كيف يفكر متطرفو الليبرالية العربية؟

في هذه المقالة أحاول تسليط الضوء على مبادئ الليبرالية للإجابة على سؤال رئيس: هل الليبراليون العرب حقاً ليبراليون؟ وسأسعى للإجابة على هذا السؤال من خلال تعريف مبسط لليبرالية ومن ثم توضيح مواقف الليبرالية العربية وفقاً لقيم الليبرالية. قد تعرف الليبرالية بتعريفات مختلفة وفقاً للسياق الذي تقع فيه. لكنها في سياقنا هذا تعرف على أنها الآيديولوجية التي سيطرت على المجتمعات الغربية منذ القرن السابع عشر. وهي الآيديولوجية التي تؤكد على أهمية حرية الفرد في الوقت الذي تضع العديد من القيم على سلم أولويتها مثل الحرية والعقلانية والحقوق والمساواة والملكية الخاصة. وسأستعرض لاحقاً بعضاً من تلك القيم حتى يسهل فهم مواقف الليبراليين العرب. وعلي هنا أن أشدد أنني أورد ما أورده عن الليبرالية لفهم ما تقوم عليه بعيداً عن رأيي الشخصي بها.

الحرية الفردية

هي جوهر الآيديولوجية الليبرالية وهي حق لكل إنسان. ومن حق الإنسان إن يكون حراً في التفكير والاعتقاد والتحدث بما يريد دون ضغوطات من أي جماعة كانت إلا إن اختار بحر إرادته أن يكون منتمياً لتك الجماعة وأن يلتزم بما تلزمه به. ويظل الإنسان متمتعاً بحريته مالم يضر بحرية الآخرين وهنا يأتي دور قوانين الدولة في تنظيم حرية الفرد بالاتساق مع حرية الآخرين. وترى الليبرارلية الكلاسيكية أن الدولة يجب أن تكون بعيدة قدر الإمكان عن التدخل فيما يؤثر على الحريات العامة والخاصة.

يستخدم متطرفو الليبرالية العربية العقلانية مستندين إلى خواء علمي في طرق التفكير. فلاهم يتبعون التفكير الاستنباطي ولا هم يجيدون التفكير الاستقرائي على حد سواء

يلتف الليبراليون العرب على مبدأ الحرية بطريقة تثير الاستهجان. فكل تركيزهم منصب على "حرية السفور" و"حرية المرأة" مع إهمال حرية الإنسان العربي في الوقت الذي ساعدت فيه أنظمة الثورة المضادة الديكتاتور السيسي لسحق الملايين ممن عبروا عن حريتهم في الاختيار. وفي الوقت الذي يحاول فيه حفتر تقليد السيسي، علاوة على ما يحاول فعله المجلس العسكري في السودان، وفي الوقت الذي يمارس فيه الإنسان العربي حريته على جدران الحمامات العامة!

ولعل أكثر ما يثير الشفقة على طرح الليبراليين العرب مهاجمتهم لحرية الفرد باعتناق الإسلام بشقيه التعبدي والسياسي. ولنا هنا ثلاث وقفات. الوقفة الأولى تتمثل في كون الكثير من الليبراليين العرب أشد غلواً من "داعش" في إقصاء معتنقي الإسلام السياسي. بل إن الليبراليين العرب يتقاطعون مع داعش في كثير من المواقف تجاه تيار الإسلام السياسي. فمثلاً يتفق الفكران المتطرفان (داعش والليبراليون العرب) على أن هدف الإسلام السياسي هو التجارة في الدين من أجل الوصول للحكم! في الحقيقة قد أعذر داعش على هذا التوصيف لأنهم يعتقدون أن الوصول للحكم يكون بإراقة الدماء! أما الليبراليون العرب فلا عذر لهم وهم يسعون للحكم من خلال التجارة في محاربة الدين، أو البقاء تحت عطف ديكتاتوريات الملح والنفط من خلال محاربة الدين أيضاً.

الوقفة الثانية تتمثل في تركيز الليبراليين العرب على التهجم على الشعائر الإسلامية من صلاة وصيام وغيرها في حين أنهم يستحسنون شعائر الديانات الأخرى. وهم بذلك بنفس درجة تطرف داعش التي لا تسمح بإظهار شعائر غير الشعائر التي تقرها. أما الوقفة الثالثة فتتمثل في كون الليبراليين العرب لا يرون التعددية الآيديولوجية ببساطة لأنهم لا يملكون آيديولوجية، أو أنهم يملكونها منقوصة مشوهة كما توضح هذه المقالة. فهم يرغبون برؤية الجميع خارج إطار الإسلام سيما وإن كان الإغلبية تنتمي إليه. وفي المقابل لا ترى داعش أي فرقة أو جماعة خارج إطارها.

الحرية الفردية والقوانين الناظمة لها

تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين. هذا هو المبدأ الذي تقوم عليه القوانين الناظمة للحريات الفردية في الليبراليات الديموقراطية. وللعلم أن هناك عديد من القيود المفروضة على الحرية الفردية مستمدة من الكتاب المقدس في البلاد الأنجلوأمريكية. فعلى سبيل المثال، تقيد حرية الفرد في اختيار الموت بسبب "قدسية الحياة" التي ينص عليها الكتاب المقدس وفقاً لأحد القضاة في الأستراليين الذي رفض طلباً من ذوي مريض تنفيذ الموت الرحيم في مريضهم.

وتمتد القيود على الحرية الفردية لتشمل تقييد شرب الكحول في الأماكن العامة وتقييد الدعاية والترويج لها من خلال أخذ الموافقة المسبقة على تلك الدعايات. أثار دهشتي أحد عرابي الليبرالية العربية عندما نشر على صفحته على فيسبوك صورة لـ"كوكتيلات" من الكحول واصفاً نفسه بأنه "سلفي" بـ"الكوكتيلات" أي أنه متشدد في الخلط بين المشاريب. حقيقة، لقد وصف ذلك الشخص حاله وحال عديد الليبراليين العرب بأنهم متطرفون فيما يزعمون من ليبرالية ولا يوجد لديهم أبسط الأفكار عن كيفية تطبيقها بل وحتى الترويج لها.

العقلانية
ما أهدف إليه هنا من خلال مثال صحيح البخاري هو توضيح ضعف استخدام الليبراليين العرب لمنهجية الاستنباط التي تفرضها عليهم العقلانية التي هي جزء لا يتجزأ من الليبرالية

تعبر العقلانية عن الموقف المعرفي (epistemological consideration) لطريقة حكم الإنسان على الأمور. فهي تغلب العقل على الشعور أو العاطفة وترفض ما تفرضه الأديان من حيث تسليم الإنسان بما جاء بها. وترتبط العقلانية بحرية الاختيار للأفراد. بمعنى أن من يختار أن ينتمي لجماعة أو فئة مجتمعية معنية فإن عليه أن يصل إلى قراره بطريقة عقلانية وليس بالتقليد الأعمى أو الاتباع أو العاطفة. وفي كثير من تعريفات العقلانية يربط المعرفون مفهومها بالتفكير الاستنباطي وليس الاستقرائي.

يستخدم متطرفو الليبرالية العربية العقلانية مستندين إلى خواء علمي في طرق التفكير. فلاهم يتبعون التفكير الاستنباطي ولا هم يجيدون التفكير الاستقرائي على حد سواء. فالتفكير الاستنباطي يستند إلى التأكد من صلاحية تطبيق قاعدة عامة في بيئة خاصة. ولا يمكن بأي حال فصل البيئة عن القاعدة، ولا يمكن أيضاً إخضاع القاعدة العامة ليتم تطبيقها في البيئة الخاصة التي تلفظها أو التي تم التسليم بآلاف التجارب العملية أن القاعدة العامة لا تطبق في تلك البيئة الخاصة. وهنا على سبيل المثال يسقط الليبراليون العرب جهلاً القاعدة العامة التي تقول أن الإنسان لا يتسم بالكمال على صحيح البخاري لغايات الوصول إلى تعميم استنباطي مفاده أن أحاديث البخاري غير صحيحة. القاعدة هنا صحيحة، لكن إسقاطها على البيئة المخصصة (صحيح البخاري) غير صحيح، ومن ثم فإن التعميم غير صحيح.

فقد راجع منهجية البخاري في جمع صحيحه آلاف العلماء وقد أجمعوا على صحة منهجه في الجمع والتحقق من المتون والرجال. ولعل التحقق هنا هو مربط الفرس في التفكير الاستنباطي. بمعنى أن التجربة العملية للتحقق من صحيح البخاري هي الأساس في إسقاط قاعدة عدم كمال الإنسان على نتاجه الفكري. فهل تحقق الليبراليون العرب من منهجية البخاري من خلال التجربة العملية؟! أكاد أجزم أنهم لم يفعلوا قط، لأنهم لو فعلوا لسلموا بصحة البخاري ولعرفوا سر تلقيه بالقبول من الأمة الإسلامية.
ما أهدف إليه هنا من خلال مثال صحيح البخاري هو توضيح ضعف استخدام الليبراليين العرب لمنهجية الاستنباط التي تفرضها عليهم العقلانية التي هي جزء لا يتجزأ من الليبرالية.

أما فيما يتعلق بالاستقراء فقد اطلعت على بعض من المخرجات الفكرية لبعض من الليبراليين العرب فيما يتعلق بتفسير القرآن استقراءاً، فما وجدت فيها أبسط مبادئ التفكير الاستقرائي. الأهم من ذلك كله، أن بعض الليبراليين العرب يعتقدون أنهم يفسرون القرآن كما يفسرون رواية مترجمة لكاتب روسي.
وأنا أقرأ في القانون الدستوري الأسترالي وجدت أن تفسير الدستور يخضع لقواعد محكمة ومنها: أن المحكمة العليا هي الوحيدة المختصة بالتفسير، وأن التفسير يجب أن يكون وفقاً لأحكام اللغة الإنجليزية، وأن التفسير قد يكون وفقاً لنية (أهداف) واضعي الدستور، وأن تفسير أي مادة يجب أن يتم بعرضها على ما يمكن أن يتوافق أو يتعارض معها من مواد أخرى في الدستور، وأن التفسير يجب أن يكون وفقاً للسياق الذي وضع فيه الدستور آنذاك.

قلت: إن كانت هذه طريقة تفسير الدستور الذي وضعه بشر فما بالكم بتفسير كتاب رب البشر؟! ولماذا يصر من يحاول أن يعبث في أسس الدين الإسلامي على أن يفتح الباب لتفسير القرآن وفقاً لأهواء الناس على العموم؟! بالمناسبة، بعض من قواعد التفسير الدستوري الأسترالي (التي تتشارك فيها مع النظام القضائي الأمريكي) كان قد سبقهم إليها علماء تفسير القرآن من أكثر من ١٤٠٠ عام.

خلاصة القول: أعيش في أستراليا منذ ست سنوات وأحمل جنسيتها، وأزعم أنني على اطلاع وتجربة بنظامها السياسي كدولة ليبرالية ديموقراطية محسوبة على الغرب رغم أنها تقع في أقصى الشرق. وكنت قد درست قبلها في بريطانيا وعاصرت تجربتا الليبرالية والديموقراطية لخمس سنوات. وفي ضوء كل ذلك أجد نفسي عاجزاً عن فهم مواقف بعض الليبراليين العرب والطريقة التي يفكرون فيها. بل أنني أكاد أجزم أنهم، وبطريقة تفكيرهم، لو أنهم يعيشون في أي دولة ليبرالية ديموقراطية كانوا سيحسبون على اليمين المتطرف حتى وإن كانوا لا دين لهم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شرعت الليبرالية في تحديدِ شرائط التقدم، أنها تؤمنُ أن الحقوق المتساوية وحرية التعبير، يؤسسان قاعدته، لذا ترفضُ تركُزاتِ السلطة وبطرقٍ مختلفة، رفضَ روسو، وماركس، ونيتشه، هذه الأفكار، ووضعوها تحت الرحى.

الأكثر قراءة