كيف يبتعد الشعر العربي عن فهم الإعجاز اللغوي للقرآن؟

blogs قرآن

إنّ أقدم شعر عربي معروف لدينا هو ما وصلنا من فترة الجاهلية، وهي فترة تنتهي بظهور الإسلام وتبدأ بـ150 عامًا قبله، أي أنها تبدأ في المنتصف الثاني من القرن الخامس الميلادي، وعلى الرغم من وجود بعض الشعر العربي الذي يُنسَب لفترات أقدم، مثل شعر جذيمة بن الأبرش وعمرو بن عدي اللخمي في القرن الثالث الميلادي، إلا أن النقوش قد ضعَّفت هذا الشعر، فقد ثبت أن العربية في ذلك الزمن تختلف عن العربية في الجاهلية، بل ويبالغ المؤرخون بقصص أقدم من ذلك فينسب بعضهم الشعر لآدم -عليه السلام- وإبليس والملائكة، وهو بالطبع ما لا يقبله العقل فضلًا عن العلم.

من الممكن استخدام الشعر الجاهلي كأداة للدراسة في العديد من المجالات؛ فهو -بالإضافة إلى قيمته الأدبية- مادة لدراسة التاريخ، وربما لم نكن لنسمع عن العديد من الأحداث التاريخية في فترة الجاهلية -أو قبلها أحيانًا- لولا إشارة الشعراء الجاهليين إليها، ومن الممكن أيضًا استخدامه كأداة لدراسة المجتمع، والعلاقات، والسلوك في ذلك الوقت. ولكنّ أخطر مهمة يقوم بها الشعر الجاهلي هي مهمته اللغوية وارتباطه بإعجاز القرآن؛ فالشعر الجاهلي يمثل أهم جزء من الأداة التي تُقاس عليها علوم اللغة من نحو وصرف -استمر القياس حتى القرن الثاني الهجري في المدن والرابع الهجري في البوادي- وإذا قلنا أن القرآن معجِزٌ لغويًا، فلا بد له لمتغير يقارَن به حتى يَثبُتَ إعجازه، والشعر الجاهلي هو ذلك المتغير.

ما سبق من الشرح لا يعارض فكرة التجديد والإبداع، فلا بد لأي فن أو أدب أو علم أن يتطور، ويأخذ أشكالًا جديدة ومعاصرة، ولكن التطور شئ والانسلاخ عن الهوية شئ آخر تمامًا

لطالما ذم الكثيرون الشعر، ولم يدركوا قيمته وقيمة صنعته، وهم في ذلك على أنواع لا يتسع المقام لتفصيلها أو ذكرها، ولكن أخطر نوع كما أراه هو كالذي وصفه عبد القاهر الجرجاني بأنه "يذمَّه؛ لأنه موزون مُقفَّى، ويرى هذا بمجرَّده عيبًا يقتَضي الزهدَ فيه والتنزُّهَ عنه"، فهناك من الناس من لا يعجبه الشعر ليس إلا لكونه موزونًا ومقفىً. (1). جاء هذا النوع من الناس بفنون شعرية جديدة، بدأت في العصر العباسي؛ مثل المسمط والمزدوج، وراجت في الأندلس؛ حيث انتشرت الموشحات، ثم اندثرت هذه الفنون الجديدة وبقيت حبيسة الكتب، لأنها لم توافق خصائص اللغة العربية، وغلب عليها الاصطناع، وجاءت موجة معاصرة من التغيير، وهي موجة طالت أساس صنعة الشعر العربي -الوزن والقافية- بحجة التغيير والملائمة لظروف الزمان والمكان، فظهرت أنماط شعرية مثل؛ الشعر الحر وقصيدة النثر، ولا شك أن الزمان سيتجاوزها، كما تجاوز ما قبلها.

إنّ الصنعة الكلاسيكية للشعر العربي هي "صَنعةٌ تَعْمَدُ إلى المَعنى الخسيسِ فتشرِّفُه، وإلى الضئيل فَتُفخِّمُه، وإلى النازل فترفَعُه، وإلى الخامل فَتُنوِّه به، وإلى العاطلِ فتُحَلِّيه، وإلى المُشكِل فَتُجَلِّيَهُ فلا مُتَعلَّقَ لهُ علينا بما ذَكَر، ولا ضررَ علينا فيما أَنْكَر، فليَقُلْ في الوزنِ ما شاء، وليَضَعْهُ حيث أراد، فليس يعنينا أمره، ولا هو مُرادُنا من هذا الَّذي راجعنا القول فيه" (2). وتكمن خطورة الأنواع الشعرية الجديدة أنها ترسم طريقًا آخر متوازيًا -بالمفهوم الأدبي وليس بالقيمة والتاريخ ودقة الصنعة- مع الشعر العمودي، فتعيق الكثير عن تعلمه، وتجعل منه فنًا غير مألوف بالنسبة إليهم، لتقطع الطريق من بدايته على فهم الإعجاز الحقيقي للقرآن، والذي لا سبييل لفهم إعجازه دون دراسة متعمقة للشعر الجاهلي كما ذكرنا.

إنّ ما سبق من الشرح لا يعارض فكرة التجديد والإبداع، فلا بد لأي فن أو أدب أو علم أن يتطور، ويأخذ أشكالًا جديدة ومعاصرة، ولكن التطور شئ والانسلاخ عن الهوية شئ آخر تمامًا، ولا بد للتطور أن يراعي الخطوط العريضة التي نشأ عليها الشعر، والشعر نفسه تطور كثيرًا، حيث ظهرت القصائد الأطول، والمقدمات، ولا تزال الصور والتراكيب والمفردات والمواضيع تختلف وتتجدد باستمرار بما يناسب الزمان والمكان، وبما يحافظ على الهوية المتميزة للشعر العربي، والممتدة لقرون من الزمان.
——————————————————————————————————————-
مراجع: 
(1) انظر كتاب دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، 1992، الطبعة الثالثة، (قراءة وتعليق محمود شاكر)، شركة القدس للنشر والتوزيع، ص. 11.
(2) انظر كتاب دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، 1992، الطبعة الثالثة، (قراءة وتعليق محمود شاكر)، شركة القدس للنشر والتوزيع، ص. 24.