الترجمة والشوارع الخلفية للسوق السوداء

مائة عام من العزلة، الحبّ في زمن الكوليرا، الاخوة كرامازوف، حفلة التيس، الطاعون، روميو وجولييت… كلّها أسماء لأعمال أدبية كبيرة خلّدها التاريخ وغيرها كواحدة من الأثر الانساني الذي لم يقتصر على لغتها الأصلية بل انتقل لأكثر من لغة، والفضل في ذلك يعود إلى حركة الترجمة التي سمحت لغير الناطقين باللغة الأصلية لهذه الأعمال من قراءتها والاطّلاع عليها. ولسائل أن يسأل هنا، كيف يمكن للترجمة أن تحافظ على رونق النصّ الأصلي ذلك أنّ اللغة تمتلك خاصيتها ليس من باب المعنى، فالمعاني ملقاة على ناصية الطريق بتعبير ابي عثمان الجاحظ، ولكن في اسلوبها الفنّي. وفي هذا المقال سنتطرّق إلى مسألة الترجمة وشبهة الخيانة التي تصاحبها حتّى انّها بدت اشبه بالشوارع الخلفية للسوق السوداء التي لا تخضع للرقابة الجمركية التي تضفي صفة الرسمية عليها.

  

في البداية وكشيء من الايتيقيا، لا يختلف اثنان في كون ترجمة أي نصّ من اللغة الأصل إلى اللغة الهدف أي اللغة المنشود حصولها، لا يعني انتقاله في اللغة وحسب، بل يعني انتقاله إلى ظروف حضارية وفكرية أخرى مختلفة عن الظروف في اللغة الأصل، ما يؤدي إلى ظهوره في شكل مختلف عن شكله الأصلي وعن البيئة المصاحبة له كون أنّ الثقافات والعادات تختلف من مكان لآخر. فالترجمة خيانة للنص، لعل هذا التعبير من أشهر التعبيرات التي ارتبطت بفعل الترجمة، وشاع في السنوات الأخيرة للتعبير عن انعدام النقل الأمين المتوازن للنص المُترجم، لما يشوبه قصور في الصياغة اللغوية أو تحريف للمحتوى الفكري، فإن تم ذلك عن قصد فنحن أمام عملية خيانة متعمدة قد تختلف أسبابها وأهدافها، ومن هنا لا يمكننا القول بأن النص الناتج هو ترجمة للنص الأصلي بل هي عملية تأليف جديدة حتى وإن تشابهت مع الأصل في ظاهرها فهي مجرد مسخ محرّف.

 

تميّزت الترجمات الفرنسية الجديدة عن القديمة بحرصها على حرف النص الألماني الأصلي بقدر ما تميَّزت القديمة بالحرص على أداء المعنى بلغة مفهومة للقارئ المعاصر

نشير إلى أنّ المترجم يجب أن يعي بأمرين غاية في الأهمية، أوّلا خصوصية النص الأصلي وثانية خصوصية اللغة المنشود الترجمة إليها، فأن تترجم نصا ناجحا لكاتب معروف، هذا يعني أن المسؤولية مزدوجة، تجاه الكاتب الأصلي من جهة، وتجاه الجمهور الذي تلقى خبر نجاح النص فأراد ولو من باب الفضول، أن يعرف سر نجاح هذا النص العالمي. وإذا لم يجد هذه القوة المفترضة سيتحول النص إما إلى مجرد فبركة إعلامية أو أن المترجم قد خان هذه الأمانة التي لم تعهد إليه بل هو من ذهب إليها بقدميه. وإذا لم ينجح في نقل النبض العالمي المخبأ في عمق النص، فسيكون أمام سقطة موجعة أخسرته نصا عظيما وكبيرا، وهذا قد يحدث كثيرا. فنقرأ نصوصا مترجمة إلى العربية لغتنا التي نكتب بها ونقرأ بها، فنتساءل كيف نجحت رواية عالمية مثلا بكل هذا الضعف؟ لا بد أن يكون هناك خلل ما أو العكس بالعكس، أي نص هزيل في أصله فينقل بطريقة عبقرية فنخاله نصّا عميقا في حقيقته والحال أنّه نص رديء.

 

أذكر مرّة انّ الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل قال في كتابه حول آسيا أنّه في لقائه مع الرئيس الصيني آنذاك ماو تسي تونغ، كان هناك مترجمة شابة تترجم كلام ماو من الصينية إلى الانكليزية، فيقول هيكل ان ماو كان يتدخل بين الفينة والاخرى لتصحيح اخطاء المترجمة، فماو كان يعرف الانكليزية ويدرك ماذا يريد ان يقول وما لا يريد قوله. وللأمانة ظهرت في الآونة الاخيرة عديد أسماء في عالم الترجمة، ولاحظ جمهور النقّاد والقراء المتمرسون في التعاطي مع الادب المترجم ان هناك خللا ما، في بنية اللغة المترجمة او في لغة الكاتب نفسه، وهذا في حدّ ذاته ضرب من ضروب اللامصداقية. كما أن هناك لغات صعبة المنال كاللغة الهندية واللغة الصينية والكورية الخ… وترجمة هذه اللغات تحتاج لخبرة سنوات واحتكاك شبه يومي بالراهن المعيش لتلك البلدان، فمن العسر بمكان استسهال ترجمة أي أثر منها لخصوصية مثل هذه اللغات. وفي أمسية أدبية نظمتها الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي، قال الكاتب والروائي واسيني الأعرج بأنّ الترجمة خيانة ضرورية للنص الأصلي.

 

في ختام هذا المقال، نشير إلى أنّنا وبالاستناد إلى جدلية تشبه ما عرفته الثقافة العربية الحديثة من جدلية الترجمة والتعريب، فقد تميّزت مثلا الترجمات الفرنسية الجديدة عن القديمة بحرصها على حرف النص الألماني الأصلي بقدر ما تميَّزت القديمة بالحرص على أداء المعنى بلغة مفهومة للقارئ المعاصر. ومن هذا المنطلق، وبالاستناد إلى هذه الترجمات الحديثة المتعددة للنص الواحد، نستخلص أنّ حتّى فعل الترجمة يتغيّر دون أن يثبت على سياق واحد.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة