ألا أدلك على ما يرفعك إلى أقصى درجات الفضل والمجد؟

blogs تأمل

إن الإنسان بطبعه تواق ليكون له الفضل على ذاته التي تطمح لتكون في أحسن حال وعلى غيره الذي يعيش في عالمه، كما أنه يطمع بأن يسير بأفعاله في ربوع المجد، فيا من تريد أن يكون لك فضل كبير سواء على نفسك أو على غيرك، ويا من تبتغي بلوغ قمم المجد والتربع عليها، هيا معي لأدلك على ما يمكِّنك من ذلك حقيقة عملية لا افتراضا متوهما. هيا بنا نتحدث عن ما يرفعك إلى أقصى درجات الفضل والمجد ألا وهو الإخلاص، والذي له دلالة خاصة ومقصد مغاير في هذا الموضوع عن المتعارف عليه مصطلحيا في المدلول الشرعي والتصور الديني لهذا المفهوم في جميع مقتضياته التي يشملها، فالمراد بالإخلاص في معرض هذا الحديث يضم كل ما يقتضي بأن يكون الباعث لفعل المرء هو إرادة نفسه الطموحة، تجنبا لجميع ما يلطخ نقاء فعله ويشوبه بالشوائب اللاأخلاقية؛ كأن يكون صادرا منه بغرض تزيين صورة شخصه في قلوب الخلق لنيل مدحهم وتعظيمهم أو طلبا لرضاهم أو أموالهم أو خدمتِهم، وكذا الهروب من ذمهم أو سخطهم أو غير ذلك من العلل التي تمنع المرء من أخذ الفضل المستحق من فعله وحرمان نفسه من آثاره الطيبة في هذه الحياة الدنيا.

 

والإخلاص خصلة نبيلة لها أثر عظيم في تربية النفوس على فضائل الأفعال بمراعاة المقاصد الشريفة في كل ما يقوم به المرء، وهذا بالذات ما يجعل عزمه متينا، وبالتالي تجده يربط على قلبه ويمضي فيما يفعله بلا هوادة كيفما كانت وعورة ذلك ومشقته، فتنهال عليه أفضال ما صنع دون انقطاع ما دام الإخلاص حليفا دائما له بل ويبلغ بالإخلاص أيضا مجدا رفيعا. ولتعلم أن جدك واجتهادك بدون إخلاص غير كافيين لتتحصل على أعلى درجات الفضل، ولن يمكناك وحدهما من الوصول إلى المجد في ظل وجود ما يضاد الإخلاص وينافيه في فعلك، كالرياء والسمعة والعجب ونحو ذلك، فعلى قدر إخلاصك يعظم جزاؤك ويجزل ثوابك.

 

ماذا يعني الإخلاص في الفعل؟
الإخلاص له قيمة لا تدركها سوى النفوس العظيمة، فالمخلص يمد فعله بقوة تمكنه من أن يقوم به بحزم، بل ويخلق لديه حماس كبير من أجل الوصول لأفضل أداء

إن الإخلاص في الفعل نابع من سلامة النوايا وصلاحها لما لها من تمفصلات علائقية مع أنماط السلوك البشري المختلفة، ومفهوم الإخلاص له ارتباط وثيق بكل من الإتقان والصدق، بمعنى أن من يتوفر في فعله على الإخلاص، فإنه يمتلك ضمنيا قيمتي الصدق والإتقان اللتين توجهان سلوكياته في جميع مناحي حياته، والذي يُخلص في فعله احتمالية وصوله إلى أهدافه المنشودة أكبر من غيره لاستقامته في ما يقوم به، بالإضافة إلى أن الإخلاص يجعل الفعل مرتبط بصحوة الضمير الذي يطهره من المراءاة والتملق وكل أشكال اللف والدوران والخداع، مما يعني الخلو من مظاهر الانحراف القيمي في الفعل الصادر من ذات تمتاز بالإخلاص وتعتمده منهجا قويما في نشاطاتها التنظيرية والتطبيقية على حد سواء.

 

ولا تُدرك الأهمية الحقيقية لإخلاصك في بناء ذات سوية ونيل مبتغياتها السامية بالقول فحسب من دون أن تضعه معيارا عمليا أخلاقيا لسلوكك ومرتكزا في تفعيل الرقابة الذاتية، بمعنى أن الإخلاص يأخذ على عاتقه رفع يقظة ضميرك إلى أعلى المستويات، وهو الذي سيدعم استقامتك التي ستقودك بدورها إلى اتقان منجزك سواء أكان عمليا أو حتى نظريا، وسيأخذ به من حال إلى حال أكثر رقيا وسموا في مراتب الإنسانية الحقة التي تؤدي به إلى اعتلاء عروش المجد. ولا يكفي في الأفعال صلاحها الشكلي الظاهر الذي يراد به متاع مؤقت، فجوهرها هو الذي يدفعها ليكون لها فضل عظيم ومقام عال، ومن هنا يمكن القول بأن الفعل الذي لا محل له من الإخلاص ما هو إلا مجرد استعراض فارغ لا يقود لما هو فاضل، لهذا يبقى الإخلاص هو السر في الوصول بالفعل لأقصى درجات الفضل وهو المؤدي أيضا إلى معانقة المجد، فكم من فعل صغير يعظم فضله لمجرد اقترانه بالإخلاص، وكم من فعل كبير يصغر بانعدام الإخلاص فيه.

 

إياك أن تكون ممن يستعرض قدراته على الناس فيما يفعله، فمهما ادعيت أن لك الفضل عليهم ستكون في نظرهم من الذين يحق النفور منهم، في حين إذا كنت من المخلصين في أفعالهم فتأكد أنه سيكون لك الفضل الكبير على غيرك بشكل غير مباشر من دون ما أن تجعله الغاية المرجوة مما تصنعه، كما أن جودة الفعل لا تأتي عبثا بل إنها نتاج الإخلاص الذي تكون فيه النية المستبطنة في القلب حسنة، والجهد المبذول صادقا، والاختيار المتبع حكيما، لهذا ليس بمقدور الجميع جعل الإخلاص قواما لما يصدر منهم  من فعل، لأن ذلك يتطلب جهادا نفسيا كبيرا ويستدعي كفاحا شريفا وجبارا. والإخلاص له قيمة لا تدركها سوى النفوس العظيمة، فالمخلص يمد فعله بقوة تمكنه من أن يقوم به بحزم، بل ويخلق لديه حماس كبير من أجل الوصول لأفضل أداء، ويتطلب ذلك النزوع نحو التضحية ونكران الذات في سبيل إكمال فعله وإخراجه على أفضل وجه، فالإخلاص يقوم على الإتقان وهو الذي يسمو بسلطان الفعل ليصير مبدأ راسخا يصدر عنه الفضل في أقصى درجاته، وصاحب ذلك الفعل يجد حلاوة في ممارسته له مما يسهل عليه أن يكون أساس فعله العطاء لا الأخذ.

 

إن إخلاصك يجعلك إنسانا حليفا للقيم الإنسانية الموجهة للسلوك البشري نحو الصواب الأخلاقي؛ فتكون بذلك ممن لا يقدم على فعل إلا وهو مستمسك بعروته الوثقى التي يمثلها الإخلاص، لتتمكن من الرفع من شأن أفعالك حتى تتفاضل وتلامس المجد، فصغائر الأفعال به تصير كبيرة، وقليلها تصبح كثيرة بفضله، وهذا ما يؤكد كون الإخلاص من بين أهم ما يحمل الإنسان على مواصلة ما يقوم به من أفعال متميزة؛ فمن يفعل شيئا ما رياءً، أو طلبا لمنفعة عابرة لا بد أن تمر عليه أوقات يتثبط فيها ويتقاعس عن الفعل خصوصا الذي يقوم بذلك ابتغاء الاستمتاع والتلذذ الزائل فقط، ومن هنا يتبين أن الأفعال التي تخلو من الإخلاص لا تقود إلى المجد أبدا. يلزمك أن تكون دائما في موضع التثبت والاحتراس، وتعلم بأن من يفعل صنيعا ما لا يكفيه ادعاء الإخلاص ليُعتبر فعله راقيا بفضله وممجدا بنبله وعظمة آثاره، فالإخلاص من أعمال القلب الباطنة والمحجوبة عن الأبصار، ولا يمكن لك وصف فعل أي أحد من البشر بالإخلاص أو عدمه؛ فإنما ترجع في وصفك إلى أمارات تبدو لك من أحواله الظاهرة التي قد تكون خداعة، وهذا لا يخرج عن كونه مجرد ظن لا أكثر، فسرائر الناس لا يعلم بها غير الله وهي التي يمكن اعتبارها دلالة قاطعة عن مدى إخلاص المرء من عدمه.

 

وما ينبغي أن تعلمه في الأخير أنه ليس شرطا أن يرفعك إخلاصك في فعلك إلى أقصى درجات الفضل والمجد في حياتك، فقد لا يحصل ذلك أبدا ويتأجل لما بعد رحيلك، فيمتد نفع ما صنعت ويخلد فعلك، وبشكل عام الإخلاص في أي نشاط بشري يؤسس أرضا خصبة لنمو حتمي سيعود ولو لاحقا بفضل وافر على الذات وعلى الآخرين، بل إنه أيضا مما يزيد من الدور الإيجابي للفعل الأدمي في بناء الفرد السوي والمجتمع الإنساني المزدهر قيميا، كما أنه يبقى الأساس الذي لا محيد عنه في بناء تقدم الأمم وتطورها، وأستحضر هنا قولا ترسخ في ذهني وهو للشيرازي رحمه الله والذي أورده في مؤلفه (الإخلاص سر التقدم): "الإخلاص ليس طريقا إلى ثواب الآخرة فحسب، بل هو طريق إلى تقدم الإنسانية، وهو سر كل تطور يشهده البشر".