رمضان دستور حياة

يعتبر شهر رمضان الفضيل جائزة توج بها الله سبحانه وتعالى المسلمين، نظرا لخصوصيته وعظمته، ويقبل شهر رمضان الذي نعتبره خيرا من ألف شهر كل سنة ويرحل، ولا يتدبر الكثير منا في الغاية الحقيقية التي فرضه الله سبحانه وتعالى من أجلها، فالركن الرابع من أركان الإسلام أسمى من الامتناع عن الطعام والشراب، والتزام المسلم طيلة شهر كامل لا يعني أن التدين والإسلام الحقيقي حكر على شهر رمضان المبارك، فأن تكون مؤمنا خلوقا ملتزما، طيبا متسامحا، فذلك فطرة فيك وليس دورا تمثيلا يسند لك إلى غاية عيد الفطر.

  

لشهر رمضان المبارك نشوة وروحانية خاصة، صيام وقيام ومساجد عامرة، شهر يجمع أكثر من مليار مسلم كما يجمع شتات عائلة واحدة على الغاية نفسها، ويرسم للأمة المحمدية تفاصيل اليوم نفسه، وهو ما يعجز عنه أي قانون أو دستور وضعي، وتعجز عنه جميع تعاليم الديانات الأخرى، فرمضان هو ترسيخ لمفهوم الأمة الواحدة، وإذا اسثمر المسلمون في مبادئ شهر الصيام والقيام سيضعون اللبنة الأولى لبناء صرح حضارة إسلامية من جديد.

  

أتمنى أن يستثمر كل مسلم في شهر رمضان المبارك لإصلاح ذاته وعائلته، وبصلاح الفرد صلاح المجتمع، لنبني جيلا بقيم رمضان وأخلاقه

رمضان دستور حياة، ينظم يوميات المسلم، ويؤسس لنظام ديني وأخلاقي واجتماعي، بل وحتى لنظام غذائي صحي، ففي جوهر الشهر المبارك تهذيب لجسد الإنسان وترميم لروحه، وترويض وتزكية للنفس البشرية، ورداء المثالية الذي يلبسه المسلم في شهر رمضان هو في الحقيقة تجسيد لمبادئ الإسلام.

 

رمضان الذي يغير سلوك الكثير من المسلمين الذين يبتعدون عن دينهم لسنة كاملة، ويضعهم على طريق الإيمان ويقربهم من الخالق أكثر، طالما كان فرصة ذهبية لمراجعة الذات، وهو أيضا بوابة للعبادات مفتوحة لمعرفة حلاوة الإيمان، فلو عمل المسلمون منذ زمن بقيم رمضان كمبدأ في حياتهم لكانت الدول الإسلامية اليوم مثالا يحتذى به في صناعة الإنسان.

 

فماذا لو كانت أيامنا كلها رمضان؟، لتكن روح رمضان الكريم روحا لا تغادرنا، ولتكن أخلاق الصائم هي أخلاقنا، إذا ضمنا استمرارية رمضان بأخلاقه وعاداته في حياتنا اليومية، سنضمن بالتأكيد أخلاق أمة كاملة، ومشروع مجتمع، لنجعل من رمضان عقيدة إيمانية راسخة، ولا يجب أن نربط الشهر الفضيل بتنوع الأكل والشراب، وبالمسلسلات وبرامج الكاميرا الخفية المفبركة، وبالتسوق والسهرات، فمن يدخل هذه المدرسة الإيمانية يجب أن لا يخرج منها خائبا ليعود على أعقابه، وإذا ودعنا رمضان كل سنة لا يجب أن نودع الصفات والعادات الجميلة التي تميزه، ويجب أن لا يكون تديننا وأخلاقنا والتزامنا مرتبطا بالمناسبات.

 

يرحل شهر رمضان ويعود، وقد نرحل نحن دون عودة، قد لا تكون لنا فرصة في صيامه مرة أخرى، فكم من غائب عن موائد إفطارنا كل سنة، وكم من غائب عن صفوف صلواتنا، فعش كل يوم في رمضان كأنه اليوم الأخير في حياتك، وعش أيامك العادية كأنك مفارق، لنعطي لديننا حقه، ولنعاهد رمضان أننا لن نحيد عن قيمه وأخلاقه وآدابه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا شهر رمضان المعظم كل سنة، وأن يعيننا على صيامه وقيامه وأن لا يضيع أجره مسلم على وجه المعمورة، ونسأله أيضا أن يفتح أبواب الخير على الأمة الإسلامية، كما يفتح أبواب الجنة في شهر الرحمة، سنودع رمضان بروح المشتاق أملا في لقائه مرة أخرى، وسيبقى رمضان الكريم ضيفا عزيزا نفرح بقدومه ونحزن لرحليه.

 

وفي الأخير أتمنى أن يستثمر كل مسلم في شهر رمضان المبارك لإصلاح ذاته وعائلته، وبصلاح الفرد صلاح المجتمع، لنبني جيلا بقيم رمضان وأخلاقه. ليكن رمضان وثيقة أخلاقية لتسيير مجتمعاتنا ويومياتنا.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة