الثورة السودانية من ميدان العاطفة لميدان العقل السياسي

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44)فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45 الانعام).

  

الثورةُ ليست حالة من الغضب العاطفي بقدر ما هي حالة من السمو الأخلاقي الذي يملأ الثوار بهدف العدالة ورفعة السِلم وقيمة الحرية، وبالتالي للثورة أنماط متعددة فقد تحمل في ظاهرها حالة من العنف غير أن الجوهر الذي ينبغي أن تمتلئ به كلّ ثورة ناضجة ناجحة هو الوعي بضرورة تحقيق الأهداف ومعرفة موازين القوى الداخلية والخارجية والمضي الحثيث نحو أهداف الثورة دون عنف أو إقصاء.

 

صورتين للثورة

لكل ثورة ناجحة صورتين، صورة ملحمية زاهية تحملُ طابع التضحية والفداء وهي روح الثورة وجوهرها، وصورة أخرى تحمل طابع البناء، ولكل صورة أوانها، فلا تنجح الثورة إن كانت عاطفة ضد الاستبداد دون رؤية بنيوية ناضجة ولا تنجح الثورة بتجاوز قيمها الروحية التي قامت من أجلها، ونريد في هذا المقال أن نتحدث عن الثورة السودانية والثورات بشكل أعم عن هاتين الصورتين من أنماط الثورة.

  

كثيراً ما تنجح الشعوب في الإطاحة بأنظمة الاستبداد وهو أمر يسير بالنسبة لبناء قيم العدل والتحول السياسي والاجتماعي الرشيد الذي يهيئ الجو للاستقرار وبناء نهضة حقيقية تشيع فيها قيم السلم الأهلي والاجتماعي، ومراحل البناء عسيرة لأن نظام الاستبداد الساقط يخلف خلفه خراباً اجتماعيا وثقافياً ضخماً الأمر الذي يستدعي وجود نخبة قادرة على استيعاب الدروس من الثورات السابقة والاستعلاء على الأجندة الضيقة وسيادة روح التوافق أكثر من روح المزايدات التي تفتح الثغرات لعودة الاستبداد محمولاً على أكتاف من ثاروا عليه. إن من أبلغ ما لاحظته وتعلمته وفق اهتمامي بدراسة الثورات أن الاستبداد كثيراً ما يعود محمولاً على أكتاف من ثاروا عليه، نسبة لهشاشة القوى الثائرة أحياناً أو نسبة لما تحمله نفس القوى الثائرة من أمراض الاستبداد وادواءه، فالاستبداد علة قد توجد عن الثوار أيضاً.

 

كلما كانت النخبة السياسية متماسكة حول أهداف الوطن وقضاياه التي تثور من أجلها الشعوب كلما تقلص دور العسكر في الحياة السياسية وكلما انكمش دورهم في التغوّل على السلط

إن الثورة السودانية الآن في ميدانها العسير ذو الطابع العقلي المتأني، ذو الطابع السياسي الواعي الذي يدرك كيف يتعامل مع مراحل الانتقال من وضع مستبد لوضع تحول ديمقراطي رشيد، والنخبة المتشاكسة الحاملة لأمراض الاستبداد عادة ما تفتح الثغرات لعودة الأنظمة المستبدة لان ما تمارسه من فوضى الاستقطاب وفوضى الأنانية السياسية والتصارع هو باب فسيح لعودة المستبد عودة مظفرة وليس من الضرورة عودة المستبد بشخصه فالاستبداد متى وجد البيئة نبت ولو بواجهة جديدة، – والفوضى والطغيان حليفان – بتعبير الشنقيطي.

 

هناك نموذج قرآني فريد لهذه المعادلة التي تبين أن الفراغ الداخلي في الوعي يعيد للوثنية السياسية صورتها الأولى في المجتمعات وذلك النموذج هو (بني إسرائيل) فرغم تخلصهم من آل فرعون ومن استبداده وقعوا في عبادة العجل. كما بين الله تعالى:"وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (51 البقرة). وذلك إن دل إنما يدل على ضرورة الوعي بإمكانية عودة الاستبداد من داخل البيئة التي تضررت منه لهشاشتها الروحية والفكرية على حدٍ سواء، كما كان يقول الشنقيطي " من غير خميرة فكرية وأخلاقية ناضجة لا تنجح الثورة أصلاً؛ بل تتحوّل الى حرب عدمية، وإن هي نجحت في معركة الهدم فإنها تفشل في معركة البناء".

  

تحديات التحوّل الديمقراطي في السودان

1. الأنانية السياسية:

لم تتخرب ثورات الشعوب ولم تُؤتى من ثغرة أكثر مما أوتيت من قِبل أنانية النخب السياسية التي تحول الثورة من صورتها الأخلاقية لصورة من التشاكس السياسي والذي لا يقل فوضوية عن ممارسة الاستبداد الذي كانت تمارسه سلطات النظام المستبد الذي ثارت عليه الجماهير، وتاريخ الثورات في السودان حافل بذلك فقد خربت النخبة كل من ثورة أكتوبر 1964 وثورة أبريل 1985 ولابد لكتلة الشباب السوداني اليوم في ثورتهم المباركة أن يتيقظوا ويكونوا جماعات ضغط كبيرة في قواعد المجتمع ليس هدفها السلطة بل هدفها سحب البساط الاجتماعي من قوى الاستقطاب السياسي التي تفكك البنية الوطنية وتعرقل التحوّل الديمقراطي.

 

إن الفراغ الذي تحدثه النخبة السياسية بصراعها في مراحل الانتقال هو الذي يملأه العسكر ويُجهزوا على الحياة السياسية ويعيدوا المجتمع لدوامة الفوضى والاستبداد وكلما كانت النخبة السياسية متماسكة حول أهداف الوطن وقضاياه التي تثور من أجلها الشعوب كلما تقلص دور العسكر في الحياة السياسية وكلما انكمش دورهم في التغوّل على السلطة، وهذا ما يجب أن يحدث اليوم لنتجاوز مرارات الماضي ولغة الاستقطاب التي تفتح للعسكر فراغات التدخل في الشأن السياسي.

 

إن ممارسة الزهد في السلطة بعد سقوط الطغيان هو الذي يوفر الجو السياسي السليم لعملية الانتقال من منظومة الاستبداد لمنظومة التحول الديمقراطي والحكم الراشد، والتركيز على ممارسة الحياة الديمقراطية يجب أن يطغى على الغبن التاريخي المحمول من ممارسات النظام البائد، فالثائر الحق هدفه البناء أكثر من الانتقام، إن الثورة هي تحول كلي في عقلية الممارسة، فلو كان نظام الاستبداد ينتقم ويجتث فنظام الثورة يحاكم بالقانون ويحفظ للمتهمين حقوقهم في الدفاع عن أنفسهم، وإن كان نظام الاستبداد يقصي الناس لمجرد انتماءاتهم لا لجنايتهم فالثورة انقلاب كامل على هذه العقلية القذرة وهي عدالة في المقام الأول وليست غبينة للانتقام.

 

إن الثورات المضادة إن سُد الفراغ السياسي واجمعت القوى السياسية على برامج الانتقال وسارعت في ممارسة الدمقراطية والانتخاب فلن تجد باباً تدخل منه، فالثورات المضادة إنما هي خلايا سرطانية تنمو في الجو الفوضوي

إن طغيان التشبث بمعاقبة النظام السابق قد يعمي عن مستقبل التحول الديمقراطي، وطغيان الغبن التاريخي يعطل حركة الحضارة، فتعجلوا في انشاء حكومة انتقالية وعجلوا من الممارسة الديمقراطية الرشيدة ولا تجعلوا العواطف التاريخية عائقاً أمام أهداف الثورة النبيلة الفسيحة الممتدة، والعدالة ستجري مجراها مع الحكم الراشد.

  

2. السلام وجمع السلاح:

واحدة من أهم شروط التحوّل الدمقراطي وبناء حياة سياسية رشيدة الإنهاء التام والعاجل لحالة الحرب في السودان وإقامة سلام حقيقي وجمع السلاح ولا يتم ذلك إلا بالابتعاد عن حالة التشاكس السياسي والتبني الحق لأجندة الثورة السودانية في الحرية والسلام والعدالة، كما هتف الثوار والشباب ودفعوا من أجل ذلك دمائهم وقدموا شهدائهم ومعتقليهم وجرحاهم.

  

3. الثورات المضادة والمجالس العسكرية:

إن الثورات المضادة إن سُد الفراغ السياسي واجمعت القوى السياسية على برامج الانتقال وسارعت في ممارسة الدمقراطية والانتخاب فلن تجد باباً تدخل منه، فالثورات المضادة إنما هي خلايا سرطانية تنمو في الجو الفوضوي وتعيش على ثغرات الثوار وتراهن على غياب الوعي السياسي الراشد.

 

وللسودان تجربة سابقة مع العسكر ساهمت في التحوّل الديمقراطي وهي تجربة ثورة ابريل عندما سلم المشير سوار الذهب السلطة للمدنيين، لكن التحول الدمقراطي لم يكتمل وربما العظة مدركة من القوى السياسية السودانية في تعلم الدروس وتجاوز الاستقطاب والتركيز على روح التوافق الوطني وحينها لن تجد محاور الثورات المضادة ثغرة للتطفل، والعوامل كثيرة لفشل الثورة المضادة في السودان أولها طاقة الشباب ووعيهم بما حولهم من أحداث، إن القوى الثائرة ينبغي الا تفرط في الثقة بالمجالس العسكرية أثناء التحول الديمقراطي وينبغي ألا تزايد أيضاً على المجالس العسكرية وتشك فيها شكاً دائماً، بل يجب التركيز على بنود التحول الديمقراطي الذي يسع الجميع بكل أطيافهم الإسلامية واليسارية والتنوع السوداني الفسيح فلا يشعرن أحد بالإقصاء فالوطن للمواطنين والثورة للشعب كله لا لفصيل أو فصائل.

 

كثيراً ما تكون القوى الثائرة هي أداة الثورة المضادة سواء كان ذلك بقصد أو بغير قصد، فالثوار أو قادتهم إن لم يمتلكوا قوة فكرية ناضجة وأفق سياسي فسيح فسيقومون من حيث لا يعلمون بصفية مشروع الثورة والحيلولة دون تحقيق مراميها وقيمها وثمراتها. والثورةُ عملية متراكمة من البناء الوثاب المتجذر في بنية المجتمع وخميرة وعيه، فهل تمضي الثورة السودانية لمبتغاها أم يخربها الساسة كما خربوا سابقاتها من الثورات، وهل سيسمح شباب الثورة الواعي بتفشي لغة الاستقطاب أم سيمضي لبناء الوطن بعيداً عن حماقات القوى السياسية؟! والسؤال الجوهري هل يدرك الثوار أن الثورة ليست نمطاً ملحمياً صرفاً بل هي مزيج بين الملحمة البطولية والعقل البناء الساعي لجمع الناس على قضايا أوطانهم وكرامتهم ؟!.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة