال معظم الأبنية القديمة بأبنية وناطحات سحاب جديدة دون أي إشارة للمدينة الحقيقية، لتعطي انطباعا بأنها من أي مكان وينجح نولان في تصوير باتمان كشخصية حقيقية من العالم الواقعي.

 

استطاع كريستوفر نولان طمس معالم قصر wollaton hall أحد بيوت الملكة ايليزابيت من القرن 16 ليصير في الفيلم قصر الملياردير بروس واين (باتمان)، واعتمد على التلاعب بالانارة ليزيد من كآبة المشهد ويخدم فكرته الاساسية في رسم سودوية الفيلم. كما اعتمد المخرج على ديكور منزل osterly park house التابع ايضا للملكة إليزابيث، بمكتبته التي تخفي معبرا سريا وتخدم بشكل مثالي حبكة الفيلم.

 

هذه الأمثلة وغيرها الكثير والتي لا يمكن ذكرها كلها، تبرز أهمية العمارة في خلق مشاعر مختلفة لدى المتلقي، ولكي نتقرب أكثر من أهمية العمارة في الأفلام فلنتخيل وودي ألن دون مدينة نيويورك أو تاركوفسكي دون البيوت الريفية والحقول.