بتوقيت الحب.. هنا الجزائر

blogs الجزائر

سَبقَ وسُئِلت في عدّة مجالسَ ومناسبات وحتّى تعليقات عابرة: ما بالكِ تكتبينَ عن سوريا كثيرًا، وتنسينَ أنّ لكِ وطنًا يحتاجُ قلمكِ أكثر، فمتى نقرأُ مقالا لكِ عن حبّ الجزائر بعيدًا عن الانتقادِ واللّوم والعَتب.

 

كانَ الجوابُ حينَها مُؤجّلا، أو لنقُل لم تكنْ حاجتي للدخول في نقاشٍ يبدأُ بالتّبرير، وينتهي بالتأويل آنذاكَ ضروريا، فكيف لكَ أن تُقنع مَن يعتقد أنّ عَتَبك على بلادك هو كُرهٌ لها، وأنّ انتقادكَ لساستها وللفساد الذي يطفحُ على سطحها، هو ليس حقدا عليها، وكيف لكَ أن تُجادل مَن يختزلُ بلدًا بأكملِها في شخصٍ أو مجموعةِ أشخاص فيظنُّ وأنتَ ترجُم أصنامهم تلك بحجارتك وكأنّك ترجمُ الوطن، وكيف لك أنْ تشرح لمن يرى في عيوبِ الوطن حسنات، بأنّه يسيء لوطنه بهذا الحب ولا يقدّم له خيرا.

 

أَيَا وطنًا، يكبرُ همُّه في داخلي يومًا بعد يوم، فأغفرُ له انشغالي الكبيرَ به، وأنفضُ عن قلبي غبار حبّهِ الدفين، وشوقه الكبير، أخفيه بكبرياء وأتلبّسُ دور عاشقٍ صوفيّ يبحث عن الله في كلّ زواياه

أمّا أنا اليوم، أرى وطني ينفضُ عنه غبارَ سنواتٍ من الفساد مضتْ، يسيرُ مطمئنًا إلى حيث باركَ خطواتِهِ الأولى أبناؤُه المحبونَ المخلصون، يسيرُ متّكئًا على أحدهِم حينًا، ويحاولُ بمفردِه حينًا آخر، أراهُ وهو يحتضنُنا فردًا فردا، يا الله كم يتّسعُ صدرُ وطني لكلّ هذه الأرواح البريئة المحبّة!.  أراهُ اليوم وطنا قويًّا صَلْبا، فأجدُ نفسي مُحاطةً بألوان من الشّعور لا أحملُ لها تفسيرا.

 

هذا البلد الذي بُحَّ صوتي وأنا أعبّر لهُ في كلّ مجلس عن حبّ كادتْ جُدران قلاعهِ أن تتآكل، أجدني اليوم أحتضنه بشوقٍ أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، وطني الذي تمنيّت لو أنّهُ أزاح غمائمَ سوداء كانت تعبرُ من فوقي وأنا أتنفس نسيمَه الملوث بسرقات مسؤوليه، أجده اليومَ يربّت على كتفي من بعيدٍ حانيا، لم تعد لَمَساتُه تلك مُشوّهة، ولا قاسية، هي أشبهُ بلمسة جدّة مكلومةٍ لم تعد تُبصر طريق سعادتها بعد فقدان ابنِها إلاّ بعيّْنيّ حفيدها الوحيد.

 

وطني أتخيّله بجانبي يستمعُ إليّ مُطوّلا بعد أنْ كاد يحتضر، لا يقوَ على الوقوف أو حتى الدفاع عن نفسِه أمامَ جُملةٍ من التساؤلات كانت تحشُره في الزاوية، فتربكُه ليدخلَ في نفقٍ من الكذبِ طويل، ها هو الآن يقرأُ أفكاري ويشعرُ بعتبي الذي يتدفق في أعماقي على شكلِ صخور، يرمقُني بنظرةِ المحبّ ويرمي لي بورقتِه الأخيرة، وأنا أجرّب أنْ أرفعَ سقفَ أملي بتغييره للأفضل بقوة ّ"سيزيفّ" البائس فتهوي تلكَ الصخور ويسرعُ هو ليلتقطَها كبطلِ القصص المغوار الذي يأتي في الدقائق الأخيرة ويقلبُ الأحداثَ رأسًا على عقب.

 

هو وطني، يلمحُني وأنا أجرّب أن ألمسَ ترابَه لا كمغتربٍ يُوصي كلّ مَن هو قادم بأنْ يجلبَ له حفنةً من رمل بلاده، بل كمُتعبٍ يحملُ أقدامَه ولا يمشي عليها، ليصلَ خفيفًا بلا خيباتٍ، ولا عَقَباتٍ، ولا نُدوب، وطني الذي أحاورهُ مبرّرة رحيلي عنه بالقول، أنّ الأوطان خُلِقَت لنحبها مِن بعيد، أنا أؤمنُ بذلك، هي حقًّا لا تكونُ جميلة كفاية إلاّ عندما نغادرها، ونديرُ ظهورَنا لها مودّعين، فأراهُ يبتسمُ لي موافقًا كأبّ بلا حيلةٍ أو سبيل، أنا على يقين بأنه يفهم ما بداخلي حتى وإنْ كلّمتهُ بلغة الإشارة، جديرٌ بوطنٍ جبّارٍ مثله أن يتجاوز اللغة والكلمات والحروف.

 

أَيَا وطنًا، يكبرُ همُّه في داخلي يومًا بعد يوم، فأغفرُ له انشغالي الكبيرَ به، وأنفضُ عن قلبي غبار حبّهِ الدفين، وشوقه الكبير، أخفيه بكبرياء وأتلبّسُ دور عاشقٍ صوفيّ يبحث عن الله في كلّ زواياه، فأقفُ على عتباته، أقتفي خطواتِه، وأدورُ حول نفسي مرات ومرات. أيَا وطنا يبعثرُ شعوري ويلملمُه بضمّةٍ واحدة، فيكبرُ الحنين بداخلي وأتحوّل لفراشةٍ تضيقُ بها الشّوارع الكبيرة على اتّساعها فتتخبّطُ بحثًا عن فُسحةِ ضوءٍ تأخذُها لموطنها القديم.

 

أَيَا وطنًا أحملهُ في داخلي كندبة، كهزيمةٍ، كخيبةٍ، كجُرحٍ قديم، وكحسرةٍ أتناولُها على طبقٍ من الرضا الجميل. أَيَا وطني الرائع، أنا لا أريدُ أن أكون صندوقا مُتخَمًا بالذكريات تتقاذفهُ أمواجُك، ولا قطعةَ قُماشٍ اهترأتْ، فاستخدمتْها الأمهاتُ كخِرْقةٍ لمسحِ الطاولات، أنا لا أريدُ أن أحاربَ عتْمتك بمفردي، فأنا لا تُخيفني الغربة، يُخيفني الاغتراب بداخلك، ساعدني لأنتشلك، لأُحِيكَ شوارعك بخيوط الأمل المصلوب على واجهةِ مدينتنا، ساعدني لأحبّك أكثر، أَيَا وطني الرائع..