ما الذي يعالجه باولو كويلو في روايته إحدى عشر دقيقة؟

يعالج باولو كويلو في روايته "إحدى عشر دقيقة" موضوع الإنسان وما ينطوي عليه من إشكاليات في علاقته بالحب والحياة والجنس. قام بترجمة الرواية إلى اللغة العربية روز مخلوف عن مؤسسة ورد للطباعة والنشر والتوزيع في طبعتها الأولى سنة 2004. ومن خلال كلمته التي جاءت في آخر الرواية، اعترف أنه انطلق من قصة واقعية لإحدى الفتيات البرازيليات اللواتي يسافرن إلى بلدان أخرى للعمل في الدعارة، وفي هذا الإطار تحدث الكاتب مليا عن عالم الدعارة وما يحكمه من معاناة ومتاعب، ولمعالجة ذلك اختار شخصية ماريا، الفتاة البرازيلية الجميلة والطموحة التي أخذتها الظروف للبحث عن الحياة فوجدت نفسها تضحي بجسدها من أجل حياتها ومن أجل أن تحقيق أحلامها، واختار الكاتب سويسرا مكانا لمعالجة هذا الموضوع، نظرا لما يتميز به هذا البلد الأوروبي.

 

وُلدت ماريا في البرازيل، وهناك اكتشفت الحب والجسد والجنس دون وعي تام بهذا الأمر، وبسبب خجلها فقدت الفرصة التي منحتها الحياة لخوض غمار الحب، قبل أن تتلذذ بجسدها، وتكتشف اللذة الكامنة فيه، ومن خلاله تعلمت أن تكتفي بنفسها، لكن ذلك لم يكن يكفي، وهو الأمر الذي تأكدت منه بعد أن جربت الجنس، وبعد أن أكملت دراستها الثانوية، بدأت حياتها تأخذ مناحي أخرى، حيث اضطرت حيالها إلى إعطاء الفرصة لمصيرها، وأن تحاول معه أن تخلق العالم الذي تشتهي، وأن تصل إلى الطموح الذي يسكنها، حيث جربت بداية العمل، وتمكنت من خلاله من جمع المال، ثم قررت السفر للاستمتاع بالحياة، فاختارت المدينة البرازيلية الساحرة ريو دي جانيرو، هناك ستبدأ حياتها تأخذ منحى تصاعديا، ستختبر به الحياة. على شاطئ المدينة، تعرفت على أجنبي، اعتاد اقتناص الفتيات البرازيليات الجميلات، واصطحابهن للعمل في الدعارة في سويسرا، تحت ذريعة الفن والشهرة، لكن ما إن يصلن إلى هناك، حتى يكتشفن الحقيقة المرة، والتي لا ينفع معها رجوع، خصوصا أن المسالة تنبني على عقد يتم التوقيع عليه، وهو ما حدث لماريا تحديدا، فاستسلمت لقدرها، وقررت مواصلة مصيرها، لكن طموحها كان أقوى من أن تبقى فتاة عادية، فتعلمت الفرنسية، واهتمت كثيرا بتثقيف نفسها، واستكشاف الحياة.

 

تحدث الكاتب عن تجربة الشعور بالوحدة الذي اختبرته ماريا، أثناء تواجدها بسويسرا، ولعل هذه التجربة تظل أسوأ أنواع العذاب، إذ يستشعر المرء من خلالها أنه لا يعني لأحد شيئا ما

بعد أن خضعت ماريا لشروط مُشغلها في سويسرا، تحملت الأمر، حتى حصل مشكل بينهما، حصلت بموجبه على تعويض، مكنها من تدبر أمورها لفترة معينة، قبل أن تقرر البحث عن عمل جديد، فتمكنت قبل أن تجد عملا من تثقيف نفسها والتعرف على سويسرا وثقافتها ولغتها، الشيء الذي سهل عليها الحياة، ثم فكرت في الدخول إلى عالم الدعارة، لعله يسعفها في التغلب على متاعب الحياة، في نفس السياق تعرفت على ملهى ليلي، يدعى "الكوبا كابانا"، وهناك ستكتشف خبايا أخرى تخص الحياة والإنسان، لكن نظرتها للحياة ستتغير على يد شخصان غريبان، ستختبر معهما لعبة الحب والحياة بأسلوب مختلف؛ شخص اكتشفت معه طقوس تعذيب الذات من أجل الأخر، وتعذيب الآخر من أجل الذات في إطار طقوس الجنس، وفي سياق التخلص من الخطايا التي تثقل كاهل الذات، أما الشخص الآخر فهو الذي أعاد الحياة إلى قلبها، بعد أن قررت تأجيل موعدها مع الغرام، هذا الشخص سكنها بشكل جعلها تكتشف ذاتها من خلاله، ورغم عالمها المليء بالعلاقات مع الرجال، إلا أن ما وصلت إليه مع رالف هارت الرسام كان فريدا ومميزا، حيث وصلت معه إلى ما سماه الكاتب الجنس المقدس، هكذا كانت تسير حياة ماريا، قبل أن يحين موعد عودتها إلى البرازيل.

 

تحدث الكاتب عن تجربة الشعور بالوحدة الذي اختبرته ماريا، أثناء تواجدها بسويسرا، ولعل هذه التجربة تظل أسوأ أنواع العذاب، إذ يستشعر المرء من خلالها أنه لا يعني لأحد شيئا ما. ثم تطرق الكاتب على لسان ماريا إلى أن الحب لا يعني عبودية يرضى بها طرفان، بل على العكس تماما، إذ لا توجد الحرية إلا عندما يوجد الحب، ذلك أن من يعطي نفسه كليا، ويشعر بأنه حر، يحب بلا حدود، ومن يحب بلا حدود يشعر بأنه حر. وفي هذا السياق أبرز ضرورة الحب بالنسبة للإنسان، والذي يفترض البحث عن الذات من خلال اللقاء بالشخص المناسب، والذي لن يدفعه إلى الألم، لأنه في الحب لا ينبغي لأحد أن يجرح أحدا، ويعتبر كل طرف مسؤولا عما يعانيه، ولا يمكن لوم الآخر بسببه، وكتب باولو كويلو يقول: "تلك هي التجربة الحقيقية للحرية: أن تحصل على الشيء الأهم في العالم دون أن تمتلكه"، وأضاف في نفس السياق إلى أن غاية الكائن البشري هي فهم الحب المطلق، هذا الحب ليس في الآخر، بل فينا، ونحن من نوقظه، لكننا نحتاج إلى الآخر من أجل هذه اليقظة، إذ لا يكون للكون أي معنى، إلا عندما يكون لدينا من نشاركه انفعالاتنا.

 

اعتبر الكاتب بأن الألم ليس عذابا، بل متعة افتداء البشر من خطاياهم، إذ أصبح الألم بمثابة فرح يعطي للحياة معنى ومتعة، وكتب يقول: "ليس هناك متعة أكبر من تنسيب أحد إلى عالم مجهول، سحب عذريته – ليس عذرية الجسد، بل عذرية الروح"، واستدل الكاتب بما ذهب إليه الماركيز دي ساد فيما يتعلق بأهم التجارب التي يمكن للرجل القيام بها، وهي تلك التي تقوده إلى أقصى الحدود، بهذه الطريقة نتعلم، لأن هذا يتطلب كل شجاعتنا. وأردف الكاتب بأنه لا يجرؤ بنا الانتقام من الحياة، إذ ينبغي أن ننظر في أعماق الروح، ومعرفة من أين تأتي الرغبة في تحرير الوحش، وفهم مسألة أن الجنس والألم والحب تجارب جدية للإنسان، ومن يعرف تلك الحدود، هو وحده من يعرف الحياة، وما تبقى هو تمضية للوقت، وتكرار للمهمة نفسها، وهو أن نكبر في السن ونموت دون أن نعرف حقا ما الذي كنا نفعله في هذه الدنيا.

 

لقد تعلمت ماريا من الحياة أنه من غير من المجدي الاعتقاد بإمكانية امتلاك شخص ما، هذه الفتاة كرست نفسها للدعارة بأكبر قدر من الحرفية، بسبب الإكراهات، وأقل قدر من الاهتمام، خوفا من الاعتياد عليه، وقبل عودتها إلى بلدها اكتشفت قدرتها على الحب دون المطالبة بشيء بالمقابل وعلى التألم دون مبرر، في هذا السياق تحدث الكاتب عن شعور الغيرة، إذ لا يمكن كبح هذا الشعور مهما كانت لدينا من أفكار حوله، أو مهما اقتنعنا بأنه دليل هشاشة، واعتبر الكاتب بأن أقوى حب هو ذلك الذي يمكنه البرهنة على هشاشته. هذه الفتاة البرازيلية يمكن تقسيمها إلى امرأتين؛ واحدة تريد أن تعرف الفرح والهوى والمغامرات التي تقدمها لها الحياة، والثانية تريد أن تكون عبدة للروتين، والحياة العائلية، وللأفعال الصغيرة التي يمكن التخطيط لها وتحقيقها. وأشار الكاتب إلى أنه ليس من الضروري أن نعرف كل شيء عن أنفسنا، فالكائن البشري ليس مصنوعا لكي يحاول أن يعرف، بل أيضا لكي يحرث الأرض، وينتظر المطر، ويزرع قمحه ويحصد الحب ويعجن الخبز.

 

لقد حاول باولو كويلو معالجة قضية الإنسان بشكل عام في روايته إحدى عشر دقيقة، وسلط الضوء على جزء مهم مما يتحكم في هذا الكائن، وهو الجنس، في هذا السياق تتجلى الطبيعة البشرية المرتبطة بالحب والحياة، ومعارك الإنسان ضد نفسه، والشعور بالذنب والمال، والعقد النفسية ونقص الثقة، والخوف الذي يفسد لعبة الجميع، وشغف التذمير الذي هو جزء من الطريقة التي يكتشف بها الطفل العالم. وسلط الكاتب الضوء على العذابات التي لا يمكن نسيانها، إلا إذا كانت لنا القدرة على التحليق فوقها، كما تحدث  على أن هناك ألم يقود إلى المتعة، وألم يقود إلى السلام، وأن ما يحرك العالم ليس البحث عن المتعة، بل الزهد بكل ما هو جوهري، وفي هذا الصدد أبرز مثال الجندي إذا كان يذهب إلى الحرب لكي يقتل العدو أم لكي يموت من أجل بلده. كما انتقد الكاتب المقولة القائلة بأن البعيد عن العين بعيد عن القلب، ذلك أنه كلما ابتعدنا أكثر، أصبحت العواطف التي نحاول خنقها ونسيانها أقرب إلى القلب، فحين نكون في المنفى نريد الاحتفاظ بأدنى ذكرى عن جذورنا، وإذا كنا بعيدين عمن نحب، كل شخص في الشارع يذكرنا به. وأن الإنسان لا يعرف نفسه إلا عندما يبلغ حدوده، وأشار إلى أن الشرط الإنساني منذ أن طردنا من الجنة، إما نتعذب أو نُعذب ونتأمل عذاب الآخرين، وأن الحياة توفر لنا أكثر مما يجب من فرص التوجع. فليحب أحدنا الآخر دون أن يسعى أحدنا إلى امتلاك الآخر.



حول هذه القصة

رواية جهاد ناعم، أحد أهمّ السيالات السردية الضابطة في تسريد القضايا الاجتماعية الشائكة، كونها أفرزت واقعا روائيا تجاوز مداه الورقي وعرج نحو استهداف الإنسان في أبعاده المتعددة النفسية والوجدانية والروحية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة