مليارات مقابل العودة.. هل انتهى زمن اللجوء السوري؟

BLOGS لاجئين

مع تراجع حدة العمليات العسكرية واستتباب هدوء نسبي في معظم المناطق وظهور مؤشرات توافق دولي على انهاء الأزمة السورية، تطفوا على السطح مجدداً قضية اللاجئين السوريين. فعلى الرغم من طابعها الإنساني وارتباطها بسياسة التهجير القسري والممنهج التي اتبعها النظام في مواجهة شعبه، إلا أن قضية لجوء السوريين قد غُلِّب فيها الطابع السياسي على الإنساني، وتحولت إلى ورقة ما انفكت تتجاذبها أطراف إقليمية ودولية كجزء من صراع المصالح المتناقضة في الأزمة السورية. شهد منتصف عام ٢٠١٨ تطوراً لافتاً مع محاولة روسيا الإمساك بزمام ملف اللاجئين السوريين فيما بدا أنه استكمال لهيمنتها على ملفات سوريا السياسية منها والعسكرية. وبدا أن موسكو تخوض حملة دبلوماسية منظمة ومكثفة في الدول التي تأوي اللاجئين كان هدفها المعلن هو التسويق لعودة السوريين إلى وطنهم بذريعة انتهاء العمليات العسكرية وربط ذلك بضرورة تأمين الأموال اللازمة لإعادة إعمار ما خلفته الحرب من خراب ودمار.

قوبل التحرك الروسي بموقف أوروبي أمريكي غامض إزاء عودة اللاجئين وآخر رافض للجزئية المتعلقة بتمويل إعادة الإعمار قبل الشروع في حل سياسي مرتكز على مقررات جنيف عبر عنه مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون بقوله: "إن روسيا عالقة في سوريا، وهي تبحث عمن يساعدها في حل الأزمة وإعادة الإعمار، وبالتأكيد نحن لن نفعل ذلك". إلا أن مؤشرات عدة بدأت بالظهور لاحقاً كانت تشي بأن صفقة ما على وشك أن تعقد حول مستقبل اللاجئين تستند في جوهرها إلى تأجيل البحث في ملف إعادة الإعمار الخلافي، والتركيز على ملف اللاجئين الذي بدا أنه يحظى بإجماع معظم القوى الفاعلة في الأزمة السورية. فكيف تدير روسيا صفقة اللاجئين وما مصلحتها من عودتهم؟ وما هي مواقف الدول التي تأوي السوريين من التحركات الروسية؟

ضمانات روسية وتحييد لسلطة الأسد
تعتبر روسيا أن اللاجئين السوريين هم الورقة الأخيرة والأكثر أهمية في الأزمة السورية، وأن عودتهم إلى بلادهم ستحقق لها مكاسب جمة وستمكنها من حصاد ثمار تدخلها المكلف عسكرياً وإنسانياً في سوريا قبل أربع سنوات من الآن

عملت روسيا مع انتهاء عملياتها العسكرية الكبرى على تسويق نفسها كضامن للنظام ووسيط بينه وبين معارضيه أكثر من كونها حليفاً له، وقد تجلى ذلك بالمصالحات التي تمت تحت رعايتها وباتفاقيات إخلاء معاقل المعارضة التي توسطت فيها. وقد بدا لاحقاً أن روسيا تبني على ذلك لتسويق فكرة عودة اللاجئين بضمانتها وتحت رعايتها بعد إعلان وزارة الدفاع الروسية مطلع عام ٢٠١٩ أن معظم الأراضي السورية أصبحت آمنة. وفي سبيل ذلك اقترحت موسكو على دول الجوار السوري (لبنان والأردن وتركيا) والتي تأوي الأعداد الأكبر من اللاجئين إنشاء مكاتب تنسيق لتسجيل السوريين الراغبين بالعودة إلى وطنهم مع تعهدها بإنشاء مراكز إيواء مؤقتة لهم في الداخل السوري ريثما يتم إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية.

وفيما وصف أنه تحييد لسلطة الأسد ودوره في ملف اللاجئين، قامت موسكو بإلغاء وتعديل العديد من القرارات والمراسيم التي أقرها النظام سابقاً والتي من شأنها -حسب وجهة نظرها- أن تعيق عودة السوريين المزمعة لا سيما تلك المتعلقة بالتجنيد الإجباري أو طلب الاحتياط ناهيك عن إجبار الأسد على سن مراسيم العفو التي طالت السوريين الذين غادرا البلاد بشكل غير شرعي وحتى أولئك الذين حملوا السلاح بوجه النظام والذين طالما وصفوا بالإرهابيين من قبل الأسد وروسيا نفسها.

بدا واضحاً مع مرور الوقت أن الجهود الروسية تؤتي أكلها، وأن أعداد السوريين العائدين إلى وطنهم ولا سيما من لبنان والأردن (بسبب تردي أوضاعهم المعيشية) في ازدياد تدريجي وإن كان بطيئاً. ومع ذلك فإن روسيا بدت غير مهتمة لأعداد السوريين العائدين بقدر اهتمامها برمزية العودة نفسها والتي أرادت منها أن تكون رسالة تطمين للدول الأوروبية -الممول الأهم لعملية إعادة الإعمار المرتقبة- والتي تأوي قرابة مليون لاجئ سوري.

غموض أوروبي حيال التحرك الروسي وتشديد على اللاجئين

لئن كانت مواقف الأردن ولبنان واضحة لجهة دعم روسيا في جهودها لإعادة اللاجئين نظراً لتردي الأوضاع الاقتصادية والبنى التحتية فيهما، ولئن عبرت تركيا صراحة وغير مرة عن موقفها المؤيد لعودة السوريين الحتمية مع وقف التنفيذ نظراً لاعتبارات أخلاقية وخلافات سياسية مع روسيا، فإن الموقف الأوروبي حول اللاجئين قد اكتنفه الكثير من الغموض. فصحيح أن أوروبا لم تدعم علانية روسيا في سعيها لإعادة السوريين بسبب القوانين المحلية الصارمة التي تحمي اللاجئين وتمنع ترحيلهم قسراً، إلا أن الإجراءات المشددة والمستحدثة التي اتخذتها بحقهم وتبنيها الرواية الروسية عن انتهاء الحرب واستتباب الأمن ناهيك عن تصنيفها للمناطق الخاضعة للنظام كمناطق آمنة، وتقديم إغراءات مادية للاجئين لحثهم على العودة إلى بلدهم، وإبطاء معاملات لم الشمل والبت في طلبات اللجوء، بالإضافة إلى الإعلان عن إعادة تقييم شاملة لملفات السوريين ومدى أحقيتهم في الحصول على صفة لاجئين، وتقليص مدة الإقامة الممنوحة من ثلاث سنوات إلى سنة والتستعاضة عنها في بعض الحالات بوثيقة "منع ترحيل"، كل ذلك أعطى انطباعاً بمباركة أوروبية ولو ضمنية للجهود الروسية لإغلاق ملف اللجوء السوري.

المكاسب الروسية من عودة اللاجئين

تعتبر روسيا أن اللاجئين السوريين هم الورقة الأخيرة والأكثر أهمية في الأزمة السورية، وأن عودتهم إلى بلادهم ستحقق لها مكاسب جمة وستمكنها من حصاد ثمار تدخلها المكلف عسكرياً وإنسانياً في سوريا قبل أربع سنوات من الآن. فروسيا التي كانت شريكاً للنظام في جرائمه ولاعباً أساسيا في تهجير السوريين وتدمير بلدهم، ترى في عودة اللاجئين بضمانتها وتحت وصايتها طياً لصفحة الحرب السوداء وسبيلاً لتحسين صورتها أمام العالم وتخفيفاً لنقمة السوريين عليها كونها صاحبة الفضل بإعادتهم إلى ديارهم ولم شملهم مع أهلهم ووضع حد لمآسي غربتهم. كما أن عودة اللاجئين ستظهر روسيا بمظهر المنقذ لدول الجوار السوري التي طالما اعتبرت أن السوريين عبء على اقتصادها وسبباً في تردي أوضاعها.

أما بالنسبة لأوروبا، فإن إنهاء تواجد السوريين فيها من شأنه أن يحقق تقارباً روسيا معها وخاصة في ظل تصاعد اليمين المتطرف المؤثر في السياسة الأوروبية بنظرته العدائية للمهاجرين وبكراهيته المعلنة للإسلام. وهو تقارب حيوي بالنسبة لروسيا التي ترى فيه فرصة لتجاوز عقوبات أمريكية مزمعة. لكن المكسب الأهم لروسيا من إعادة اللاجئين السوريين هو الضغط على الدول الأوروبية لتمويل إعادة الإعمار والذي من شأنه أن يحقق تدفّقاً للرساميل الأجنبية إلى الاقتصاد السوري وأن يؤمّن العملات الأجنبية التي ترتدي أهمية حيوية للشركات والأعمال الروسية التي ترزح تحت وطأة العقوبات المشددة ونقص في القطع الأجنبي. يدرك السوريون أن عودتهم أضحت حتمية، و أن الخلاف على توقيتها لا يفسد لها قضية. و أن روسيا التي جمعت القوى المتناقضة لتتوافق على عودتهم هي ذاتها روسيا التي كانت سبباً في تهجيرهم. و أما المليارات الأوروبية التي ترتجيها روسيا و تنتظرها إنما هي ثمن خروجهم من كربة غربتهم و عودتهم إلى دمار وطنهم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة