عز الدين القسام.. قائد ثورة فلسطين

"القسّام القسّام.. اسم سيبقى في فلسطين يتردّدُ في أجوائها، فيوقع الرعب في قلوب الذين يسيطرون عليها بحرابهم، ويُتلى في صفحات تاريخهم الخالدة، فيملأ نفس القارئ إكبارًا وإعجابًا"

-جمال الحسيني

   

أجمع العرب على إمامة وريادة عز الدين القسام فقد تفرد بمنهجه التربويّ ومسلكه الجهادي وهو ما بوّأه مكانة ضمن أبطال أمّة الإسلام. إنّ عز الدين القسّام هو قائد ثورة فلسطين الأولى وباعث أنموذج الانتفاضة المباركة فقد اعتمد هذا القائد على القوّة الكامنة في قلوب المؤمنين التي تستمد العون من اللّه تعالى؛ لذلك أرعب اسم عز الدين الأعداء أكثر ممّا أرعبتهم الجيوش المدججة بالسلاح ومن أجل هذا كله استحقّ القسام أن ينضم إلى كوكبة أبطال المسلمين لتأخذ الأجيال العبرة من سيرته.

 

ولد الشيخ المجاهد عز الدين القساّم في بلدة "جبلة " في محافظة "اللاذقية " في سوريا سنة 1882 م وترعرع داخل مساجد وكتاتيب بلدته "جبلة" متلقيًا تعليمه الابتدائي والديني هناك ولمّا آنس منه أبوه رغبة في العلم أرسله إلى الأزهر في مصر وقد قضى هناك ثماني سنوات تتلمذ فيها على يد ثلة من الشيوخ وتعلم العلوم الدينية والفقه والتفسير والحديث، ثم عاد بعد ذلك إلى مسقط رأسه "جبلة" بعد أن نال الإجازة العالمية الدّالة على تضلعه في العلوم الإسلامية، وعرفنا من خلال نهجه الحياتي المستقبلي أنّ الرجل لم يكن جمّاعًا حافظًا فقط وإنّما كان فقيهًا في كل ما جمع من العلوم والمعارف.

 

بدأت مسيرة عز الدين القسّام عند اشتعال الثورة ضد الفرنسيين بسوريا حيث شارك فيها وقد حاولت السلطة العسكرية الفرنسية شراءه وإكرامه بتوليته القضاء فرفض ذلك وكان جزاءه أنْ حكم عليه الديوان السوري العرفي بالإعدام. وقاد عز الدين القسام مظاهرة أيّدت مقاومة الليبيين للاحتلال الإيطالي وجمع التبرّعات من مال وسلاح لنجدة المجاهدين في طرابلس وحكمت عليه فرنسا بالإعدام ولاحقته إيطاليا بسبب دعمه لثورة عمر المختار. وأصبح مطاردًا من قبل جبابرة الأرض ففر إلى فلسطين سنة 1921 ونشط القسّام بين أهل "حيفا" يعلمهم القراءة والكتابة ويحارب الأميّة المتفشية بينهم وذلك في مسجد الاستقلال في الحي القديم وهو ما أكسبه تقديرًا واحترامًا وتأييدًا.

 

لم يسعَ عز الدين القسّام إلى سلطة أو كرسي بقدر ما كان يسعى إلى أن ينفذ مشروعه على أكمل وجه وأن يؤدي رسالته في هذه الدنيا

في سنة 1926 ترأس القسّام جمعية الشبان المسلمين وكان يدعو للجهاد ضدّ المستعمر البريطاني واشتهر بين أهل حيفا بالورع الديني وأنّه شيخ محمود السيرة في صدقه ووطنيّته. وكان يقول للناس في خطبه في جامع الاستقلال الذي أشرف على تشييده: "إن كنتم مؤمنين فلا يقعدن أحد منكم بلا سلاح وجهاد". وتمّ القبض عليه من قبل البريطانيين وأُدخل السجن لكنه خرج بعد أن قامت الجموع بالتظاهر والإضراب.

 

لقد عمل عز الدين القسّام على إنارة عقول الناس كبارًا وصغارًا وحثهم على المقاومة وكسر شوكة العدو وتغذية نفوس الأهالي بحب الجهاد وتحرير أرضهم من العدو الأساسي وهو الانتداب البريطاني، وبدأ القسام بتأسيس ما يسمى بالخلايا السريّة وتدريبها وتجنيدها من أجل الكفاح، وبعد أن نال اليهود وعد بلفور رأى بعض الشباب المستعجلين من أبناء تنظيمه القيام بثورة في حين استحسن عز الدين التريّث ولبث سنين يعدّ للثورة الكبرى، حيث قام بتعليم أبناء القرى وتدريبهم على السلاح جيّدا وتلقى تعزيزًا مباشرًا وقويًا بالمال والسلاح من أمير الأردن الخزاعي.

 

في 15 نوفمبر 1935 أطلق الشيخ المجاهد عز الدين القسام الشرارة الأولى للثورة الفلسطينية الكبرى فبعد أن اكتشفت القوات البريطانية أمره قامت بمحاصرته في منطقة "يعبد" في جنين وهبّ الشعب لنجدتهم وكانوا مسلحين لا يهابون خطر المواجهة مع قوّات الانتداب البريطاني وهو ما دربهم عليه قائدهم القسّام، وقد طُلب من عز الدين ورفاقه الاستسلام إلا أنه ردّ قائلًا: "إننا لا نستسلم، إننا في موقف الجهاد في سبيل اللّه " واندلعت معركة غير متكافئة بين قوات الاحتلال ورجال المقاومة قدّم فيها المجاهدون الفلسطينيون صور رائعة من الكفاح والنضال وسقط الأبطال واحدًا تلو الآخر دفاعًا عن فلسطين، وأصبح القسّام علمًا من أعلام الجهاد يتردد اسمه في بلاد فلسطين كلها. وعُرف هذا الاندلاع ب " ثورة القسّام " وأسفرت المواجهة عن استشهاد عز الدين القسّام ورفاقه وقد وُجد بحوزته مصحفًا وأربعة عشر جنيهًا ومسدسًا كبيرًا، ونشرت الصحف مقالات كثيرة بعناوين مختلفة بارزة منها: "معركة هائلة بين عصبة الثائرين والبوليس" / "حادث مريع هزّ فلسطين من أقصاها إلى أقصاها".

 

كان لاستشهاد القسّام دوي كبير في البلاد وتعاطف الشعب مع فكرة الشهادة في سبيل الله والوطن. لم يسعَ عز الدين القسّام إلى سلطة أو كرسي بقدر ما كان يسعى إلى أن ينفذ مشروعه على أكمل وجه وأن يؤدي رسالته في هذه الدنيا وكانت جميع إنجازاته في حيفا من أكبر الإنجازات فقد كان رجلًا مسؤولًا حقًا. أدى استشهاده – رحمه الله – إلى إشعال فتيل الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1935 وإضراب الستة أشهر والذي لم يتوقف إلا بتدخل الزعماء العرب.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة