شعار قسم مدونات

سنان باشا.. ومسجده العثماني بمصر

BLOGS سنان باشا

ولد سنان باشا ابن علي بن عبد الرحمن عام 912هـ، مع بداية عهد السلطان سليم الأول، ونشأ نشأة علمية وجهادية عالية منذ صغره؛ واتُصف طيلة حياته بالدهاء والحنكة السياسية والمهارة العسكرية، عدّه الأتراك واحدا من أبرز الشخصيات التي أسهمت بدور كبير في تاريخ الدولة العثمانية خلال القرن العاشر الهجري، فله يرجع الفضل في انتصار العثمانيين على الزيديين في اليمن، كما يُحسب له فتح تونس وضمها للدولة العثمانية، بعد أن قام بهزيمة الإسبان، كما كان له دور كبير في إعادة بلاد الشام للدولة العثمانية.

 

وفي نزهة الناظرين؛ ذكر مؤلفه – مرعي الكرمي الحنبلي – أن سنان باشا تولى على مصر مرتين، الأولى في الرابع والعشرين من شعبان سنة 975 هـ، وعزل في 13 جمادي الآخرة سنة 976 هـ، ثم عين لفتح اليمن بالوزارة؛ فأرسل عسكرا في البحر في نحو عشرين غرابا، وذهب هو برا في نحو عشرة آلاف مقاتل وعدة من الأمراء، وفتح اليمن، ثم عاد إلى مصر مؤيدا منصورا، وتولاها ثانية في أول صفر سنة 979 هـ، ثم عزل في آخر ذي الحجة سنة 981هـ، كما تقلد سنان باشا ولاية دمشق سنة 995هـ، ويقال إنه تقلد منصب الصدر الأعظم خمس مرات، أولها عام 988هـ في عهد السلطان مراد الثالث.

 

مسجد سنان باشا الذي أنشأه بمصر؛ فهو ثاني مسجد يقام على النهج العثماني؛ بعد مسجد سليمان باشا؛ ويوجد في شارع السنانية، شمال حي بولاق أبو العلا، ويحمل رقم 349 في عداد الآثار الإسلامية

ولسنان باشا – فضلا عن أعماله السياسية – أعمال معمارية عديدة لا تزال ترتبط باسمه حتى الآن، فقد أقام العديد من المنشآت بكل البلاد التي أقام بها أو تولى عليها؛ ومن أعماله العمرانية بمصر -فضلا عن مسجده هذا- قيامه بإعادة فتح خليج الإسكندرية، كما قام بإنجاز جسر فوق نهر بروت (يقع بشرق أوربا) خلال فترة وجيزة مما جعله يحظى بتقدير السلطان سليم، كما بنى جسرا آخر على الدانوب؛ منحه السلطان على إثره لقب كبير مهندسي الدولة العثمانية، كما أتم سنان باشا بناء مجموعة في ساحة باب الجابية بدمشق، تضم جامعا ومدرسة وسبيلا للماء؛ كما أنشأ جامع السليمانية بإسطنبول، وجامع أمير البحر، وجامع قليج على باشا، ومسجد صوقلى محمد باشا.

 

وتحدث الإسحاقي عن سنان باشا – في تاريخه – فقال: "وله مآثر جميلة وآثار حميدة وخيرات لا تنقطع وعدة مساجد وربط وتكايا في الديار المصرية والشامية والرومية، ولم يكن أحد من خدمة آل عثمان أنشأ مثلها من الخيرات، ثم توجه إلى الأعتاب العالية ووُلي الوزارة العظمى وفرح الناس بولايته". وبعد كل هذا التاريخ الطويل من الجهاد والسياسة والعمران توفى سنان باشا عام 1004هـ عن عمر يناهز التسعين.

 

مسجد سنان باشا

أما مسجد سنان باشا الذي أنشأه بمصر؛ فهو ثاني مسجد يقام على النهج العثماني؛ بعد مسجد سليمان باشا؛ ويوجد في شارع السنانية، شمال حي بولاق أبو العلا، ويحمل رقم 349 في عداد الآثار الإسلامية. يبلغ طول المسجد 35 مترا، وعرضه 27 مترا، ومغطى بقبة كبيرة مبنية من الحجر يبلغ قطرها قرابة 15 مترا؛ وهي على غرار القبب المملوكية الكبيرة، ومضلعة من الداخل تتكون من 16 ضلعا، بها شبابيك دائرية، ورقبة القبة بها أيضا شبابيك من الجص والزجاج. أما بيت الصلاة فتحيط به ثلاثة أروقة من الجهات الثلاث، وهذه الأروقة مغطاة بقباب من الطوب، ولكل قبة فتحة مستديرة على الواجهة. أما محراب المسجد فهو من الرخام الدقيق. وأما المنبر فمن الخشب وله خوذة مخروطية. وللمسجد دكة مبلغ محمولة على كابولين، ويصعد إليها من سلم في سمك الجدار. ومنارة المسجد على الأسلوب العثماني بالطرف الجنوبي الشرقي. وبقرب المنارة توجد مزولة (ساعة شمسية) من الملاط أنشئت بتاريخ 1182هـ.

 

ويعتبر تخطيط الجامع ظاهرة فريدة غير مألوفة من قَبْل في تخطيط المساجد العثمانية، فالجامع لا حرم له، أي لا فناء له يتقدم مكان الصلاة، وقد يرجع ذلك لوجوده على ضفة النيل الشرقية، وهو ما لم يسمح له بوجود حرم أو فناء من الجهة الغربية. وحظي المسجد باهتمام كبير سواء من قِبل المؤرخين أو الرحالة، فقد ذكره علي مبارك في خططه، بأنه يقع: "بثغر بولاق قرب شاطئ النيل، وفي كتاب وقفيته أن منشئ هذا الجامع هو سنان باشا ابن علي بن عبد الرحمن"، وقد زاره الرحالة التركي أوليا جلبي، وذكر أن له حديقة تحيط به، مليئة بالزهور والورود، وأن له سورا به أبواب.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.