المراسل الذي لم يسقط في حفرة

جاءه كتاب الاستغناء عن الخدمة، بعد سنوات طويلة من العمل مع مؤسسته مراسلاً تلفزيونياً يعد التقارير ويغطي الأحداث الساخنة في البلاد. لم يتألم (السيد مجدي) لانقضاء العمل فقد كان الأمر متوقعا منذ أشهر بسبب الضيق المالي للمؤسسة، بل كان الألم يعتمر قلبه لسبب آخر أكثر أهمية.

 

مرر شريط ذكرياته سريعا فلم يجد في مسيرته الإعلامية حدثا واحداً مثيراً للجدل. زميله المراسل عماد مثلا، سقط منذ عامين في حفرة مباشرة على الهواء أثناء تغطيته تظاهرة للمعارضة، ودفعه اندماجه مع الجموع للقفز فوق حاجز للأشغال على الرصيف ممسكا بالميكروفون وملتفتا نحو المصور يلوح له بيده الأخرى ليتبعه، لكن الحظ كان حليفه عندما اختفى فجأة عن شاشة التغطية المباشرة، وبقي تعليقه الصوتي مسموعا لثوان معدودة قبل أن يتحول الصوت إلى تأوهات..

 

يا لحظ عماد! لقد نسي الجمهور حينها تظاهرة المعارضة ومطالبها والحدث كله، وانشغل البلد بالحديث عن سقوط المراسل عماد لمدة أسبوعين متتاليين، وتصدر اسمه عناوين النشرات والبرامج الساخرة وصفحات السوشيل ميديا.

 

اليوم يصادف الذكرى السنوية الأولى لرحيل السيد مجدي، الذي نعته قناته التلفزيونية حينها في بيان مقتضب وقالت إنه "توفي أثناء العمل إثر سكتة قلبية مفاجئة، وتحدثت عن مناقبه ومهنيته المشهود لها"

ماذا عن ريما- الفتاة المشاكسة؟ لقد تسببت هي الأخرى بضجة إعلامية عندما طالتها خراطيم المياه الموجهة من قبل وحدة مكافحة الشغب تزامناً مع إضرابات شهدتها البلاد، وسال مكياجها الفاقع أمام عدسات المصورين واستحمت من رأسها الى أخمص قدميها، ثم ولولت وكادت تشتم قوى الأمن، قبل أن تذكرها زميلتها من الاستوديو: "ريما أنت على الهواء.. والحمد لله عالسلامة". ماذا سأقول لأولادي؟ – قال السيد مجدي، "أبوكم كان مراسلا عاديا ينقل الأخبار فقط!" مراسل لعشرين سنة غطى الحرب والكوارث الطبيعية والانتخابات والانفجارات.. ولم يذكره الناس إلا باسمه فقط: السيد مجدي.

 

لماذا لم أكن مثلاً السيد مجدي الذي أنقذ القطة.. التي تسلقت عمود الكهرباء؟! لماذا لم أوفق برشقة حجر من متظاهر غاضب، أو لكمة من جندي؟! لماذا لم يشتمني أي نائب أو وزير؟ ولم تستدعني أي محكمة؟ ولم يهددني أي زعيم!! "ما أنا إلا مراسل فاشل، شغلته تفاهة الأخبار ورتابة الموضوعية وقواعد المهنة عن صنع مجده الإعلامي!"

 

ثم لمعت الفكرة! مع استعداد السيد مجدي لإعداد آخر تقاريره لهذا الشهر، فطلب من المصور تجهيز العدة، وخرجا في الموعد المحدد، واستقلا سيارة العمل. "شغّل زر التسجيل عندما أشير إليك، ولا توقفه أبدا حتى نعود"- قال للمصور، وبدا الآخر مستغرباً لكنه قرر النزول عند رغبة السيد مجدي مجاملة له في آخر تقارير مسيرته. وصل الصحافيان حياً بائساً تعمه الفوضى، ترجلا من السيارة، وتقدم مجدي بكل ثقة داخل أحد الأفرع الضيقة، يتبعه المصور متثاقلاً.

 

"هنا وكر المخدرات.. وبعد قليل سنلتقي زعيم المافيا في المنطقة، ونواجهه أمام الكاميرا.. وخلي يلي بدو يصير يصير" قال مجدي لرفيقه. لكنه شعر بتردد وخوف شديد لديه. وبدا له أن زميله غير جاهز لمشاركته هذا السبق، فأخذ منه الكاميرا، وقال: "لا عليك، انتظرني هنا.." ودخل زقاقا معتماً.. وتوارى داخله. كان هذا قبل عام من الآن، واليوم يصادف الذكرى السنوية الأولى لرحيل السيد مجدي، الذي نعته قناته التلفزيونية حينها في بيان مقتضب وقالت إنه "توفي أثناء العمل إثر سكتة قلبية مفاجئة، وتحدثت عن مناقبه ومهنيته المشهود لها".

أما المصور، فلم يبق له من ذكريات ذلك اليوم المشؤوم إلا كاميرا محطمة وشريط تالف، سلمها لإدارة المستودع، وعاد لمزاولة نشاطه اليومي، وها هو اليوم يرافق ريما- المتألقة في جولة على سوق النحاسين ويأخذ لها لقطات متنوعة أثناء قيامها بمشاركة الحرفيين عملهم بالطرق على النحاس، والتبسم للكاميرا.



حول هذه القصة

علماء الأمة حماة مرابطون على ثغورها الفكرية والثقافية، كما أنّ جنودها حماة مرابطون على ثغورها الجغرافية، وأن قوتها ومناعتها كما تكون برجال الحرب تكون كذلك برجال العلم والفكر..

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة