"القاتل الأشقر".. رواية النبش في أتون التيه والتطرف!

دائما ما يستدرجنا الروائي المغربي طارق بكاري إلى عوالم رواياته بحكمة شيخ رغم أنه بالكاد بلغ عقده الثالث، فبعد رائعته "نوميديا"، ومرايا الجنرال، أطل علينا نهاية السنة الفارطة من دار الآداب البيروتية بعنوان مثير "القاتل الأشقر"، لأول وهلة تحيل الشُّقرة إلى الإنسان الغربي، لكن هذا الأشقر عربيّ منّا ومن هذا الزمن العربيّ الرديء، لم يكن قاتلا ولا أشقرًا بمحض إرادته، بل وجد نفسه أشقرًا ولا يدري من أين ورث هذه الشُّقْرَة، لأنه مجهول الأب، وُلد بشرخٍ كبير في الهوية ثم أصبحَ قاتلًا حينما اقتفى ذاكرة أمه الإجرامية، فهو قاتِل وقتيل في آن، قتلت الحياة أوردته الهوياتية والعاطفية بتقسيط، وفي تيهه لرتق تصدعاته وجدَ نفسه مُقاتلا في حرب لا تعنيه.

"القاتل الأشقر" رواية تتفنن في سبر أغوار المجتمع والنفس البشرية وفي طرح أسئلة الوجود الإنساني، وبذلك فهي مزيج من الرواية السيكولوجية والواقعية لأنها تنفذ إلى أعماق النفس البشرية وتحكي أيضًا عن أحداث عاشتها بعض دول الوطن العربي في وقت قريب جدًا. هذا الأشقر جاء من عبث الحياة بالأحياء، وُلِد في وكر بغاء، كانت أمه مع عشيقها الوحيد في حالة نشوة، فكان هو..، ومنذ ولادته التي لم يخترها طبعًا، والمصائب تكتظ به وتعده لاقتراف البشاعة وللتطرف، فأن تصير الحياة فخا هو أمرٌ عرفناه دومًا، كما قال ميلان كونديرا، يولد الإنسان دون أن يطلبَ ذلك، ويحبس في بيئة لم يخترها، يولد وهو منذورٌ للموت، كذلك كان الأشقر منذورًا للتيهِ وللجريمة وللجنس نتيجة عقده النفسية المُتراكمة، فمنذ صباه تعرض للاغتصاب من طرف خمس عاهرات وقبل أن يعيَ كنه الجنس، علمَ عنه الكثير من خلال تلصصه على الزبائن الذين يطلبون المتعة في غرفة والدته.. هذا المُنكسر كان بحاجةٍ ولو إلى القليل من عبثية "غريب كامو" لكي يُساير هذه الحياة ويجبر كسورها لكنه كان دونكيشوتيا مُندفعًا بلا هدف وبلا إيديولوجية.

الأشقر لم يلتحق بداعش كغيره بُغية التمتعِ بحور العين، لأنه لم يكن مُتدينا ولا مُتعصبًا، فهو مدمن سجائر وروايات.. وجد نفسه مدفوعًا بتهيهِ إلى داعش، فهو ليس ملاكًا ولا شيطانا

الرواية حبلى بالشخصيات الرئيسية والثانوية، إذ تؤم أنماطًا متباينة ومُتشابهة من الشخصيات؛ الأشقر أو ذئب الدولة الإسلامية، مثقف يمقت الرجعية، يقرأ الأدب ويكتبه، لكنه قاتل. وليد هو المُستمع والحكّاء في آن، صحفي لبناني ورطته مجلة بريطانيا، حينما منته بأموالٍ طائلة لكتابة تقرير عن داعش، فدخل غمار لعبة لم يكن يدرك أخطارها، انقلب من شابٍ يعاقر الخمر إلى شاب يسبل اللحية ويلبس البياض، وعند وصوله إلى سوريا ولكي يلتحق بالتنظيم أراد "الأمير" أن يختبره في جريمة قتل ليتأكد من ولائه للتنظيم، فقتل فتاة بطلقة في القفا أمام أنظاره، فعلَ هذا لأول مرة لكي يدفع عنه شبهة الإندساس ولا يُقتل، قَتل.. إلا أنه لم يكن يدرك أن هذه القتيلة هي حبيبته، أما "الأخ الكبير" أو الأمير هو زعيم التنظيم، سليل مدينة عين العرب السورية، ساهم في خراب مدينته عندما تزعم التنظيم ليُرمم داخله الخرب، هذا الزعيم كان هو الآخر يعاني من عقد نفسية يسيرة، ابتدأت عندما قتلَ النظام السوري والده وتفاقمت حينما ضبط أمه مُتلبسة بخيانة ذكرى والده مع صديقه الملتحي.

أما "حياة" فهي والدة الأشقر، فرت من قريتها درءًا لانكشاف فضيحتها والتقطتها أيادي العهر والوساطة بمدينة أطلسية، تشبه إلى حد بعيد "منانة" والدة شامة رفيقتها في السكن وفي امتهان الدعارة.. إضافة إلى الكلب "آدفل"، آدفل كلمة أمازيغية تعني الثلج، والثلج/الطبيعة في الرواية هو سبب مصائب حياة، سبب تيهها وفقدها لعذريتها. وغيرهم من الشخصيات الثانوية التي تؤثث فضاء الرواية. والبطولةُ، على رأي عبد الرحمن منيف، لم تعد حكرًا على الأشخاص، بل هناك رواية بطلها جسر، كما هو حال رواية "القاتل الأشقر" بطلها الآخر هو القتل والضحالة، بالإضافة إلى قهر الحياة للإنسان وعبثها به، صحيح أن الأشقر البطل يستحوذ على مسار الحكي، وأن وليد الصحفي اللبناني هو الراوي والحكّاء، الذي يحكي سيرة الأشقر الذي سردها عليه عندما كانا محاصرين داخل مبنى في مدينة عين العرب السورية أو كوباني. لكن القتل والتيه هو البطل الأخر والتيمات التي تشغل الحيز الأكبر داخل الرواية.

بأسلوب شاعري، حزين وشجي كتبَ طارق حكاية "القاتل الأشقر" أو الأشقر التائه، وتيه هذا الأشقر لم يكن سوى امتدادا لتيهِ والدته كما هي حياته وجرائمه امتداد لحياتها وجرائرها، لأن والدته هي الأخرى دشنت حياتها بتيه في ثلوج جبال الأطلس المتوسط وهي طفلة، ذلك أن "حياة" الأم كانت من أولئك الذين لم تنصفهم الحياةُ، كانت تمتهن الرعي في قريتها المعزولة في أقاصي الأطلس المتوسط بالمغرب، وفي فجاج هاته الجبال تاهت وانتهى بها هذا التيه إلى أيادي سيدة تمارس عليها طقوسها الجنسية الشاذة، هذه المرأة أعطتها الحياة حين أنقذتها من موت محقق، وأخذت منها حياتها حينما فضت بكارتها، ومنذ ذلك الحين وهي تنظم كل رأس سنة مأدبة قتل، تقطر على جسد الضحية الشمع كما فعلت بها السيدة التي أنقذتها، وتفقأ عينه اليسرى كما فقأت الذئاب عين كلبها "آدفل". أما تيه الأشقر فابتدأ فعليا حينما دلَّته فتاة مجهولة على رابط شريط إباحي يوثق خيانة حبيبته "شامة" له ومع توأمه، ومن فرط الصدمة فقد صلته بالخوف وبالأحاسيس البشرية حيث دخل السجن نيابة عن توأمه الذي يشبهه إلى حد التطابق، وفي السجن بدأ يقرأ لكافكا، سيوران ونيتشه.. ومن مؤنسيه الورقيين والعدميين ازداد عدمية، وحين لفظه السجن بدأ اعتلاله النفسي يتفاقم، فقتلَ شامة وغادر المغرب..

فالأشقر لم يلتحق بداعش كغيره بُغية التمتعِ بحور العين، لأنه لم يكن مُتدينا ولا مُتعصبًا، فهو مدمن سجائر وروايات.. وجد نفسه مدفوعًا بتهيهِ إلى داعش، فهو ليس ملاكًا ولا شيطانا؛ قتلَ شامة وهي حامل لينتقم من خيانتها لهُ، ولكي لا يتحمل ذلك الجنين شطط حياة مُزرية. ومن أجل إتباث براءة أمه قتلَ صديقه الوديع تماما مثل ما يُقتل عشرات الأبرياء كل يوم من أجل فضائل مزعومة. وفي اليمن لكي يثبت محبته لصديقه عبدالملك أهداه مُسدسًا أنيقا، قدمه لهُ كعربون محبة وألفة، لكن عبدالملك انتحرَ به عندما خانه الأشقر غصبًا وتزوج من حبيبته. وعند التحاقه بتنظيم داعش صار منطق حب البقاء يفرض ذاته، فهو يَقتل كي لا يُقتل، هو قاتل محترف لكنه كان يفيض بالأحاسيس الإنسانية، فحتى قسماته كانت تشي بالوداعة، فعندما تفنن مثلًا في قتل ضحيته الأخيرة، خط برأس المدية الرقم 124 على الجبين، ثم فتش ملابس الجثة، واكتظت عيناهُ بالدموع حينما وجد صورة ابنته الصغيرة التي يتمها!

عدد كبير من القتلى هو نصيب الأشقر من لعبة الإبادة التي وجد نفسه مدفوعًا إليها إلى جانب صديقه الأخ الكبير زعيم التنظيم، الذي قتل أضعاف هذا العدد منذ أن ارتمى هو الآخر في أتون التطرف مضطراً، عرفه لأول مرة في اليمن وقاتل معه في تنظيم القاعدة قبل أن يلتحقا بداعش في العراق، كانا يجمعهما التيه وهرس الأعماقِ، الأشقر خانته شامة في المغرب والأخ الكبير أحب فتاة في سورية وقوبل طلب زواجه بالرفض لأنه عربي وهي كردية، فتزوجت في العراق.. ولأن العراق أصبح موطن خساراته؛ موطن حبيبته وعدوه اقتحمها بدافعِ الانتقام.

ولأن كلّ كاتب هو قارئ جيد في الأساس، فالرواية فرضت حتمًا على الكاتب طارق بكاري الكثير من القراءات وجمع المعلومات عن التنظيم المتطرف والبحث فيما يتعلق بالجغرافيا أو بالأحداث الواقعية التي وضفها الكاتب وفيما يتعلق أيضا بأسماء المدن أو حدود الدول التي وردت فيها، لأنها تجمع بين دفتيها دول كثيرة، إذ تنطلق من المغرب فتونس، و صحراء ليبيا… وصولًا إلى السودان ثم اليمن والعراق فسوريا، فالأشقر قاتَلَ إلى جانب "الأخ الكبير" في تنظيم القاعدة في مختلف مدن اليمن ثم دخلوا العراق وسوريا بمباركة من العسكر الأمريكي. وكأن الكاتب أراد أن يقول لنا، أن داعش مبتكرة ومصنوعة، صنيعة بؤس الذات وبؤس الآخر وصنيعة الرجعية، وأن مقاتلي هذا التنظيم بعضهم مغرر به يُقاتل ليفوز بالنعيم الآخروي وحور العين والبعض الآخر مُرغم على خوض حرب لم يخترها. فمن مهد البؤس قد يُولد البائس والمُتطرف، ومن حجرة التيه قد يخرج التائه والقاتل، يقول الكاتب على لسان الأشقر واصفًا جند الخلافة في الصفحات الأولى من الرواية؛ "هذه المسوخ وجهُنا المغبرّ القبيح… أقول إنهم ينتمون إلينا جاءوا مِن فشلنا، من تعليمنا، من ديننا، من عصبيتنا، من ازدواجيتنا ومزاجيتنا".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة