الثورة السودانية في مواجهة التدخل الإقليمي

blogs السودان

في طبعنا ومزاج شعبنا أن نقاوم الغطرسة والتسلط بالإحتقار والصمت ثم إذا فاض الكيل وعيل الصبر نهب فجأة كما يفيض نهر النيل وتهب الاعاصير في صحراء العتمور، فعلنا ذلك مع الأتراك ومع الإنجليز ومع الحكام الوطنيين، بهذه الجمل وصف الأديب السوداني الطيب صالح سلوك الشعب السوداني في تعاطيه مع الحكومات المتعاقبة لإدارة السودان.

 

واقع الدولة السودانية وطبيعة شعبه الثائر لا تتوافق ولا تتفق مع أي شكل من أشكال التدخل في شأنها، إن أكثر ما يسيء للثورة السودانية وشبابها هي رؤيتهم التدخل الخارجي من دول تعيش في غياهب الاستبداد وغياب القانون والعدالة والديمقراطية في بلادها تريد أن تملي عليهم وصفاتهم البالية التي وأدت ثورات الربيع العربي فحولت ثوراتها من نعم إلى نقم، ويردد ثوار السودان أن واقعهم اليوم لا يقبل أي شكل من أشكال التدخل الإقليمي فهم يستلهمون حلولهم من خبراتهم الطويلة في الحكم والإدارة التي تعود الى آلاف السنين والذي يعتبر الاقدم في التأريخ البشري.

 

هناك نقاط جوهرية على القوى الإقليمية أن تعيها وهي أن السودان لا يمكن أن يتبع أي محور من المحاور بعد اليوم ومن يتبنى هذا الاتجاه، أي من القوى الداخلية فسيسقط حتما

إن التدخل السافر لدول محور الشر في الشأن السوداني وجهودها الحثيثة لتثبيت العسكر في الحكم أوجد حالة جديدة من التحدي لشباب الثورة فرفضت أي شكل من أشكال التدخل أو المساندة أو المعاونة، تعبيراً لهذا الرفض نفذ شباب الثورة وقفة احتجاجية أمام سفارات تلك الدول كما قام شباب الثورة بطرد عربة مساعدات إماراتية قدمت لساحة الاعتصام لتقديم مساعدات إنسانية فكان ردهم ان هذه الثورة هي ثورة سودانية خالصة ولا نقبل مساعدة من أحد.

 

انطلقت الثورة السودانية منذ منتصف ديسمبر ضد نظام المستبد المخلوع عمر البشير وقوبلت بتجاهل تام من قبل أجهزة الإعلام الإقليمية والدولية لسبب أن هذه الثورة تعارض مصالحها في السودان، يتساءل شباب السودان أين كانت هذه الدول عندما كانت آلة الموت تحصد الارواح في شوارع عطبرة والقضارف والخرطوم، أين كانوا والموت لا يختطف الاطفال والنساء والشويخ دون تمييز. حظي البشير طوال حكمه بدعم إقليمي وكان سبباً رئيساً للبقاء في السلطة كل هذه المدة التي حكم فيها البلد بقوة الحديد والنار وقد ارتكب جرائم حرب ضد الإنسانية في ذات الوقت الذي كان يلقى رواجاً وتلميعا من هذه الدول.

 

سقوط البشير مثل تحدياً لمصالح دول الإقليم والتي يعتبرها كثير من الثوار بأنها شريك للنظام البائد في سرقة ثروات الشعب السوداني عن طريق حصولها على تسهيلات واتفاقيات استثمارية غير قانونية ولا تعود بالنفع للشعب السوداني، وقد سارعت هذه الدول للاعتراف بالمجلس العسكري وقدمت لها يد المساعدة مع ايفاد خبراء الثورة المضادة لتقديم وصفاتها للعسكر في محاولة يائسة منها لكسر إرادة شباب السودان، كما قامت هذه الدول أيضاً بتقديم غطاء دبلوماسي لإطالة عمر العسكر فاستفادت من رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي في هذه الدورة ومددت لها لشهرين.

 

يعلم الثوار أن أحد أسباب ضعف الموقف السوداني سابقاً هي إتباعها سياسة المحاور والتي يرفضها الثوار جملة وتفصيلا والموقف المصري من الثورة غير مستغرب إذ أنها ظلت على الدوام تنتهج سياسات ضد المصالح الوطنية للسودان كما قامت بالتضييق على الناشطين السودانيين في القاهرة وقامت سابقاً بتسليم الناشط "محمد البوشي" إلى المخابرات السودانية بعد اختطافه من مكان إقامته في القاهرة وهو نفس الفعل الذي فعلته السعودية مع الناشط هشام علي الشهير بود قلبا.

 

هناك نقاط جوهرية على القوى الإقليمية أن تعيها وهي أن السودان لا يمكن أن يتبع أي محور من المحاور بعد اليوم ومن يتبنى هذا الاتجاه، أي من القوى الداخلية فسيسقط حتما كما يعمل شباب السودان على تبني سياسة خارجية تعيد التوازن في المنطقة. هناك من لا يزال يراهن على الحل الأمني ونذكره أن هؤلاء الثوار هزموا أحد عشر جهازا عسكريا وامنيا للبشير وباتوا في هذه الايام يرددون كثيرا أن بإمكانهم العودة للبمبان والسجون والرصاص في أزقة بري وحواري امدرمان وشوارع الكلاكلات ولكن حتما لن يعودوا لمنازلهم مهزومين أو مقهورين.