أميركا والتلاعب بالثورات.. أوكرانيا وسوريا والسودان نموذجا

قامت أمريكا بالعديد من الانقلابات العسكرية في دول أمريكا الجنوبية في السبعينات، بهدف طرد النفوذ السوفيتي من الحديقة الخلفية لها، وبعد انهيار الإتحاد السوفيتي توغلت أمريكا أكثر في شرق أوروبا وأسيا بهدف الحفاظ على مصالحها المتمثلة في السيطرة على طرق التجارة والثروات النفطية بالإضافة لتضيق الخناق الاقتصادي والعسكري على روسيا لمنعها من تمديد نفوذها مرة أخري لشرق ووسط أوروبا.

 

وفي ذلك الإطار لم تدخر أمريكا جهودا لإشعال الحروب أو صناعة الانقلابات من أجل إخضاع الشعوب لأطماعها، أو الإطاحة بالزعماء المناوئين لها، وفي ظل الصراع مع روسيا على خطوط الغاز وطرق التجارة والقواعد العسكرية، قامت عدة ثورات في الفترة الأخيرة في دول رافضة للنفوذ الأمريكي مثل جورجيا وأوكرانيا وسوريا والسودان، كما قامت انقلابات عسكرية في مصر وتركيا واليمن وفوضي في فنزويلا وحصار اقتصادي لإيران، وفي هذا المقال سنحاول إلقاء الضوء على دوافع أمريكا لصناعة ثورات على حدود روسيا في كل من جورجيا وأوكرانيا، أو محاولات الإطاحة بحلفاء روسيا في سوريا والسودان.

 

الطريق إلى صناعة الثورات

بعد سقوط الإتحاد السوفيتي حاولت أمريكا الدخول إلى قلب الحديقة الخلفية لروسيا خصوصا في أذربيجان وتركمنستان حيث حقول الغاز، كما ساهمت أمريكا في صناعة ثورتين على حدود روسيا، وتحديدا في جورجيا عام 2003، وأوكرانيا عام 2004، عن طريق دعم الثوار في كلا الدولتين أثناء وبعد نجاح الثورة، حيث كشفت مجلة كاونتر بنتش اليسارية الأميركية دور المنظمات الأمريكية ومهمتها في صناعة الثورات الشعبية والتي من بينها منظمة (العطاء الوطني من أجل الحرية) ومؤسسة (كارنيجي للسلام الدولي) و(بيت الحرية) و(معهد جورج سوروس للمجتمع المفتوح) والتي ساهمت بصورة أو بأخرى في تمويل حملة فيكتور يوتشنكو المرشح المؤيد للغرب في انتخابات الرئاسة الأوكرانية، فيما كانت منظمات أخرى أقل شهرة توزع على "الجماهير" الأوشحة والأعلام والقبعات والخيام البرتقالية لتنصب في وسط ساحات وشوارع كييف متحولة رموزا للثورة البرتقالية الأوكرانية.

   

   

كان الغرض المعلن هو دعم الديموقراطية، لكن الغرض الحقيقي هو تسهيل تمديد خط غاز من وسط أسيا لأوروبا عبر جورجيا وتركيا، بالتوازي مع منع مرور الغاز الروسي عبر أوكرانيا، والذي تعتمد عليه دول شرق ووسط أوروبا بشكل رئيسي، حيث حاولت الإدارة الأمريكية الجمهورية بقيادة بوش منذ مجيئها للسلطة عام 2001، بصناعة عدة بدائل للغاز الروسي الذي يغذي أوروبا بأكثر من ثلث احتياجاتها من الغاز، الأمر الذي يهدد أمن الطاقة في تلك القارة، ويدفع روسيا للتقارب مع دول القارة ومشاركتها في صناعة القرار السياسي الإقليمي والعالمي.

 

الصراع على الغاز

قامت روسيا بتمديد 13 خط غاز من حقولها إلى شرق ووسط أوروبا ومنطقة البلقان، إلا أن الإستراتيجية الأمريكية حاولت استغلال حقول الغاز المكتشفة حديثا في شرق المتوسط لعمل خط غاز يربط مصر والأردن وسوريا وتركيا، حتى يصل لأوروبا، فيما يسمى بخط الغاز العربي، كما نجحت الجهود الغربية في تمديد خط غاز السيل الأخضر الذي ينطلق من غرب ليبيا إلى جنوب إيطاليا، وفي الجزائر تم مد 3 خطوط غاز لكل من أسبانيا وإيطاليا، في إطار تنويع مصادر الغاز لأوروبا.

 

كما قامت أمريكا بطرح مشروع ضخم لنقط النفط والغاز من دول بحر قزوين إلى أوروبا، إلا أن روسيا أعاقت ذلك المشروع بعدد أن افتعلت مشكلة حول الطبيعة القانونية لبحر قزوين، وفي المقابل قامت روسيا بشراء كميات كبيرة من الغاز من دول بحر قزوين ومن ثم أعادت تصديرها لدول أوروبا.

 

الخطة الأمريكية لحصار روسيا

رأت أمريكا أن الإطاحة بحكومة جورجيا الموالية لروسيا، تعتبر خطوة أولي في سبيل تمهيد الطريق لتمدي خط الأنابيب، حيث تقع جورجيا في وسط دولتي أذربيجان النفطية وتركيا الملاصقة لأوروبا، وقامت في 2003، بالإطاحة بالحكومة الموالية لروسيا.

 

بعد نجاح ثورة جورجيا، عمدت أمريكا في 2004 عبر تمويل المعارضة الأوكرانية بإشعال الوضع السياسي في كييف، الأمر الذي سهل الإطاحة بالحكومة الموالية لموسكو، لكن وضع أوكرانيا يختلف كثيرا عن وضع جورجيا بالنسبة لموسكو، حيث تقع أوكرانيا على بعد 500 كيلو من موسكو، ويشكل دخولها للمعسكر الغربي وحلف الناتو، تهديدا مباشرا للأمن القومي الروسي، كما أن الأسطول الروسي الجنوبي يتمركز في ميناء سباستيول العميق في شبة جزيرة القرم، والذي تؤجره روسيا من أوكرانيا، ومن الوارد جدا فسخ العقد وطرد الأسطول الروسي في حال مجيء حكومة أوكرانية موالية لأمريكا.

 

رد الفعل الروسي

قامت روسيا بقطع الغاز عن أوكرانيا ومن ثم شرق أوروبا عامي 2006 و2009، في إطار الخلاف حول ألية الدفع وأسعار الغاز المنقول لأوروبا، وعلى الجانب الأخر ساهمت الجهود الروسية في وصول الرئيس فيكتور يانكوفيتش لسدة الحكم عام 2010، والذي قام بتجديد عقد إيجار ميناء سباستيول في القرم لروسيا حتى عام 2042 مقابل تخفيض سعر الغاز الروسي لأوكرانيا بحوالي 30 في المائة.

   

   

وفي جنوب روسيا حيث الحدود مع جورجيا، قامت روسيا بشن حرب على جورجيا عام 2008، بعدما هاجمت جورجيا مقاطعة أوسيتيا الجنوبية الانفصالية، حيث أعلنت مقاطعة أوسيتيا الجنوبية عن انفصالها عام 2006 بعد استفتاء تم إجراءه وسط دعم روسي، كما توسعت الحرب لتشمل مقاطعة أبخازيا الانفصالية، حيث دعمت القوات الروسية الانفصاليين في أوسيتيا وأبخازيا مما أدي لهزيمة جورجيا وطرد جيشها من المقاطعتين، أعقبها اعتراف روسي باستقلال المقاطعتين عن جورجيا.

 

وبرغم كل ما حدث إلا أن جهود الناتو قد نجحت في أوائل 2019، في ضم جورجيا للحلف، وبقي دخول أوكرانيا للحلف ليكتمل الحصار الأمريكي لروسيا من الجنوب والغرب.

 

أمريكا تصنع البديل

حاولت أمريكا عام 2009 تمديد خط غاز من الخليج العربي إلى أوروبا مرورا بالأردن وسوريا وتركيا، إلا إن الضغوط الروسية على سوريا قد أنهت كل الآمال الغربية لإيجاد بديل للغاز الروسي، وبالمقابل وقعت إيران مع العراق وسوريا في 2011، مشروع خط الغاز الإسلامي، الذي ينطلق من إيران مرورا بالعراق وسوريا ولاحقا يعبر المتوسط حتى اليونان، الأمر الذي رفضته أمريكا لأنه يمر بمناطق تخضع للنفوذ الإيراني والروسي، مما عجل بإشعال الثورة السورية المسلحة لإزاحة الأسد.

 

بعد ستة عقود من الصراع الأمريكي الروسي في الكاريبي، أدي الإعلان الروسي عن إقامة قاعدة جوية في فنزويلا (ديسمبر 2018) إلى استنفار أمريكا وحلفائها لمحاولة الإطاحة بالرئيس مادورو

الأمر الذي واجته روسيا وحليفها بتحويل الثورة الشعبية لانتفاضة إسلامية، بعد أن أفرجت سوريا عن قيادات جهادية من سجن صيدنايا في أوائل الثورة، حيث تم اجتذاب الجهاديين من البلاد الإسلامية لمحاربة بشار، الأمر الذي أقلق إسرائيل من وجود مسلحين إسلاميين على حدودها الشمالية، مما قيد من تسليح الثوار السوريين بصواريخ مضادة للطائرات خشية استخدامها لاحقا ضد الطيران الإسرائيلي.

 

كما دخلت روسيا لساحة القتال في أكتوبر 2015 بعد التقدم الملحوظ للثوار السوريين في إدلب وحلب وحماة، وأدي فرق التسليح بين الثوار والروس إلى خفوت أي أمل للإطاحة ببشار الأسد على المدي القريب، وبذلك فشلت كل المحاولات لتمرير خط غاز لأوروبا كبديل للغاز الروسي الذي يستخدمه الروس كحصان طرواده من أجل التدخل في الشؤون الأوروبية.

 

لماذا اشتعلت الثورة في السودان

يشتد الصراع بين الأمريكان والروس حول الممرات التجارية والموانئ، كما دخلت عدة دول إقليمية على خط الصراع مثل تركيا، التي تحالفت مع السودان وحصلت في ديسمبر 2017علي عقد لإعادة ترميم جزيرة سواكن من أجل استخدامها لأغراض سياحية، إلا أن زيارة وزير الدفاع التركي للجزيرة يعزز التكهنات بإنشاء قاعدة عسكرية تركية في البحر الأحمر، والتي ستلعب دور فعال حال نشوب حرب بين مصر وتركيا في شرق المتوسط، إلا أن الانهيار السريع للجنيه السوداني بعد تلك الاتفاقية يثير الشكوك حول افتعال أزمة اقتصادية كمقدمة لإشعال حراك ثوري لخلع البشير من الحكم وتنصيب حكومة موالية للغرب، حيث أدي الانهيار السريع للجنيه السوداني من 18 إلي70 جنيه لكل دولار في عام 2018، إلى حدوث مظاهرات ضخمة في كل مدن السودان الراغبة بالإطاحة بالبشير، والتي انتهت بانقلاب عسكري مدعوم من الإمارات والسعودية وأمريكا، بالرغم من محاولات روسيا دعم حكومة البشير طمعا موطئ قدم لروسيا وحلفائها في البحر الأحمر.

  

مزيد من الانقلابات

بعد ستة عقود من الصراع الأمريكي الروسي في الكاريبي، أدي الإعلان الروسي عن إقامة قاعدة جوية في فنزويلا (ديسمبر 2018) إلى استنفار أمريكا وحلفائها لمحاولة الإطاحة بالرئيس مادورو، وذلك عبر رئيس المعارضة خوان جوايدو والذي تم تدريبه ضمن قيادات طلابية فنزويلية في صربيا عام 2005 من قبل منظمات محسوبة على المخابرات الأمريكية، فهل سيستمر المسلسل الأمريكي في إشعال الثورات في الدول المناؤة للسياسة الأمريكية أم أن الروس لن يسمحوا بمزيد من الثورات الأمريكية؟ هذا ما سنعرفه في الأيام القليلة القادمة.



حول هذه القصة

أمريكا والتي تبعد عن فنزويلا جواً مسافة الأربعة كيلومترات فقط، قادرة على أن تُعيد غزو فنزويلا كما فعلت بجارتها كوبا في ظل الهيمنة الاقتصادية والقوة العسكرية الكبيرة التي تملكها.

بدأت بوادر الخلاف بين الرئاسة والبرلمان تطفو على السطح حين طالب البرلمان بالمشاركة برسم سياسات لمعالجة الأزمة الاقتصادية والتعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لاجتيازها، إلا أن مادورو رفض هذا الاقتراح.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة