شعار قسم مدونات

الأنثى بين قيم الإنسية وقيم الفردانية

BLOGS مرأة

انطلقت حركات التحرر القديمة بشكل عام، حسب المسيري، من خلفية إنسية أو مركزية الإنسان (Humanism)، ويمكن أن نجد في تراثنا الإسلامي، كنموذج على هذه الحركات، "الحركة الشعوبية" التي كانت تدعو إلى المساواة بين العرب وغير العرب في ظل الدولة العباسية، والتراث الإنساني زاخر بهكذا حركات مساواتية بين الإنسان والإنسان بما هو إنسان لا بما هو ذكر أو أنثى.

 

هذه الحركات كانت تطالب "بالمساواة بين البشر داخل هذا الإطار حيث يقف الإنسان على قمة الهرم الكوني، كائنا حرا مبدعا فريدا" ؛ أما حركات التحرر الحديثة، فتنزع إلى تأكيد فكرة الصراع، واللامركزية الإنسانية، حيث يصبح "كل شيء إن هو إلا تعبير عن موازين القوى وثمرة الصراع المستمر، والإنسان هو مجرد كائن طبيعي يمكن رده إلى الطبيعة-المادة ويمكن تسويته بالكائنات الطبيعية"، وبذلك يخرج من إطار النزعة المساواتية في إطار الإنسانية إلى فكرة الصراع البيني.

 

من المساواة إلى التمركز.. مسار قضية

تترجم لفظة Feminism إلى العربية بعبارات مختلفة، مثل "النسوية" و"النسوانية" و"الأنثوية"، وهي ترجمات"حرفية لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تفصح عن أي مفهوم كامن وراء المصطلح"، فهذه الترجمات لا تبين لا الخلفية الكلية ولا المسبقات الابستمولوجية ولا غيرها، فأن نقول مثلا، الوضعانية Positivism تتبادر إلى أذهاننا أفكار عن الخلفية الفلسفية والمنطقية والمسبقات الابستمولوجية لهذه الفلسفة؛ وعلى نقيض مصطلح "النسوية" ،باعتباره أحد الاقتراحات الترجمية، فهو لا يقول شيئا، لهذا يقترح عبد الوهاب المسيري تفهما أوسع للمضمون حتى يتسنى ترجمة اللفظ بما يحمل معنى.

 

أصبح التاريخ الإنساني عند الحركة النسوية تاريخ صراع بين الرجل والمرأة، أو لنقل تاريخ "هيمنة الذكر على الأنثى ومحاولتها التحرر من هذه الهيمنة

تنطلق محاولة المسيري لتبيان هذه الخلفية المركبة. من اعتقاد البعض، حسب المسيري، من أن مصطلح Feminism لا يختلف عن القديم الذي كان Women’s Liberation Movement“" (حركة تحرير النساء)، وأن "الفيمينيزم" لا تشكل إلا لفظا يعبر عن راديكالية أكثر في الدفاع عن حقوق المرأة وحسب؛ لكن الأمر ليس كذلك، فالمصطلح الثاني "حركة تحرير النساء" ينتمي -وفق التقسيم النظري الذي وضعه المسيري وأشرنا إليه أعلاه- إلى أنواع الحركات القديمة أي التي تقول بمركزية الإنسان، وتتحرك داخل الموروث الإنساني المشترك، وتُعمل مفاهيمها مثل مفهوم الأسرة، الأمومة… وغيرها من المفاهيم، وهذه الحركات اعتبرت الإنسانية المرجعية الأساس لحركات التحرر إلى حدود منتصف ستينيات القرن الماضي حسب المسيري، والحركة النسائية جزء منها، لذلك كانت المرأة " في تصور هذه الحركة، كائن اجتماعي يضطلع بوظيفة اجتماعية ودور اجتماعي، ولذا فهي حركة تهدف إلى تحقيق قدر من العدالة الحقيقية داخل المجتمع… بحيث تنال المرأة ما يطمح إليه أي إنسان (رجلا كان أم امرأة) من تحقيق لذاته إلى الحصول على مكافأة عادلة (مادية أو معنوية) لما يقدم من عمل..".

 

على النقيض من ذلك، تقف "الفيمينيزم Feminism"، على الطرف الآخر، الحركة وليدة التحول الذي طرأ على الحضارة الغربية، منتصف القرن الماضي، عبر تحولها بشكل كلي إلى المرجعية المادية، وإلى مفاهيم الكم عوض الكيف، والثمن محل القيمة، والبراني أو الطبيعي عوض الداخلي أو الإنساني، عالم تحول فيه الإنسان والأشياء شيئا واحدا. لتكون بذلك جزءا من حركات التحرر الحديثة.

 

أمام هذا التمييز، يقترح المسيري، ترجمة مصطلح Feminism"  بـ "حركة التمركز حول الأنثى"، وليس المقصود من هذا أن جميع من ينتمي فكريا إلى هذه الحركة، على قلب شخص واحد، بل بينهما اختلافات جمة، وما يجمع بينها هو كونها لا تذهب إلى المناداة بالعدالة الإنسانية وحسب، بل تذهب أبعد من ذلك بكثير، لأن تصبح الأنثى مركز كل شيء، وبذلك تتحول من حركة تطالب بحقوق يمكن للرجل أيضا أن يساندها وأن ينضم إليها، إلى حركة تُحمل الرجل مسؤولية "التاريخ الذكوري الأبوي، رغم أنه ليس من صنعه"، ووصلت إلى أمور فيها تدمير للمشتركات الإنسانية، حيث يصبح التاريخ الإنساني عند هذه الحركة، تاريخ صراع بين الرجل والمرأة، أو لنقل تاريخ "هيمنة الذكر على الأنثى ومحاولتها التحرر من هذه الهيمنة".

  

امتدت يد هذه الحركة للذاكرة المشتركة التي هي اللغة، منطلقة من المسلمة الصراعية للتاريخ، فاللغة تجلي لهذه الهيمنة، وهكذا فاللغة مرآة تمثل الذكر، فسمعنا حسب المسيري، دعوات إلى إعادة بناء اللغات الذكورية وذلك بتأنيثها !، أو على الأقل إعادة بناءها بحيث تستعمل ألفاظا محايدة، وهي أمور في نظر المسيري " من لغو الحديث" لأنه لا أحد يفكر في المفاهيم تذكيرا ولا تأنيثا، فهل نفكر مثلا "في "المقاومة" باعتبارها أنثى وفي "الصمود" باعتباره ذكرا؟"، والأمثلة بهذا الصدد كثيرة.

 

أعتقد أن إنقاذنا من الجحيم الذي يلوح في الأفق يفرض علينا أن تنحاز المرأة ونحن معها إلى الحصول على حقوقها، داخل إطار الأسرة التي يشكل الرجل والمرأ

ومثل هذه الحركات التي اتخذت طابعا أيديولوجيا، تصل إلى تأنيث كل شيء، فنسمع عن كتاب بعنوان "أنثوية العلم" وغيرها من العناوين، وقد يصل بها الأمر إلى إنكار أبحاث علمية تبين مثلا "أن خصائص المرأة التشريحية ووظائفها البيولوجية له علاقة بتكوين شخصيتها وهويتها وطموحها"، ليس لشيء سوى أنه يعارض ما تذهب إليه، وقد شنت حملات كثيرة على أبحاث كهذه حسب المسيري، فأضحينا كمن يعيش في الاتحاد السوفياتي في الحقبة الستالينية التي كان فيها على العلماء أن يثبتوا أيدولوجية الدولة وأفكارها.

 

الحل: الأسرة كوحدة والإنسانية كإطار

يدعو المسيري إلى الوقوف على أرضية إنسانية مشتركة، وأن تكون اللبنة الأساسية هي الأسرة والتمركز يكون حولها، وليس على الأفراد، أي التركيز على الإنسان الاجتماعي –بما هو فرد في المجتمع- وليس انسان العقد الاجتماعي، أي الإنسان الطبيعي، المنفصل عن غيره، الموغل في الفردانية، والذي لا يجمعه بينه وبين غيره، سوى الخوف، فاضطر للتعاقد، للحفاظ على حياته من عدوه الإنسان، وحماية مصالحه. ويوضح المسيري أكثر فيقول: "أرجو ألا يُفهم من حديثي أنني أنكر وجود قضية المرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وأنه لا يوجد درجات متفاوتة من التمييز ضدها.. فأنا أعرف.. أن ثمة مشكلة، حادة وعميقة، تتطلب حلا جذريا.. كل ما أطالب به أن يتم تناول لقضية المرأة من خلال قضية الأسرة وفي إطار إنسانيتنا المشتركة، وأن تكون الأسرة (لا الفرد الباحث عن متعته الفردية ومصلحته الشخصية وحركيته الاستهلاكية) هو الوحدة التحليلية ونقطة الانطلاق"، وبهذا نخرج من النظرة التصارعية، إلى النظرة التكاملية، من الذكر والأنثى إلى الإنسان. ويتبين من خلال ما قلناه، أن عبد الوهاب المسيري من الذين يذهبون منحى "حركة تحرير المرأة"، ويرفضون حركة التمركز حول الأنثى.

 

ختاما.. قاومت إغراء إبداء الرأي، وأنا أصوغ المقال، محاولا عرض رأي المسيري كما هو. لأنني لو أعملت النقد بمنطق النسوية Feminism، لظهر ما كتبه المسيري ومن يشاطره الرأي، مثلي أنا، كصرخة أخيرة للذكر المهزوم، الذكر الذي يقوم بآخر محاولاته اليائسة والبائسة ليستعيد سلطته الذكورية، سلطة حسب معتنقات النسوية ذهبت إلى الأبد وبلا عودة. ورغم ذلك أختار في هذا السياق أن أتموقع إلى جانب المسيري في الأفق الإنسي (Humanism) لأنني شاهد من شهود هذا العالم على انهيار الجماعة وتغول الفردانية، بشكل أصبحت فيه مفاهيم قيمية مثل الرحمة والمودة وغيرها أمورا تنتمي إلى العهد القديم، في مقابل سيادة منطق الحساب والتعاقد حتى في أهم العلاقات الإنسانية متانة وهي علاقة الزواج، لذلك أعتقد أن إنقاذنا من الجحيم الذي يلوح في الأفق يفرض علينا أن تنحاز المرأة ونحن معها إلى الحصول على حقوقها، داخل إطار الأسرة التي يشكل الرجل والمرأة على حد سواء نواتها، دون الانصراف إلى الأوهام حول مركزية الأنثى التي تنشرها بعض الكاتبات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.