حاء و باء بينهما برزخ لا يبغيان..

blogs الحب

أكثر معتقد أو قانون في دين الحب يستهويني ويحتل المستوى الأكبر من قناعاتي هو ذاك القانون الذي يحكم قلبا استمات في هوى قلب آخر موتا لذيذا باعثا بالحب والروح لكل من لا روح له، إلا أن الحياة بقوانينها الطبيعية وحتى البشرية أصبحت حائلا بينهما مكونة غيوما لتمنع بزوغ شمس وصالهما بعدما كانت المدبر الحريص لأن يقع القلبان في شباك الأخر.

   

لأن تجمع تلك العيون التي منح صاحبها عيون الآخر نظرات عالية التركيز متعددة اللغات محملة بمعان لا أبجدية قادرة على وصفها وإيفائها حقها، فكانت العيون أدق رقيب وكانت العبرات أجمل سبيل وكانت القلوب أصبر منتظر، فالفؤادان كانا ينتظران تلك اللحظة منذ زمن طويل فتلك اللحظة جعلتهما يشعران بما حولهما شعورا مضاعفا متمنيان لو يقف الزمان دون أن يمضي وأن تحول الأرض عن الدوران، أن يقف العالم على قدم وساق على هذا المشهد، فقد استحوذ كل منهما على الشق الخالي في قلب الآخر راكلين تاريخهما ذكائهما واستذكائهما فكرهما مكانتهما ونظامهما بخطوطه الحمراء فقد ضاع مده بجزرها، فكانت الحياة طوعا لتلاقيهما في تلك اللحظة القصيرة فسرعان ما تنكرت لذاك القلبين فإن تبسم طريق لأحدهما وأوصلته تنكرت للآخر وأبعدته، حاملا كل منهما قلب الآخر في جوفه متأملا باحثا عن الآخر في وجه البشر مكونا في قلبه صورة تجمعهما تتربع على عرش كل الصور.

  

في كل مرة يقول هالانت لنا الأقدار فيجد الحياة تعصف بهما كل العصف وتقسو عليهما وتبعدهما كل البعد فيستمر بالسير في الطرقات متخذا من ملامح محبوبته دليلا على الطريق

يتبسم في وجه طفلة لتغرق عيناه في جمالها الطفولي ساردا بجوفه لمحبوبته أوصافا غريبات ملح خاتما سرده ليتك تشاركيني رؤية هذا الجمال الذي أراك فيه، يداعب شعر يتيم بيديه التواقة راسما بسمة على شفاه طال عبوسها، ناظرا له بعينين تتوسل دعوة بأن يأذن الله بالتلاقي وكأنه يقول له كما أنت يتيم الأب فأنا يتيم الهوى، فيمضي بعيون زرعت بها بذور الشوق المثمرة دمعا مختبئا حيران خلف الأجفان، وإن جن عليه الليل أشعل ناره الخابية بجانب نار شوقه داعيا محبوبته بود صادق ملئ به الفؤاد حتى طفح، شاكيا لواعج قلبه وطول سطور توقه في كتاب مفتوح مليء بصوته الغير قادر على كتمان شوقه فكان لديه ما يكفي ليحبه ويبكيه، فيصبح واقفا لا يمل الالتفات وكأن العالم أصبحت مرايا تعكس صور محبوبته فهي لا تجيء لكنها تضيء جوانحه باللهب

  

في كل مرة يقول هالانت لنا الأقدار فيجد الحياة تعصف بهما كل العصف وتقسو عليهما وتبعدهما كل البعد فيستمر بالسير في الطرقات متخذا من ملامح محبوبته دليلا على الطريق حاثا الخطى راميا للطرقات، متيقنا بأن أفكارهما وأنفاسهما تسيران في وتيرة واحدة، متمنيا في زمانه المفطور قلبه أن يتقاسما اللقمة أن يدفعا عن بعضهما النقمة أن يردا الروح لأغانيهما الذابلة وأن يأتيا بحقائب أمانيهما الراحلة فيعيدا لروحيهما بريق الوعود البيضاء أن يكون زادهما ومعادهما معا أن يبكيا فرحا ويكون لهما بستان وأنهار ونهار، فيمضي عمره هكذا سائر باحثا متأملا متيقنا متمنيا، فلا لقاء يخبو من نار شوقه ولا حديث يروي عطش حبه ولا خبر يسلو حسرته ولا نظرة تلوح به في الأفق لكنه ترك صبرا على جذوة نار ذاك الحب.

  

صبرا سيحفظ ذاك الحب السرمدي ويأمنه ويمهد طريقا آخرويا لخلود ذاك الحب متوجا بالتلاقي فهي عفيفة تروق الشمس صورة وجهها وهو شهيد حب كما قال شيخ الحب ابن حزم الأندلسي في كتابه طوق الحمامة باب الموت:" وربما تزايد الأمر ورق الطبع وعظم الإشفاق فكان سببا للموت ومفارقة الدنيا، وقد جاء في الآثار: من عشق فعف فمات فهو شهيد. وفي ذلك قطعة، منها:

فإن أهلك هوى أهلك شهيدا

وإن تمنن بقيت قرير عين

روى هذا لنا قوم ثقات ثووا

بالصدق عن جرح ومين"

   

ونختم بقصة رويت عن الأصمعي ونأمل أن يكون بطلا القصة شهيدي حب " حكي عن الأصمعي رحمه الله تعالى أنه قال بينما أنا في بعض مقابر البصرة إذ رأيت جارية على قبر تندب وتقول:

بروحي فتى أوفى البرية كلها

وأقواهم في الحب صبرا على الحب

قال فقلت لها يا جارية بم كان أوفى البرية وبم كان أقواها؟ فقالت يا هذا إنه ابن عمي هويني فهويته فكان إن أباح عنفوه ‏وإن كتم لاموه فأنشد بيتي شعر وما زال يكررهما إلى أن مات، والله لأندبنه حتى أصير مثله في قبر إلى جانبه فقلت لها يا جارية فما البيتان؟ قالت:

 

يقولون لي إن بحت قد غرك الهوى

وإن لم أبح بالحب قالوا تصبرا

  

فما لا مرئ يهوى ويكتم أمره

من الحب إلا أن يموت فيعذرا

 

ثم إنها شهقت شهقة فارقت روحها..