حميدتي.. من أطراف البادية إلى تلة القصر الجمهوري

حينما إلتقيت الرجل أول وجدت نفسي أمام بدوي ؛ مديد القامة ورغم علامات الجنرال على كتفيه فقد بدا أقرب ما يكون إلى شيخ عشيرة عربية ؛ إذ لاحظت أنه لا يأبه كثيرا للبروتوكول ؛ ويحفظ بشكل غريب أسماء الصغار والكبار في المنطقة التي تقع إلى الجنوب من نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور . منطقة (أم القرى) الواقعة في سهل رملي محاط بأودية حيث مقر إقامة حميدتي؛ هكذا يقول الدكتور باشر مشاي الباحث في الشؤون الدارفورية وهو يستعيد شهادة صحفي بريطاني زار دارفور في العام 2018 والتقى حميدتي.

   

يضيف مشاي أن الحاضنة العشائرية في دارفور وتلك المنطقة التي تؤرخ كمسقط رأس للفريق أول محمد حمدان حميدتي والتي ليست له _لمشاي_ تفاصيل بشأن تاريخ محدد لمولده بما في ذلك المكان والتاريخ فيما تقول روايات أخرى أن حميدتي من فرع لقبيلة الرزيقات يمتد إلى شمال دارفور ضمن توزع القبيلة العربية الكبري التي اشتهرت بأن مركز ناظرها حيث آل مادبو في منطقة الضعين وهم البيت الذي اشتهر وذاع دون بقية أفخاذ القبيلة في شؤون الحكم والسلطان في ذاكرة الدارفوريين وعامة السودانيين.

 

يجلي الدكتور عبد العزيز نصر الدين الاستاذ الجامعي المهاجر والمنسوب لمدينة نيالا حيث عرف كناشط معارض قبل التحاقه بحركة تحرير السودان بمكتب هولندا أن محمد حمدان دقلو الذي مارس التجارة _تجارة الإبل _ بين السودان وتشاد ومناطق بغرب إفريقيا صعد بتدرج سريع إلى مسرح الأحداث في غرب السودان على مرحلتين الأولى بعد استيعابه ضمن قوات حرس الحدود مع تفجر قضية دارفور في العام 2003 ضمن قوات عشائرية إستعانت بها الحكومة السودانية بتوظيف أبناء القبائل العربية لمحاصرة تمدد حركات التمرد التي قامت على دعم وحواضن مناطق الفور والزغاوة الداعمة حسب التصنيف الحكومي وقتها لحركتي تحرير السودان والعدل والمساواة ؛ وقاد تلك القوات الشيخ موسي هلال ناظر المحاميد (فرع من الرزيقات) وتحت امرته حميدتي ومع تراجع نفوذ وقوة التمرد انتقل (هلال) كمستشار بديوان الحكم الاتحادي بالخرطوم في وظيفة ومنصب رسمي فيما توزعت قواته وصار وجودها رمزيا وهي الفترة التي تلاشى فيها نجم دقلو الذي اختفى قبل أن يعود في وظيفة ملحقة بولاية جنوب دارفور مع عدد قليل من انصاره.

         

مشهد جديد يتشكل 

بدايات العام 2013 والأعوام التي تليها لمع اسم محمد حمدان حميدتي كقائد ميداني ضمن قوة عسكرية صنعت واعدت بواسطة تجهيز أشرف عليه الفريق أول مهندس محمد عطا المولى عباس المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات الوطني بعد عودة ظهور حركات دارفور على مسرح واسع في شمال وجنوب دارفور وتمدد الحركات إلى عمليات عسكرية مشتركة وصلت إلى ولاية شمال وجنوب كردفان مما أدى لتكبد القوات الحكومية والجيش النظامي لخسائر فادحة نتج عنها وصول التمرد إلى مدن أبو كرشولا وأم روابة.

 

وهذه الحقيقة التي يقول الباحث باشر مشاي إنها تدحض التقارير المتداولة عن دور لوزير الدفاع السابق والنائب الأول الفريق عوض ابن عوف كمؤسس لتلك القوات حيث كان لقادة الجيش _يقول مشاي_ رفض صريح لوجود تلك القوات وهو الموقف الذب ساندهم فيه بعض السياسيين مثل القاضي أحمد محمد هارون حاكم ولاية شمال دارفور الذي هدد الخرطوم بالاستقالة حال اعترضت على قرار أصدره بطرد قوات الدعم السريع وهو الاسم الذي أطلقه جهاز الأمن على قوات حميدتي باختصار (قدس)، وتحت رفض الجيش تكفل جهاز الأمن والمخابرات الوطني بواسطة محمد عطا في التكفل بأعمال الاستيعاب والتجنيد والتدريب ومنح الرتب والأرقام العسكرية للقوات الجديدة التي منحت (حميدتي) رتبة العميد كقائد ميداني للعمليات فيما استعان جهاز الأمن والمخابرات بضابط جيش من خريجي الكلية الحربية وهو الفريق العباس الذي طلب انتداب عدد من الضباط من الجيش وهيئة العمليات بجهاز الأمن لالحاقهم كقائد كتائب وفصائل للقوة الجديدة لإسناد الضباط المختارين وفق نسق عشائري لبقية القوة.

 

صعود مستحق أم صعود بالقوة..

قفزات العميد ثم اللواء ثم الفريق ؛ في تدرج رتب إنتزعها بعد أن سحق بشكل لا يقبل الشك حركات التمرد الدارفورية ؛ في جنوب السكة الحديد بولاية جنوب دارفور ثم وادي البعاشيم مع معركة قوز دنقو الشهيرة التي أرخت لنهاية القوة الميدانية لحركة العدل والمساواة بعد أن تمت عملية مشتركة بين جهاز الأمن والدعم السريع قادت قوة للتمردة إلى مقتلة قصمت ظهر الحركة التي كانت تعتبر الذراع الأطول والتي وصلت حتى امدرمان في عملية نوعية قبل إحدى عشر عاما قفزات حميدتي التي استحقها بسجل حربي توزع حتى إلى مناطق جنوب كردفان حيث الجبال الحصينة التي أعاقت تقدم قوات الدعم السريع وتحقيقها منجزات وانتصارات تذكر لم تشفع له لدى جنرالات الجيش.

   

  
الجيش يرفض حميدتي

قاوم قيادات الجيش حتى في عهد رئيس الأركان الأسبق مصطفى عبيد أي ترتيبات لنقل تبعية القوات من جهاز الأمن إلى القوات البرية وهياكل القوات المسلحة السودانية ويقول الرائد متقاعد على الضو إن قيادة الجيش كانت لها تحفظات على نسق الاستيعاب والصلاحيات العملياتية لقوات حميدتي ؛ كما أنها كانت ترفض الإعتراف برتبته فضلا عن ميول لدى قيادة الجيش لصالح قوات حرس الحدود التي يتزعمها الشيخ موسى هلال والذي تضاعف التعاطف معه خاصة من الفريق ابنعوف عقب اعتقال هلال وجلبه بواسطة قوات الدعم السريع من بادية (مستريحة) إلى الخرطوم في عملية الاعتقال التي قتل فيها العميد عبد الرحيم دقلو ابن عم حميدتي وساعده الايمن .

   

تبعية رئاسية.. وطه عثمان على الخط

حينها ومع إستشعار الرئيس البشير بتعنت قادة الجيش توصل إلى حل وسط قضى بتبعية الدعم السريع لرئاسة الجمهورية حيث صارت تدار إداريا من حيث التمويل والتكاليف العسكرية بواسطة الفريق طه عثمان الذي وظف القوات التي توسعت من حيث الأعداد والمعسكرات والمهام لتكون هي القوة الأوفر في تفويج القوات السودانية البرية المشاركة في عاصفة الحزم ويضيف الضو أن ملف القوات السودانية باليمن لم يكن يدار عسكريا من قيادة الجيش التي كانت تكتفي بتسمية ضباط الارتباط فيما كان الملف برمته عسكريا وسياسيا يدار بواسطة الفريق طه عثمان الذي اختار الفريق عبد الفتاح البرهان ليكون منسق العملية ضمن مثلث يشمل طه نفسه وحميدتي وهو ما وفر للأخير مقدرات اقتصادية كبيرة توزعت بين شركات بالخارج ومشروعات تنقيب عن الذهب بمنطقة جبل عامر بشمال دارفور مع السماح تحت إشرافه لضباط ارتباط سعودييين يقيمون بمدينة نيالا حيث يتم إغلاق المطار بشكل راتب لتفويج القوات مباشرة من جنوب دارفور إلى السعودية واليمن ويؤكد الضو إن الضباط السعوديون يقيمون حتى الآن بشكل دائم في فندق الضمان بوسط نيالا.



حول هذه القصة

السودان وبما يملكه من موارد ضخمة، وفي حال نجاح الثورة في تثبيت حكم ديمقراطي قائم على احترام القانون والشفافية والمحاسبة فإنه يمكنه الخروج من الحفرة التي أوقعه فيها النظام السابق.

عندما استولت الجماهير على الميادين راحت الشعبوية تحتوي تلك الفئة المقابلة للمرايا المتشظية مانحة إياها إرادة مسؤولة، تحاول التكوينات الحديثة إسقاط أدواتها لإرهاق الذوات المقهورة وصرفها عن مطالبها الاقتصادية والسياسية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة