راديو الهواة.. الإذاعة المصرية الأهلية قبل التدخل الحكومي

"أوعى من وش اللاسلكي يا أفندي" كان يصرخ مرتادي المقاهي قديماً، وقد اجتمع أهل الحي ليسمعوا شيئاً مهماً كخبر حرب أو بيان حكومي أو سهرة حفل لكوكب الشرق. كان لللاسلكي "الراديو" قيمة المقتنى النادر في بداية ظهوره عندما كانت حيازته لا تتم إلا برخصة، حيث دعا وزير المواصلات المصري توفيق باشا دوس في 25 أكتوبر 1932 إلى تفعيل قانون 1926(1) الخاص بمنع حيازة أجهزة الإذاعة إلا بترخيص. لكن قبل هذا التاريخ كان تطور اللاسلكي قد مر بمراحل كثيرة منذ أول ظهوره في منتصف العشرينيات وقبل أن يوضع قانون منظم لهذا الاختراع الجديد أوائل الثلاثينات حينما بدأت الحكومة المصرية تنتبه لأثر الراديو في الثقافة والترفيه، ومن ثمَّ تطلعت إلى إنشاء محطة حكومية رسمية بمرسوم قانون ملكي في عام 1934.(2)

في هذه الفترة الوسيطة -بين ظهور الراديو للمرة الأولي وحتى قيام الإذاعة المصرية- قد لا يهتم فيها كثيرون بالتأريخ على اعتبار أنها خارج التاريخ الرسمي للإذاعة في مصر، مما قد يوحي بأنه لم يكن ثمة راديو قبل التدخل الحكومي وإنشاء الإذاعة المصرية الحكومية، لكن على العكس تماماً فتاريخ الراديو في مصر يبدأ مع أول جهاز دخل إلى الأجواء المصرية حين تلقى شخص يدعى أحمد صادق الجواهرجي في عام 1923 هدية له من صديق ألماني يدرس اللاسلكي، وكان ذلك بعد عام واحد فقط من انطلاق الإذاعة للعمل عام 1922 في بريطانيا والتي كانت مصر لا تزال ترزح تحت وطأة احتلالها.(3).

في ظل غياب الرقابة وعدم سهولة التعرف على أصحاب المحطات، فكان من الممكن تضليل المستمعين أو استخدام الإذاعة لأغراض غير قانونية بشكل غير مباشر

ففي عام 1926، صدر مرسوماً ملكياً بالسماح لهواة اللاسلكي في إنشاء محطات إذاعية أهلية في القاهرة والأسكندرية. وعلى إثر ذلك، بدأ الأثير في مصر تنبعث فيه لأول مرة إشارات محطات في القاهرة والأسكندرية لمستوطنين أوروبيين -أعلبهم من الإيطاليين واليونانيين- وقليل من المصريين، وكانت هذه المحطة تتحدث بأكثر من لسان لاعتبار اخنلاف لغة صاحب الإشارة والجمهور المستهدف من البث، فظهرت محطات تتحدث الإنجليزية والفرنسية والإيطالية الموجهة للأجانب، فيما كانت المحطات المتحدثة بالعربية موجهة لعموم المصريين ممن اقتنى هذا الاختراع العجيب.

كان جهاز اللاسلكي في بدايته لا يزال بسيطاً هندسياً، وإشارة البث لم تكن قوية بحيث قد لا يلتقطها صديق يسكن في حيٍّ مجاور، إلا أن التجار الذين استقدموا هذا الجهاز بغرض بيعه والتربح من وراءه كان لهم أثر كبير في ترويجه. ومع تكون المحطات الأهلية بموجات مختلفة، اتخذت المحطات الأهلية في القاهرة أسماء مختلفة مثل: راديو الأميرة فوزية، وراديو صايغ، وراديو فؤاد، وراديو مصر الملكية، وراديو سابو، وراديو أبو الهول، وراديو رمسيس، وراديو القاهرة، وراديو مصر الجديدة، وفي الأسكندرية: ردايو ماجستيك، وراديو فريد، وراديو نافيرا.

وكما اختلفت الأسماء؛ فإن المادة المقدمة عبر المحطات لم تكن واحدة أو منظمة، فقد كانت المحطات أشبه بنوافذ الشقق كل واحدٍ ينشر ما يريد، فانطبعت الإذاعات الأهلية بطابع الفوضى، وسعى أصحاب المحطات لتحقيق أغراضهم الخاصة، فكان كل صاحب محطة ينشر ما يروق له بغض النظر عن أية ضوابط أو مراعاة للمناخ الاجتماعي أو ذوق المستمعين. فصاحب راديو مجازين اجيبسيان كان يتيح لزميلٍ له في كلية الحقوق استخدام الراديو في مغازلة صديقته على الأثير، وكان بعضهم يصيح في محطته: "اسمع يا أخينا أنت وهو .. حدثت حريقة كبيرة بشارع شبرا…" وبعد قليل يعود فيقول أن: "الحريقة لم تكن غير افتتاح خمارة الخواجة بنايوتي لبيع أصناف الخمور وأنها تباع بأسعار زهيدة جداً جداً"، هذا غير الأخبار الكاذبة والشائعات التي يروجها آخرون كـ "انفجار قنبلة في حي السيدة".(4)

وانتقدت مجلة "روزاليوسف" ذات مرة أشهر عازف عود في ذلك الوقت ويدعى الشيخ محمود صبح، فلم يجد الأخير من وسيلة للرد على المجلة سوى أن يقول -بعد عزف العود في الراديو-: "اللحن دا يعرف يطلع من ايدك يا ست روزا؟! يا ولية افهمي بأه"(5). وفي ظل غياب الرقابة وعدم سهولة التعرف على أصحاب المحطات، فكان من الممكن تضليل المستمعين أو استخدام الإذاعة لأغراض غير قانونية بشكل غير مباشر مثل أن تقوم إحدى المحطات التي كانت تذيع أغاني معينة في أوقات معينة لإرسال إشارة معينة يفهمها طرف ثانٍ يعمل في نشاط غير قانوني كتجارة العملة أو المخدرات أو غيرها وكأنها كلمة سر. ومن مظاهر الفوضى والاضطراب الذي امتازت به هذه المرحلة من تاريخ الإذاعة تداخل موجات الأثير بين محطة وأخرى أو أكثر مما سبب الكثير من المتاعب للمستمعين حيث كانوا أحياناً كثيرة لا يجدون المحطة التي اعتادوا متابعتها وينتظرون إحدى حلقاتها مثلاً، هذا فضلاً عن النزاعات القضائية التي نتجت بين المحطات بدعوى الاعتداء على موجة الأثير.

على الجانب الآخر، فقد كانت هناك بعض النماذج التي امتازت بالتنظيم بل والمساهمة في ترفيع ذوق المستمع عن طريق نقل حفلات الغناء والطرب، وعقد الندوات التثقيفية التي تتناول قضايا المجتمع. فقد أحيت محطة راديو مصر الملكية في يوم 25 يناير 1933 في تمام التاسعة مساءًا حفلة موسيقية عزف فيها عشرون عازفاً من أبناء معهد الموسيقى الشرقي، وغنى فيها إبراهيم عثمان وكذلك عازف العود الكبير كامل بك رشدي، كما غنى في اليوم التالي الأستاذ صالح عبد الحي والأستاذ أمين حسنين.(6). هكذا اكتسب الراديو أهميته ودوره الحيوي في المجتمع في الوقت الذي كانت تمثل فيه الصحافة وحدها أداة تكوين الرأي العام المصري، وهي بطبيعة الحال موجهة للجمهور القارئ والذي كانت نسبته قليلة بالمقارنة بسواد الشعب، فكان الراديو بمثابة أداة ثقافية ذات قاعدة جماهيرية أوسع، لم يقف التعليم حائلاً أمامها كما هو الحال مع الجرائد والمجلات. هذا ومما لا شك فيه أن الحكومة قد سعت للسيطرة على هذه الوسيلة بعدما وجدت أثرها وإمكانية تأثيرها في المجتمع من ناحية الوعي والثقافة وتوجيه الرأي العام وقد كانت أوائل الثلاثينيات بشائر عقد اتفاق الحكومة المصرية مع شركة ماركوني البريطانية المختصة في مجالات الاتصالات لتدشين الإذاعة المصرية الحكومية والتي قد نتناولها في مقالٍ منفصل إن تيسر ذلك.
————————————————————————————————————–
مراجع:
1- الوقائع المصرية عدد 46 الصادر في 17 مايو 1926
2- الأهرام – عدد 26/1/1933
3- مقال: نظرة على تاريخ الإذاعة 1923 – 1952 مجلة الفن الإذاعي عدد 101 لسنة 1984
4- تاريخ الإذاعة المصرية – دراسة تاريخية – د. حلمي أحمد شلبي
5- نفس المصدر



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة