شعار قسم مدونات

ذاكرتنا وسلة المهملات

blogs تفكير، تأمل

قرأت بحثا قديما لأحد علماء النفس بأن الإنسان يستطيع مع التمرين أن يلغي من ذاكرته بعض الأشياء التافهة فيساعده ذلك على التركيز وحفظ أشياء جديدة وحتى كان بعض العلماء يغطي أذناه إذا مر في السوق فلا يسمع ما يدور فيه لتجنب أن يمتلأ رأسه فيما لا يحتاج.

 

ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول في كل فترة أن ألغي هذه الأشياء فلا أهتم بأن أتذكر الأشياء التي لا أتوقع أني سأحتاجها في المستقبل أو تلك التي تكون مخزونة في كراسة أو جهازي المحمول فلا أبقي إلا ما سأحتاج، بل مع التمرين أصبحت لا أهتم بأي تفاصيل غير مهمة فلا اشغل بالي بحفظ أرقام الهاتف والعناوين وحتى الأشكال ما دامت موجودة في هاتفي المحمول.

 

كم هو جميل ذلك الشي فلا خوف من امتحان أو مذاكرة ولا حاجة لهاتف محمول تلتقط فيه صورا لكل شيء ولا خوف من أن يصيبك الزهايمر

وخطرت على بالي فكرة غريبة بعض الشيء ولا أستبعد أن تتحقق في المستقبل فمعظم ما نراه اليوم من تقنيات قد كانت فكرة خيالية أو مجنونة بعض الشيء في سابق الزمان.  لماذا لا تتحول ذاكرتنا إلى قرص ذاكرة كأقراص الحاسوب! وتكون لنا السيطرة الكاملة على ما فيها وما يدخل إليها وما يخرج منها وما نشارك منها مع الاخرين.

 

تخيل معي عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة.. أن يكون بمقدورك أن تلغي ما لا تحتاج، فتلغي كل المشاهد المتعبة التي مرت عليك فلا مشاهد للحروب والكوارث الطبيعية والمجاعات التي تضرب النازحين وغيرهم فتستمتع بسيارتك الفارهة ومأكلك اللذيذ ولباسك المهندم من دون أن تشعر بالذنب بالعرايا والجوعى في الطرف الآخر من العالم. أن تكون لديك القدرة على أن تنسى شخصا أو تجربة أثرت على نفسك وتركت أثرا مؤلما، وتلغي أخطاء من تحب فلا تبقي إلا ما يسرك فكلنا نتألم عندما يؤذينا من نحب تقصد ذلك أم من غير قصد، وكم تحملنا منهم من أخطاء وهفوات في سبيل هذا الحب.

 

وإذا أتى يوم وقد ضاقت ذاكرتك حتى من تلك اللحظات فما عليك إلا أن تلغي كل شيء فتصبح كطفل صغير فتعيش حياتك على الفطرة فترتاح وتريح العالم منك، أو أن تكون مولعا بالتفاصيل وتذكر ما يكدر عليك وعلى الناس فترقي ذاكرتك وتتزيد حجمها فلا تنسى شيئا مما مضى وتحيل حياتك وحياة من حولك إلى جحيم، ولست أدري من يرغب في أن يتذكر كل شيء، وأنا وأنتم نعلم من يكون ولكن من الأسلم أن يبقى سرا.

 

وستكون الحروب القادمة حرب السيطرة على ذاكرة الشعوب فتسيطر الدول على تلك الذاكرة فتلغي ما تكره وتضيف ما تحب فتصبح الشعوب تابعة لا اعتراض ولا مقاومة فيها ولكن دعونا لا نتشاءم إلى هذه الدرجة. لن يبقى في تلك الذاكرة إلا المناظر الطبيعية الجميلة والجلسات اللطيفة مع الأحبة والأصدقاء وبعض المباريات المهمة لفريقك المفضل ولا أعلم بالنسبة لك أين يمكن أن تضع ذكرياتك مع شريك حياتك واعفيك من حرج الإجابة.

 

كم هو جميل ذلك الشي فلا خوف من امتحان أو مذاكرة ولا حاجة لهاتف محمول تلتقط فيه صورا لكل شيء ولا خوف من أن يصيبك الزهايمر فكل شيء محفوظ في تلك الذاكرة وبإمكانك أن تأخذ نسخة احتياطية من كل هذا ولكن تأكد ألا يصلها من تكره. أن تستيقظ كل صباح وأنت لا تحمل إلا الذكريات السعيدة نعمة عظيمة فامنح نفسك كل يوم بعض الدقائق لتراجع ما تحب أن تبقي وما تحب أن ترميه من ذكريات أو أشخاص في سلة المهملات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.