مقاومة التغيير.. لماذا لم يحدث التغيير في بلداننا إلى الآن؟

سؤال ملح حقا يمكنك التفكير فيه مليا وهو: كيف تتصور العالم العربي بعد 10 سنوات؟ لو تم طرح هذا السؤال وسط المجتمع العربي لحصلنا على آراء متضاربة بعضها مشرق لكن أغلبها سلبي، لكن لا أحد يختلف معي على أن الإجابة المناسبة لهذا السؤال هو أن مستقبل العالم العربي مازال مجهولا، لهذا من أجل تحسين هذا المستقبل ينبغي علينا تحسين ما نقوم به، ولأن ما نقوم به لا يؤتي ثماره فهذا يقودنا حتما لإجراء عمليات تغيير.

 

حاجتنا للتغيير ملحة جدا، لا أحد ينكر هذا، نحتاج للتغيير في تعليمنا، وطريقة تسيير مؤسساتنا، وكيفية استغلال طاقات شبابنا، حقيقة لن يتسع المقال لذكر الجوانب التي نحتاج فيها للتغيير مثلما لن يكفي للمقارنات الصادمة والمخجلة مع شعوب لا تفوقنا في شيء وبعضها كان خلفنا، لكن يمكننا البحث سوية عن السبب الحقيقي لعدم تحقق حلم التغيير في أوطاننا، لن نقول بأننا لم نبحث عن التغيير مثلما لن نقول بأننا لم نحاول، التغيير مصطلح موجود في الوطن العربي، لكنه ليس ناجحا بشكل كبير، والسبب هو أننا لا نؤمن بالتغيير حقيقة، فالتغيير يحتاج إلى خطوات لم نقم بتطبيقها بشكل صحيح بل إننا لا نأخذ الأمر بمحمل الجد لهذا نحن نغفل بأننا نقاوم التغيير حقيقة، مقاومة التغيير جزء خطير لا نحس به لأننا ومنذ عقود طويلة و التغيير حلم يراودنا لكنه للأسف بقى مجرد حلم لم يتحقق منه شيء.

 

دائما ما تكون قلة الوعي عاملا حساسا في الكثير من القضايا فسوء فهم الحاجة إلى التغيير سببه قلة الوعي، لكن الخوف هو كذلك عامل رئيسي في مقاومة الأشخاص للتغيي

مقاومة التغيير أمر متأصل في الكائنات الحية منذ ملايين السنين مرورا بالنبات ثم الحيوان ووصولا إلى الإنسان، قد يكون من الصعب تغيير عادات بنيت على مر السنين لهذا جعل المجتمع يتخذ خطوة للأمام من أجل التغيير قد تكون خطوة صعبة لكنها غير مستحيلة وهذا بالتأكيد ما حصلنا عليه من الأشخاص الذين استطاعوا حتما تغيير هذا العالم. هناك سؤال منطقي إلى حد ما، حيث يمكن لأحدهم طرحه كالآتي: بما أن القدرة على التكيف هي الفكرة الأساسية وراء التطور فما الفائدة من التغيير؟ حقيقة هذا السؤال يعمل العقل حقا، فقدرتنا على التكيف هي من سمحت لنا بالتطور على مر العصور لكن لولا التغييرات التي صنعها الإنسان سواء قديما أو حديثا لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن، وأكبر مثال على هذا التغيير هو الثورة الصناعية في أوروبا خلال القرن الثامن عشر.

 

بالدخول إلى أدمغة الكثير من البشر يمكن جمع عدد منته من التبريرات التي تتدخل لجعل هؤلاء الأشخاص يرفضون بشكل قاطع عمليات التغيير في حياتهم كالخوف من نتائج التغيير وعدم فهم أهمية القيام بتغيير حقيقي، لكن أهم شيء في كل هذا هو أن يسأل أحدهم، لماذا نحتاج حقا للتغيير؟ يبدو هذا منطقيا إلى أبعد الحدود فالحاجة دائما ما كانت أم الاختراع، والحاجة للتغيير ينبغي أن تكون ورائها سبب وأهداف والأهم طبعا أن يكون الشخص واعيا وواثقا من نفسه حتى يكمل ما بدأه من تغيير.

 

سوء فهم الحاجة إلى التغيير هو أكبر سبب يجعلنا نرفض التغيير، عندما يكون سبب التغيير غير واضح، فيمكنك توقع المقاومة، خاصة من أولئك الذين يؤمنون بقوة بأن الطريقة الحالية لفعل الأشياء تعمل بشكل جيد وبأنها مثلما عملت في السنوات السابقة فيمكنها العمل في السنوات اللاحقة، من الخاطئ الحكم على المستقبل بأعين الماضي ولو كان هذا صحيحا لكان أغلبنا قد فشل بسبب ماضيه القاسي، من يريد بناء مستقبل زاهر فعليه أن يكف عن التفكير بأن طريقة واحدة ستكون صالحة لكل الأماكن والأزمان.

 

دائما ما تكون قلة الوعي عاملا حساسا في الكثير من القضايا فسوء فهم الحاجة إلى التغيير سببه قلة الوعي، لكن الخوف هو كذلك عامل رئيسي في مقاومة الأشخاص للتغيير فخوف الأشخاص من المجهول هو أكثر أسباب المقاومة شيوعًا، ولن يتخذ الناس خطوات اتجاه المجهول إلا إذا كانوا يعتقدون حقًا أن مخاطر الوقوف لا تزال أكبر من مخاطر التحرك في اتجاه جديد. عقود من التيه شهدها عالمنا العربي لم نحصل بعدها على أي دروس مستخلصة، تختلف الشخصيات التي تحكمنا لكنها تتشابه في العقليات وبدون متابعة ومحاسبة توالت الأخطاء وتكررت بشكل مخزي فصرنا نعيش حلقة مفرغة عاش فيها أجدادنا وآبائنا، وبدون تغيير حقيقي وبدون إيمان بهذا التغيير فسيبقى الجهل كما هو وسيبقى الفساد عنوانا صارخا في كل أخبارنا.

 

الشعب الذي يفضل أن يلهث طوال اليوم وراء لقمة العيش لن يجد الوقت الكافي للتفكير بأن نمط الحياة الذي نعيشه خاطئ لأبعد الحدود

سياسة التغيير في عالمنا العربي لا تلبث في عقولنا طويلا حتى تتحول إلى سياسة تطبيع، يمكن ملاحظة هذا الأمر في العديد من المسؤولين بدءًا من المنشآت الصغيرة وصولا إلى أكبرها، فمهما تعلق الأمر بحجم المسؤولية فسيتحول فيه رواد التغيير إلى أدوات للتطبيع بمجرد وصولهم إلى السلطة، ونحن كشعب وعند التطلع إلى حلمنا في التغيير فسنجد بأن القصة مؤلمة للغاية لأننا لا نؤمن بالتغيير حقا فنحن نشارك في الغش، ودفع الرشاوي، لا نشجع الكفاءات بل نفضل الوساطات، مختصر القول بأن الفساد في بلداننا لم يصبح ظاهرة فقط بل أصبح أشخاصا يتنفسون ويأكلون، نراهم في المدرسة وفي الحافلة وفي كل مكان.

 

لا يخفى على أحد منا بأن الشعوب العربية عانت كثيرا بسبب الاحتلال لذلك كان تأجيل حلم التغيير إلى ما بعد الاستقلال أمرا محتوما وعند استقلالنا وضعنا كل آمالنا في مشروع بناء دولة حديثة بحثا عن تغيير يريحنا ويرضي تطلعاتنا لكننا مرة أخرى فشلنا ولحد الساعة مازلنا نحلم كالطفل الصغير بأن يحدث هذا التغيير عندما نستيقظ من النوم.

 

الخلاصة أن التغيير في بلداننا العربية لم يحدث حتى الآن بسبب مقاومتنا للتغيير بدون إدراك ذلك، فهوس المسؤولين بالسلطة يعد مقاومة للتغيير، وتشجيعنا للفساد يعد كذلك مقاومة للتغيير بل إن عدم إيماننا بفكرة التغيير هو بحد ذاته مقاومة للتغير، وكما قلت سابقا لن يتسع المقال لذكر الممارسات التي نفعلها والتي تعد مقاومة للتغير، يجب أن نعي بأنه من المحتم أن يضحي جيل بأكمله بالنفس والنفيس من أجل أن يوصل النور للجيل القادم، قد تكون الأمور الآن سيئة لكننا يمكن أن نجعلها أفضل للجيل القادم ولن يحدث هذا إلا بتغيير جذري في عاداتنا وأفكارنا.

  

الشعب الذي يفضل أن يلهث طوال اليوم وراء لقمة العيش لن يجد الوقت الكافي للتفكير بأن نمط الحياة الذي نعيشه خاطئ لأبعد الحدود، وبأن التغيير إن لم يحدث فسيكون مصير أبنائنا مشابها لمصيرنا، فالسؤال عن السبب الذي يجعل شعوبا أخرى تعيش بشكل أفضل منا هو سؤال واجب خاصة إذا كانت هذه الشعوب لا تفوقنا في شيء وبعضها كان خلفنا، لذلك لا بد أن نفهم بأن الأوضاع لن تتغير إلا إذا تغير الإنسان الذي يعايش ذلك الوضع، وبالنظر إلى السنين الطويلة التي قضيناها في محاربة الاحتلال ونجاحنا في التخلص منه فسيكون من المخزي أن لا نستطيع تغيير أوضاعنا ونبقى عاجزين عن النهوض بأنفسنا للأمام.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة