شعار قسم مدونات

هل غزة أمام عدوان جديد؟

blogs غزة

كالعادة عاشت غزة المحاصرة تحت نيران وقصف وتدمير مسعور، حرق الأخضرَ واليابسَ، ودمر بشكل مجنون الأبراج والعمارات والبيوت الآمنة على رؤوس أهلها، وبقيت الإرادة والعزيمة عنوان تحدي متزايد عند أهل غزة العزة، وفي المقابل لقَّنت المقاومة الفلسطينية عدوها دروسًا وعبرًا في إدارة فنون القتال على تخوم غزة وداخل مدنه ومواقعه الحساسة. حتى كان وقف إطلاق النار الذي جاء بعد مخاض دراماتيكي مقلق، وبدا كأنه وقف إطلاق نار مؤقت لم يفضِ إلى ولادة وقائع جديدة أو قبولٍ من الأطراف كافة بنتائج العدوان وبقيت معادلة توازن الردع سيدة الموقف.

 

يأتي العدوان المتكرر على قطاع غزة على شكل رغبة متزايدة صهيوعربية في استئصال الأنموذج الموجود في غزة، على أساس أن ذلك نقطة ارتكاز لإنهاء مشروع ما يسمى "الإسلام السياسي" في المنطقة عربيًّا، وكذا الخلاص من صداع صهيوني مزمن اسمه "قطاع غزة" على أساس أن غزة هي التي أربكت الحسابات وأعادت رسم المعادلات، وفرضت تفاهمات بالدم في مرحلة استسلام عربي متزايد. زاد من غرور دولة الاحتلال الشعور المتزايد والمعلن أنها جزء رئيس من محور جديد يتشكل في الإقليم بصورة مفاجئة. وجاء هذا العدوان الهمجي على قدر متزامن مع الرغبة الصهيونية المتزايدة في إنهاء هذا الصداع، ولكن فاتورة الحساب المفتوح والثمن الباهظ توقف هذا التدحرج المتسارع للأحداث مع ترقب لمدخل الانقضاض على غزة وهي في أضعف حالاتها.

 

القراءة المتأنية الموضوعية تقول: إن تجدد العدوان في المدى القريب أمر مستبعد جدًّا، فالاحتلال بدأ يشعر بالتأثير السلبي المتزايد على اقتصاده، فضلا عن هشاشته الداخلية التي تتهاوى تراكميا

الغياب الرسمي عن إدارة شؤون غزة بتشكيل حكومة انفصال وإدارة الظهر لغزة وأهلها بالإجراءات الانتقامية، وما صاحب ذلك من إنجاز ورقي لطبخة الحصى (المصالحة) ثم التنكر الفج لها، وهذا يعجب دولة الاحتلال، ويشجعها على المراوغة والتعاطي الخبيث وغير الشفاف أو الصادق مع تفاهمات تخفيف الحصار. ومع جولات العدوان المتكرر قائمة؛ فالحصار ما زال يضرب أطنابه في كل زاوية في غزة، والتحول فقط من حصار معلن إلى سبل إدارة هذا الحصار عبر تفاهمات ندفع غزة دما فاتورة لها، والتطبيق ما زال غامض الأفق (يراوح مكانه) في ظل رغبات الاسترزاق والرهانات السياسية المترددة.

 

ما زالت المشاريع الكبرى كالميناء والمطار والممر الآمن في دهاليز الحسابات الضيقة. ومن القضايا الكبرى التي تراود ذهن أبناء غزة، ويهمس بها أهل السياسة والفكر أن العدوان لم يتوقف بصورة بيّنة وواضحة، والخشية من تجدده قائمة، لذلك ترى هاجس تجدد العدوان البربري الشرس قائمًا. لا شك أن إغلاق مسار التسوية وإعلان انتهاء حل الدولتين بشكل أو بآخر سبب مزيدًا من الاحتقان، إذ أصبحت كل الخيارات المطروحة من إفرازات (أوسلو) لا تلبي الحد الأقل من الأدنى في الحقوق الفلسطينية خاصة مع قرارات إرهاصات صفقة ترامب لتصفية القضية وخاصة اعتماد القدس عاصمة لدولة الاحتلال وضم الجولان وضم أجزاء كبيرة من الضفة.

 

وما لم تخطؤه العين في عدوان مجرم على غزة حالة عدم المبالاة العربية التي وصلت إلى درجة التواطؤ، فأصبح لدى الشعب الفلسطيني هاجس مريع من دورها حال تجدد العدوان على غرار ٢٠١٤، والأمر يتجاوز ذلك إلى حد الشعور المتزايد بوجود رغبة لدى أطراف غربية في استئصال المقاومة الفلسطينية وشطبها من العقلية الفلسطينية خصوصًا والعربية عمومًا. للأسف يوفر ذلك بيئة إقليمية تدفع باتجاه جريمة الاستئصال، إذ نشأت ظروف إقليمية جديدة، ما سمح للكيان الصهيوني بالمراوغة وصولا إلى محاولة استثمار اللحظة بفقدان السند والظهير العربي للشعب الفلسطيني، بل أكثر من ذلك، محاولة استغلال علاقة حماس المتوترة مع بعض دول الإقليم ووصولها إلى طريق مسدود من أجل الفوز بالضربة القاضية، وشطب غزة وإنهاء حالة الصداع المزمن. ومن هنا يتكرر العدوان على غزة دون صوت ينكر هذه العربدة الصهيونية.

 

يتزامن ذلك مع لحظة صعبة وقاسية على الشعب الفلسطيني، الذي يعيش مرحلة حصار ظالم غير مسبوقة، وواقعًا مريرًا على كل الأصعدة، حيث الرغبة العارمة من أكثر من طرف في استئصال هذا الأنموذج، واجتثاثه باعتباره يجسد المقاومة شاخصة منتصرة ثابتة. إن القراءة المتأنية الموضوعية تقول: إن تجدد العدوان في المدى القريب أمر مستبعد جدًّا، فالاحتلال بدأ يشعر بالتأثير السلبي المتزايد على اقتصاده، فضلا عن هشاشته الداخلية التي تتهاوى تراكميا، وبدت قيادته في مرحلة عصيبة، إذ ثبت لديها أنهم لا يملكون قدرة الحسم الميداني، وهذا مخالف لما روّجوه سنوات، وما يمثله الاحتلال من قوة عسكرية مقارنة بغزة الخاصرة الرخوة الضعيفة المحاصرة.

 

يضاف إلى ذلك الصدمة التي تلقاها جيش الاحتلال في العدوان المتجدد من تزايد قدرات المقاومة نوعا وكما، وما مثلت من هاجس جديد سحق الأسطورة، وأذل الكبرياء، وقلب المشهد وبعثر المعادلات. فالوصول إلى هدوء في الجنوب كان ثمنه باهظًا وفادحًا، وليس من السهل دفع مثل هذا الثمن مجددًا. وأكثر من هذا أن الدخول في حرب استنزاف متوقعة يشكل هاجس اضطراب يربكً حسابات قيادة الاحتلال، خاصة في ظل اللاحكومة الهشة واليمينية، والوهن الذي يصيب الجبهة الداخلية للكيان وقدرتها على الصمود بعد أن حققت المقاومة قدرة على الإيلام والإرباك وإشاعة الرعب في صفوف الجمهور الصهيوني، فضلا عن إشعال لهيب سيارات الجيش المتحركة على تخوم غزة.

 

البيت الفلسطيني الوطني الجامع بحاجة إلى ترتيب على أسس راسخة تضمن عدم العودة إلى الوراء عبر تشكيل قيادة وطنية تجسد نموذج الهيئة للوطنية والغرفة المشتركة

علاوة على انشغال قيادة الاحتلال في المرحلة القادمة بلجان تحقيق قضائية تشمل قيادات عسكرية وسياسية في رأس الهرم، وما زال الانشغال قائما في بناء جدار فوق الأرض وتحتها لمعالجة الثغرات التي حدثت في معركة 2014م، مع تفضيل للدخول في معركة تفاوضية لاستعادة الجنود المفقودين في غزة، وكذا ترى قيادة الاحتلال أولوية في معركتهم الكبرى في القدس وضمها واجزاء كبيرة من الضفة، والأقصى وتهويده وتقسيمه زمانًا ومكانًا، فضلا عن الأولوية في تحقيق مزيد اختراق في التطبيع المتزايد مع المحيط العربي.

 

أما على الجانب الفلسطيني فإن المقاومة بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ترميم مقدراتها بعد جولات الاستنزاف، من حيث المدة الزمنية والعنف الاستئصالي المتزايد، إضافة إلى الواقع الفلسطيني المعيشي القاسي للمواطنين جراء العدوان المتكرر والحصار المتشدد وقطع الرواتب، وما صاحب ذلك من إهلاك للحرث والنسل وتدمير البنية التحتية وتردي الواقع المعيشي، وتراجع مخيف في الظروف الاقتصادية وتأثيرات بينة في الواقع الاجتماعي. ولعل تأثيرات الواقع السياسي المرتكس أكثر حضورًا وتأثيرًا في ظل حالة إحباط متزايدة في صفوف الشعب الفلسطيني؛ بسبب تعطل قطار المصالحة، وعدم تحقيق الشراكة الوطنية المأمولة.

 

وبقي صمود الشعب والأنموذج المقاوم والتضحية الفريدة التي قدمها الشعب الفلسطيني الأمل الوحيد في مسيرة إنقاذ، وهذا يلقي بظلاله الواعدة على المشهد الوطني التحرري. الموقف الأمريكي العنصري الذي يشعر بالحاجة الشديدة لهدوء يسمح بإطلاق صفقة التصفية، مع تقدير متزايد أن دولة الاحتلال ورغم همجيتها ومنحها ضوء أخضر للقتل والإرهاب إلا أنه بفشل في تحقيق الأهداف مما يجعل "الظهير الأمريكي" في موقف حرج في الأثمان التي يقدمها في حماية الاحتلال، وقد يذهب ترامب لحرب حماية لدولة الاحتلال في مواجهة مزاعم النووي الإيراني.

 

وأخيرا: إن ما حدث من عدوان متكرر على غزة، وما رسمته المقاومة من ملاحم بطولية خالدة جسدا صورة البطولة الفلسطينية المتصاعدة، والكارثة حيث الدمار المريع من جانب آخر. ومن الضروري لمواجهة ذلك مزيد من طمأنة الشارع الفلسطيني الغزي بإعادة نشر تفاصيل اتفاق التفاهمات؛ حتى لا يحدث تباين في المواقف أو تعميق لإحباط الشعب المتزايد، وليتحمل كلٌّ مسؤوليته بصراحة عالية وشفافية كاملة، مع تأكيد أن الوعود الشفوية لا مقام لها في عالم السياسة، وأن الاتفاقات الموقعة دون ضمان دولي وازنٍ كزرع لا ضمان لمستقبله، لذا وجود وثيقة مكتوبة مع ضمانات واضحة ومسؤولة مهم لعدم تجدد العدوان. ولا شك أن البيت الفلسطيني الوطني الجامع بحاجة إلى ترتيب على أسس راسخة تضمن عدم العودة إلى الوراء عبر تشكيل قيادة وطنية تجسد نموذج الهيئة للوطنية والغرفة المشتركة.

 

مع عدم الانصياع للتهديدات والإملاءات، مع تثبيت أن نهج المقاومة يؤتي أُكله كل حين بإذن ربه وهو طريق حقق نتائج بيّنة، مطلوب تثبيت المنهج وتعميقه وتوسيعه ليشمل الضفة الغربية وعدم السماح لعدونا بالتفرد بالجغرافيا عدوانًا ولا بالفصائل تمزيقًا وتفريقًا، وليكن يوم ١٥ مايو في ذكرى النكبة إعادة الاعتبار للاحتشاد الفلسطيني على كافة حدود فلسطين لتمثل إشارة البدء في عداد الزمن المتناقص وصولا إلى حلم فلسطين الوهج الذي لا ينطفئ. وآلله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..