الإعلام الجديد وتحديات الهوية

blogs-وسائل التواصل

يُعتبر عصرنا عصراً جديداً تماماً بالمقارنة بالعصور السابقة، التي كان كل شيء فيها بسيطاً جداً بالنسبة إلى ما يشهده عصرنا من تعقيد الحياة الإنسانية في مجتمع ما بعد حداثي شبكي. وتلك هي صيرورة الحياة الآخذة في التغير بوتيرة متسارعة، والتي لا تعود القهقرة بأي شكل من الأشكال ولا تسمح لنا حتى بالنظر إلى الوراء. إن الحياة تتسابق مع الزمن حتى أننا نتسائل أين ذهب الوقت؟ ونشعر بأن أوقات الفراغ قد سُرقت منّا، تلك الأوقات التي كان إنسان العصور السابقة يعد فيها النجوم. تُرى من سرق أوقات الفراغ؟!

 

العولمة، والإعلام الجديد، والثورة التكنولوجية الجديدة، والعلوم التي تنمو وتتمدد ويتولد عنها علوم جديدة، ونظم التواصل الجماعي التي أتاحت للكل فرصة الإرسال بدلا من نظم التواصل القديمة التي كانت تقتصر على مرسل واحد في عملية الاتصال الجماهيري، والمعرفة التي تتضاعف كل ستة أشهر أو أقل، والبرمجيات الجديدة التي تتنافس على خدمة الإنسان العصري، والرسائل التسويقية، والرسائل اللحظية لتطبيقات وتساب وفيسبوك وانستغرام وتويتر وفليكر وسناب شات التي تقتحم الانسان العصري اقتحاماً لتخبره بشيء ما. كل هذه الأمور تتنافس على احتلال أوقات فراغ الإنسان الشبكي الجديد، الذي أصبح جزءً لا يتجزأ من عصر الاتصال الشبكي، فهو العنصر الفاعل وهو العنصر المُنفعل في ذات الوقت، أو هو بمعنى أدق الفاعل المنفعل الذي ينفعل ثم يفعل وهكذا حتى أصبح مثل ترس في آلة كبيرة لا يملك القدرة على التوقف من تلقاء ذاته.

 

لا شك أن إنسان عصرنا الحالي يستطيع معالجة تلك المشكلات المتعلقة بالهوية والحرية في يوم ما، لأنه بالتأكيد سيدرك يوماً أن السرعة التي يسير بها مواكباً سرعة التغير جعلته يسبق روحه فيقرر أن ينتظرها

أما الفاعل الرئيسي والمحرك الأول لهذه الآلة هي مؤسسات عملاقة عابرة للقارات على مستوى عالي من التنظيم والكفاءة، استطاعت أن تسيطر على التطور التكنولوجي والمعرفي وتوجهه لصالحها، وبفضل العولمة استطاعت أن تجعل من الإنسان سلعة لتبيعه بسرعة الضوء للمعلنين الذين يتنافسون على الوصول إليه، فأخذت تستحوذ على أوقات فراغه بتقديم الكثير من الراحة والخدمات المجانية إلية ثم تبيعه بسرعة الضوء عبر العالم من خلال الإنترنت إلى المسوّقين والمُعلنين. وتحول الإنسان إلى شيء، شيء له ثمنه، تستهدفه المؤسسات التجارية الإقليمية والدولية، الأمر الذي يثير مسائل من أهمها الحرية والهوية، حيث تشظت الهوية الوطنية والثقافية إلى هويات بعضها متناقضة بسبب التواصل مع ثقافات أخرى.

 

تزايدت قدرة المؤسسات العملاقة على التحكم في اختيارات الإنسان بسبب ما تجمعه عنه من كم هائل من البيانات السجلية أثناء عمليات التواصل المستمر التي ارتبط بها حتى أنها أصبحت تعرف عن الفرد ما لا يعرفه هو عن نفسه، الأمر الذي يثير تساؤلات عديدة حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه القدرة، وأثره على الهوية والديمقراطية وقيم المواطنة، وذلك لأن عملية التواصل هي عملية تعليم وهي عملية تربية في ذات الوقت كما أنها أيضاً فعل سياسي. وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر أمام إنسان عصرنا الشبكي، أما فيما عدى ذلك نجد أن التطور التكنولوجي والإعلام الجديد يصب في مصلحة الإنسان حيث أصبح الإنسان هو الطرف الفاعل في عمليات التواصل وليس المنفعل كما كان كان في نظم الإعلام والاتصال القديمة، وذلك من خلال اختياراته ومشاهداته التي تستمد منها المادة الإعلامية أهميتها.

 

ولا شك أن إنسان عصرنا الحالي يستطيع معالجة تلك المشكلات المتعلقة بالهوية والحرية في يوم ما، لأنه بالتأكيد سيدرك يوماً أن السرعة التي يسير بها مواكباً سرعة التغير جعلته يسبق روحه فيقرر أن ينتظرها، وعندئذ ستتشكل لديه هويّة جديدة بدلاً من تلك التي مزقتها العولمة ونظم الاتصال الجديدة. إن العولمة عصفت بثقافته وهويته وقيمه الوطنية التي يتغنى بها، فبالانفتاح على قيم العالم بتنوعاته المختلفة، اكتشف الإنسان أن هناك قيماً أخرى في بلاد أخرى كان من الممكن أن تكون قيمه التي يتغني بها لو أنه ولد في الناحية الأخرى من العالم، ووقف حائراً متشككاً فيما تم تلقينه من قيم قديمة لا يستفيد منها شيئاً بل خاضع لها ومستغل بها.

  

لا شك أن السبيل لتخليصه من مشكلة انهيار القيم هو تناول إعلامي لقيم عالمية جديدة تتفق مع عصر ما بعد الحداثة ومع فلسفته وتطلعاته. ولفظة "انهيار القيم" هنا مقصودة ولا يمكن استبدالها بلفظة ضعف القيم، لأن الكثير من القيم بالفعل انهارت كما ينهار المبنى القديم الهش، وذلك لأنها كانت قيم غير صادقة. إنه مثل شجرة تعرت من أوراقها القديمة لترتاح من حمل أثقالها ثم تعود لتكتسي من جديد بأوراق جديدة زاهية.