"يتنحاو قاع".. ما بين المشّائين ألوان تتداعى!

تشكو الحركات الشّعبية من قدر لا بأس به من الهجمات والدعوات المثيرة للجدل، كما أنّها تواجه الكثير من التحديات الأمنية والاجتماعية والثورية، التي هي بمثابة امتحان لمقدرة تلك الحركات على حماية مطالبها من الانزلاقات الشعبوية، تبحث "السّترات الصّفراء" و"حراك الجزائر" عن اعتراف للمطالب والشعارات المرفوعة من طرفهما، إلا أنّ الاعتراف المتجاوز للثوابت الوطنية يمكن أن يحيد بأيّ حراك نحو مخاطر أمنية وتجاذبات دولية مزعزعة لاستقرار مؤسسات الدّولة، إنّ استمرارية الحراك الفرنسي والجزائري -اللذان يفرّقهما عراقة العمل الديمقراطي وتأسيس قيم الجمهوريات المتعاقبة والإرث الكلونيالي- يحيلنا لإعادة جدولة المطالب المشروعة في ظل تنامي اليمين المتطرف وعودة النزعة البربرية.

 

تتقارب "السّترات الصّفراء" مع "الحراك الجزائري" كونهما ناجم عن بنية شعبية تتهددها مضاربات المؤسسات الرأسمالية وخطر تحفيزات الثقافة السّلبية وإفرازات الإستعمار القديم، فهما وإن تباعدا جغرافيا إلا أنّهما امتداد طبيعي للألوان التي ترفض أشكال الفساد والاستبداد، فالنّماذج المتاحة اليوم تثبت مقدرة طغمة التّحويلات الاحتكارية وفوبيا الآخر على دفع أيّ حراك نحو الأدلجة وصالونات المناطق المحررة، نسّلط الضوء في هذا المقال على نقطة جوهرية للحراك الجزائري -في وقت تجتهد السّلطات الفرنسية لكبح/إنهاء حراك السّترات الصفراء- ألا وهي؛ مقدرة الحراك الجزائري/تتنحاو ڨاع على استيعاب الرهانات الإيديولوجية والخطابات الشعبوية الرافضة لأيّ حوار وطني.

 

هل يعي المشاؤون بمأزرهم المختلفة أنّهم ضمن حلقة تاريخية تدور رحاها على مخزون ثوري وثروة هائلة؟ هل أدرك النّخبويون أنّهم تجاوزوا سنوات العشرية السّوداء بتليين خطابات الإقصاء وتخوين الآخر؟

الجدير بالذكر أنّ الجماهير التي تجوب شوارع الجزائر بحثا عن سلطة تستمع لمطالبها، أصبحت تقوم بأشياء تسعى من خلالها لإثبات صورة حضارية للحراك، كدعوات تنظيف الأزقة من النّفايات التي ما كانت لتلقى رواجا لولا هذا الالتحام الجماعي وتصدير ثقافة الصّور، التي ابتدعتها جينات التيه، إنّ مثل هذه التصرفات تضفي الطابع الحضاري على الذوات المنتفضة، وتبعد عنها التشوّهات التي تصاحب الجماعات الشعبوية، وفي ظل هذا التراكم المهيب للمجتمعات الملوّنة كان لزاما أن تطفو على السّطح بعض الوجوه والألوان ذات النّزعة المتطرفة المهددة للحمة الوطنية.

 

أثارت الانتقادات الموجهة للرايات الغير الدستورية مخاوف الطبقة العالمة لمدى هشاشة التمثيل السياسي ودور النّخبة المنغمسة وسط الحراك، في أحقية التمثيل الشعبي ولغة الحريات المنجرفة في سيل الشعبوية، بدت عملية تنظيف النّفايات كسابقة حضارية رافقتها سالفيهات الأشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما أنّ الفضاءات العامة فاحت بها العنصرية جراء الانتكاسة الهوياتية التي ترفضها النّظم الإنسانية، والتي تجد (العنصرية) في مثل هذه الانتفاضات فراغات ضيقة لممارسة نشاطاتها الاستفزازية والجهوية، فبدل الالتفاف على مطلب لرسم معالم مواطنة راشدة تقوم فيها الإنسانية بتأسيس منظومة قيم وقوانين تحفظ شرعتها وحقوق أفرادها، ترتفع أصوات تسعى لاجتثاث الإرث الحضاري الإسلامي والتنوع القومي وإسقاط مؤسسات الدولة وتخريب الحراك، وذلك بعزل تلك المكونات الرئيسية عن تطلعات الجمهورية تجاه العالم ورهانات القوى المتصارعة؛ لقد استفاق الشعب على عرض تجاوز جمع القمامات الوظيفية، لمشهد تتنصل فيه وجوه السّلطة من تركة الإخفاق التاريخي الكبير، فما نرصده اليوم من نزول الأخ الأكبر للشارع يمثل تحديا للعقيدة الثورية التي تتصادم مع رغبة (تتنحاو ڨاع) بالتغيير، أو تسابقا لاختزال خصوصية الحراك وقاعدته الشعبية على مقاسات معيارية سلبية، وهو أمر يثير تساؤلات لم لم يفرز الحراك بعد قادة يتوافق عليهم الجميع؟ وهل هناك محاولات لتحريف رغبة الحراك ومطالبه الرئيسية؟

 

حقيقة علينا ذكر أولئك الذين يزاحمون الشبّاب بالميادين، الفريقان اللذان كان لابد من بسط الأقلام لجرد سجلهم الثوري وموقعهم التاريخي، والذين ظلا لسنوات طويلة يرضعان ثدي السّلطة التي ثارا عليها اليوم، (المثقفون/المعارضة) قيد التنفيذ والمأزر الملطخة بخيانة الوظيفة؛ فإن أمكننا الاعتراف بأنّ الحراك اليوم به قوى تتاجر بتوجهاته وطموحاته، فإنّه يكون من السّهل تلخيص شروط قيادة له، كما أنّ أقصى اليسار يرفض التنحي هو الاخر جانبا كي يفسح المجال للمبادرات الوطنية، وعلى الشارع أن يسارع إن كان يبحث له ولوطنه عن مخرج، نحو تطلعات أكثر عقلانية وواقعية تجد لها قواعد قانونية يمكن الارتكاز عليها اجتماعيا وسياسيا، وإذا كان أكثر من في الحراك يبحثون عن مستقبل اقتصادي لعمالة ناجحة، واستقرار اجتماعي بهوية وطنية، فإنّ عليه الاعتماد على الموروث المؤسساتي وإن طالتها يد الطغمة الفاسدة وبارونات 51 بالمئة، مما أضعف تمثيلاتها النّقابية وجمعياتها المدنية، وإذا كنا نشاهد رايات متعددة الألوان طليقة وحرّة بسماء مجتمع الحراك، فنحن أمام معضلة هوياتية مازالت تمتثل للمواقف التاريخية التي تجهلها جينات التيه، فلا عجب أن يقف المعارضون عارضين!

 

هل يعي المشاؤون بمأزرهم المختلفة أنّهم ضمن حلقة تاريخية تدور رحاها على مخزون ثوري وثروة هائلة؟ هل أدرك النّخبويون أنّهم تجاوزوا سنوات العشرية السّوداء بتليين خطابات الإقصاء وتخوين الآخر؟ هل خدعونا وهم يسيرون بنا كل هذه السّنوات نحو فشل وطني سببه جراح زينت بأنواع من التسهيلات المالية والأصول المستباحة؟ إنّ لعبة الأقطاب المتصارعة بين المد الثوري والأطماع الخارجية، وبين المخلّفين ساكني النّزعة الطروادية والجماعات الفئوية، تجد ملاذات شاغرة بهذه الفترة الحرجة للجمهورية الجزائرية؛ هل يمكن لشرنقة الثورة التي لم تكبر بعد، أن تخرج أولا من مسكنها نحو فضاء يسع الجميع؟ وهل بإمكان النّخب الثقافية وعرابي حركة الأموال والإرادة السياسية أن يستقروا على معين مواطنة من دون أن يتبضعوا بالشعبوية؟

 

وحدهم البروليتاريون ذوو السّجل الحافل بالنّضال من يمكنهم التنصل من العرف الإجتماعي والتكيّف مع تقلبات السّلطة، ما يلاحظ في الحراك الجزائري مقارنة بالسترات الصفراء، أوجه التمثيل الثلاثية ودعوات التنحي ومقدار العنف، كما أنّهما يلتقيان في عدم اصطفافهما وراء أيّ من القيادات النّخبوية/السياسية، فالمشاركة على نطاق واسع في الحراك بتنوع أصواته ومستوياته، والعمل على إظهاره كنقلة حضارية تتجاوز الواقع الحقيقي هي بمثابة بوصلة عمياء تفاؤلية في أقصى التفكير، كما أنها توصيف غير ناضج يزول بمجرد عودة المشّائين إلى مجتمعهم الإداري الروتيني، إنّ فكرة التمثيل التي يتخوف منها المتظاهرون على حراكهم، سعت لها السّلطات الفرنسية لتغيير نمط المطالب الشعبية للسترات الصّفراء، إلى سياسية تدعوا باستقالة/إسقاط الرئيس ماكرون بدعاوات يمينية شعبوية، تتصادم مع أعرق المؤسسات الديمقراطية الغربية.

 

لكل أمة دمغات تفتقر للحسّ الوطني تغذيها ضبابية أقطاب الحراك المحتكمة للشارع، في مشهد إعلامي يجري فيه توظيف أجساد الضحايا وتطلعات الذوات المقهورة لهواجس شعبوية

من أجل ذلك، علينا أن ندرك أنّ أمامنا مسؤولية وطنية، حول التحديات التي تحيط بالحراك الشعبي الجزائري كونه فسحة تتيح للمتظاهرين التعبير عن أرائهم والاقتراب من الاخر، لقد أعادت أحداث النّهب بفرنسا صورة العالم المختبيء خلف ألوان غربية بدأت تتداعى هي الأخرى إزاء دمقرطة العنصرية وتصوير المهاجرين على أنّهم غزاة، حيث تراجعت مكافحة المؤسسات الغربية لظاهرة تنامي البدائية اليمينية المهددة للاستقرار العالمي، إنّ من مسؤولياتنا كأفراد داخل مجتمعات تتنوع فيها الهويات والثقافات الاهتمام أكثر بتفعيل الهوية القانونية وإعادة تأهيلها ضمن رؤية وطنية تتشكل باعتدال بتصفية "الذات لا جلدها" وتطعيم "المصالح المشتركة" وغلق "المعسكرات الإيديولوجية".

 

بمقدورنا إيجاد مناطق صناعية لمشاريع تتلائم والنّزعة الإنسانية، بعيدا عن امدادات الإرث الاختزالي، والقواعد الدوغمائية التي ساهمت في خنق الانفتاح الثقافي والسياسي، إنّ مقتل 51 مواطنا نيوزيلانديا تحت مرأى من العالم الحر، واستخدام "الإرهابي" وسيلة تواصل حضارية لنقل جريمة إبادة جماعية، لهو بدائية زادت من الارتباط باللحمة الوطنية النيوزيلاندية، مع ما يشهده الغرب من تنامي الإسلاموفوبيا ومعاداة المهاجرين وتأتيرها على الحركات المناهضة للعولمة، ما نشهده اليوم من أحداث دامية هو نتيجة للمستوطنات الثقافية لليمين المتطرف، وفشل الثقافة الغربية في بلورة رؤية تحد من سيطرة النّظم الكليانية وخطابات الكراهية.

 

إنّ جريمة قتل المسلمين تثير عدوى الإصابة بالشّر لمجرد تبني سياسيين مثل (ماري لوبان) واليمين الأسترالي وتبريرهم لها، مقابل تفشي ظاهرة التناحر داخل مجتمعات الحراك العربي، هناك عنف حقيقي مبعثه شعبوية مانوية تضعف العمل الوطني، كما أنّ حالات الاخفاق الحضاري أوجدت لها ملاذات داخل مؤسسات أوروبية يسيطر عليها الفاشيون الرأسماليون باصطناعهم حالة طوارئ عالمية تثير القلائق بين الاثنيات والمعتقدات، للحفاظ على هوية تنساب من بين قيم الديمقراطية والحرية، لكل أمة دمغات تفتقر للحسّ الوطني تغذيها ضبابية أقطاب الحراك المحتكمة للشارع، في مشهد إعلامي يجري فيه توظيف أجساد الضحايا وتطلعات الذوات المقهورة لهواجس شعبوية/أمنية لتشويه الحراك السّلمي.

 

ما تقوم به "مجتمعات الحراك" من تنظيف للشوارع، ورفع رايات تتداعى العقلانية لها، واستمرارية المشّائين متعددي المآزر في مسيراتهم اليومية، وظهور سلوكيات مرافقة للثقافة الشبابية وتحميلها الخطاب الإقصائي، يزيد من تعقيدات المرحلة التي تبحث "الجزائر" فيها عن مخرج يضمن للشعب استقرارا سياسيا ما بعد الاستقالة، وبالعودة إلى جوهر الحراك ومجتمعه الذي عليه واجب الاعتراف أنّ عمليات التنظيف تبدأ أولا من ذواتنا، وأنّ السّالفيهات تجمع الإعجاب لا الانتقادات، وأنّ عملية الرّحيل الكلي/يتنحاو ڨاع تحتاج إلى مؤونة وطنية ودستورية/قانونية لضمان رحلة آمنة للأمة الجزائرية نحو جمهورية جديدة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة