"خاوة خاوة"… اللحظات الفارقة للحراك الجزائري!

بعد انقضاء القمة العربية بجمهورية تونس، والتي أنجبت توصيات مشوهة لحالة الضعف الكبير والاحتقان السياسي والخذلان الأممي الذي تعيشه الأمة العربية، لقد تفاقمت الملفات المفتوحة للأزمات العربية مع كل دورة للجامعة التي رأت في احتضانها لممثلي الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي/الأوروبي رسائل غفران للعالم الغربي، ومع تنامي العنف الدولي ورهانات الهبة الشعبية للحراك الجزائري/السوداني، وتدهور الوضع الأمني والإنساني في اليمن وليبيا واستمرار الحصار على دولة قطر، وتراجع الدور الإعلامي والنخبوي بدول الخليج، ودخول مرحلة جديدة للعلاقات مع الكيان الصهيوني المحتل، وأمام الوضع الدولي الذي تعيشه القضية الفلسطينية، ومحاولات تصفيتها من الوجدان العربي/الإسلامي.

تأتي موجات التحرر الشعبي كلحظة فارقة في الوجدان العربي، كي تعكس الهوية الحقيقية للنظم المتخفية خلف جدران الماضي وأزاماته اللامتناهية، ولتحمل للعالم المتكالب على ثرواتها حسّها الحضاري وتطلعاتها الإنسانية، للتعايش وفق تكافئ إجتماعي وتقاسم عادل للمصالح المشتركة؛ كان يتوجب على الجامعة العربية كمؤسسة جامعة للحلم العربي، أن تتطلع لربيع شعوبها بدل حماية البراميل المتفجرة والتغاضي عن أسباب تكاثر قوارب الموت، فهل خرجت الأجيال الجديدة في الحراك الجزائري/السوداني لاستبدال اللوحات التاريخية بمنحوتات على الجدر المرصوصة تباعا، أم من الواجب إسقاطها طباقا!؟ الزمن وحده من سيسفر عن الألوان التي تستدعيها الأحداث كي ترسم اللوحة الأخيرة بالعالم العربي.

ما تعيشه شعوب دول سوريا وليبيا واليمن يثبت بما لا يمكن تكذيبه أنّ العمالة هي العملة المتبادلة بين النظم الفاسدة، وأنّ الشعوب المنتفضة لا تمثلها تلك الوجوه المستنسخة

شهدت الجزائر للجمعة الثامنة على التوالي مظاهرات حاشدة في جميع أنحاء الوطن، تطالب بإسقاط "الباءات الثلاثة" المنبثقة عن النظام المستقيل، وبينما تتسارع وتيرة الأحداث بالجمهورية الجزائرية، يقرر الرئيس التونسي السبسي عدم الترشح لفترة رئاسية ثانية، في حين ظل تشبت الرئيس السّوداني عمر البشير بمنصبه ينذر ببوادر أزمة داخلية رافضا انتقال الحكم لهيئة وطنية تقي الأمة السّودانية شر التدخلات الخارجية والعبث الإقليمي، وتحفظ للطبقة الحاكمة كرامتها في التاريخ الإنساني؛ تنطوي عملية التمسك بالسّلطة على مسائل مرتبطة بمركزية القرار الناجم عن الذات التي تتحكم بها الأنا المرافقة لأي عملية تختبر مقدرة العقل على تجنيب المستعمل قوة الهوى المتمسكة بالعدمية، حيث الأشياء تنفصل عن مسبباتها لمجرد إيمان البعض بانعدام كتلة العالم المحيط بهم، الاستبداد التي كانت تلتف حوله شخصيات ثورية هو ذاته الذي أنشأ التقديس المفرط عندما استعانت الفئة المنتفضة بالهوّة الناجمة عن سقوط المرايا الكاشفة، كنا نرى أنفسنا في الاستبداد كمناضلين ومتحررين فاعلين ومثقفين مناهضين لتلك الانعكاسات الترقيعية.

وعندما استولت الجماهير على الميادين راحت الشعبوية تحتوي تلك الفئة المقابلة للمرايا المتشظية مانحة إياها إرادة مسؤولة، تحاول التكوينات الحديثة إسقاط أدواتها لإرهاق الذوات المقهورة وصرفها عن مطالبها الاقتصادية والسياسية الواقعية، وتسلب الاصوات المنتفضة بـ"لا" إرادة ترتكز بالعقلانية المثبطة لأشكال الغائية العاطفية؛ ومع نضوب أدوات المقاومة واستهلاكنا لمختلفها، وانفتاحنا الجزئي على العالم أصبحت الدول العربية تواجه أزمة التمثيل للحركات التي تمخضت عن المشاريع التاريخية، بأخذها شكلا آخر خلف الصور المعلقة على جدران قصور الملوك والرؤساء، إنّ ما كان بالأمس حالة قومية أو دعوة أصولية تصارع بغية البقاء في سدة الحكم، أصبح اليوم عملة واحدة تقتسم المطالب الشعبية وتستبيح لعرابيها الثوابت الوطنية؛ لقد تراجع منسوب الانتماء الأيديولوجي وخدعة التفوق الغربي والمأزق المتخيل والمشكل الهوياتي بعد سيل التدفقات الثورية "للربيع العربي" عبر قولبة المعارضة وتنامي تجارة السلاح والخرائط المتحركة، لقد أعاد الحراك الاهتمام الشعبي إلى نقطة مركزية تبحث في قضايا الشعوب وتعيد تلوين/إسقاط صورة العالم المتمذهب بعيدا عن وهم الشعارات والخرسانات الهوياتية التي ساهمت في تأزيم الوضع للذوات المقهورة.

ظل السّودان المشارك في التحالف العربي يواجه مشكلات اقتصادية، تسببت له في تعقيد الوضع الاجتماعي وارتفاع مستويات البطالة وتراجع العملة، ومع مذكرة الاعتقال للمحكمة الجنايات الدولية للرئيس البشير، التي لا تطال يد (عدالتها) إلا القارة السمراء، يجد السّودان نفسه في وضعية الاختبار على امتصاص الصدمات التي نتجت عن حراك الجزائر وتراجع السبسي عن ترشحه للانتخابات، ومن جهة أخرى التزاماته تجاه بعض دول الخليج والعلاقات الأمنية المصرية؛ إنّ الإشكالية التي تواجه السلوك الانتهازي لذهنية الصكوك الثورية، هو مقدرة الطغمة الفاسدة على استيعاب بواعث من قبيل "أليس لي ملك مصر"، وأنها غير مستعدة للتنازل قيد أنملة عن قرارتها السيادية، وحفظا للقيم الوطنية التي افتقدتها شعوب المناطق المحررة، أليس من السهل -وقد مر على الربيع العربي الذي واجه وما يزال يصادم دعوات الشيطنة والتخويف والاتهام بالعمالة للصهيونية، من قبل دول تركض زحفا نحو تل أبيب للبقاء على كرسي الطاعة ومشاريع الإمبراطورية- أن تتنازل الطبقة الحاكمة عن سطوتها للمؤسسات التي تزعم أنها قد ساهمت في تجديدها وبناء منظومة قوانينها، بدل التصادم مع رغبة شعوبها في الحرية والمساواة، الذي لا يخدم سوى القوى الاستعمارية ومعادي القيم الإنسانية وعرابي المشتقات المالية والاستثمارات التطبيعية.

بمجرد تقدم أي حراك/ثورة في تحقيق بعض من مطالبه، تبدأ مؤشرات "الطبقة الثورية" في التراجع بعد تجلي رؤيتها أو مشروعها للمجتمعات المنتفضة، فرغبة المتظاهرين في الإطاحة برأس النظام واعتبارها السبيل الأنجع لتصحيح المسار الوطني

لقد أزاحت الحركات الشعبية قناع الوهم الذي صاحب مشاريع الوحدة العربية والسّوق الموحدة والمصير المشترك والقضية الفلسطينية، فما تعيشه شعوب دول سوريا وليبيا واليمن يثبت بما لا يمكن تكذيبه أنّ العمالة هي العملة المتبادلة بين النظم الفاسدة، وأنّ الشعوب المنتفضة لا تمثلها تلك الوجوه المستنسخة من مخابر الكولونيالية، هكذا وبعد عناء وجهد ضد القمع والوحشية والقبح المنبثق من سجون نظم الوكالة، يأبى المعبرون عن طموحاتهم الديمقراطية إلا أن يعيدوا زخم الأصوات المقموعة إلى مواقعها المغيبة في الإعلام العربي ومؤسسات المجتمع الدولي، ما قدمه الحراك الجزائري هو تفنيذ الوضع القائم كون الاحتجاجات والمظاهرات لا تأتي أكلها ولا تنتج إلا الفوضى والدمار ما دامت الأصوات تصدر من ذوات عربية، من مجتمعات لا تفهم الديمقراطية ولا ترغب بالتصالح مع موروثها الثقافي أو تستوعب اختلافاتها الإيديولوجية، ببساطة تامة يمكننا القول من أنّ الجميع تساقط فرادى في مواجهة صورة "متخيلة" عن نظام يسندون مؤسساته وإداراته، وأنهم قد غلب عليهم الحس الثوري والدفاع عن الإنسان والمناداة بالعدالة غير آبهين أو مستعينين بالتفكير في من تكرم عليهم بهذا الوضع المتأزم.

وفي حقيقة الأمر كانت الأشياء التي تقدمها الذوات المقهورة مفعمة بنشاط وحيوية الجينات التي خرجت من رحم التيه بعيدة عن الأنانية المترجمة عن القواميس السياسية، ما يتوجب على الحراك إنتاجه هو الاندماج الوطني من خلال إزالة احتقارنا للهويات المتداخلة، فبالكاد تعافينا من عطب النماذج الكمبرادورية وخبرنا سياسة التسفيه المفتعلة وتوصيات الأخ الأكبر، وذلك عن طريق النشاطات المرافقة للحراك الجزائري، كما أنّ الكتابة زمن الحراك هي بمثابة انطلاقة جديدة لجمع رفات القيم المشتركة داخل المجتمعات البروليتارية، بعيدا عما تذروه آلة الإعلام الغربية/العربية المناهضة لموجات التحرر ونبذ إعادة إنتاج الطغمة المستبدة التي ترفضها ذات نواتها متمسكة بالعقيدة الثورية والقضايا العادلة للشعوب المستعمرة؛ تجد المجتمعات -التي اعتادت خطابات التدشينات قيد التجهيز وتزييف الانتكاسات على أنها نجاحات للحفاظ على استمرارية الوضع القائم- نفسها وسط حركة كونية تداولية تختبر بموجبها المقدرة على الاختيار؛ ومتى استعانت المقدرة بالأسباب وجبت الإفاضة إلى سبيل يحفظ للإنسانية نظمها وقيمها.

لقد أعلن بعض نشطاء الحراك الجزائري رفضهم الفترة الدستورية التي طرحتها القوى المؤسساتية معللين ذلك بسيطرة رموز النظام المستقيل على هذه الفترة الحساسة للانتقال السياسي، وفي خضم هذه التجاذبات السياسية التي تسعى القيادات التاريخية المناوئة من خلال جر مؤسسات الدولة إلى الصراع المحتدم بين الهيئات المؤسسة للشرعية الجديدة والقوى غير الدستورية ذات الطابع الشمولي كصفرية حتمية، ومع ارتفاع أصوات المتظاهرين في الساحات بشعارات من قبيل، "خاوة خاوة" أو "زيدولنا الشومبوا ونولوا صافا" يواجهون المياه الحارة من خراطيم تبعات مسار "يتنحاو قاع"، يصارع السّودان الغارق هو الآخر في دوامة المشكلات السياسية/الاقتصادية والمخلفات الإيديولوجية، لإيجاد حلول دستورية تقيه مأزق الانقلابات العسكرية، وتساهم في الحفاظ ولو بشكل مؤقت على الجغرافيا المتبقية.

ترافق الحراكين الجزائري/السوداني ضرورات التعاطي مع أقوى مؤسسات الدولة من طرف متزعمي الحراك، وبصرف النّظر عن الطبيعة الجغرافية للنظم الحاكمة والاختلافات العميقة لشعوبها، يبقى الفساد صفة تلازم السلوك الانتهازي للسياسات العبثية، ساعيا لبلقنة المطالب المشروعة واستحالتها ومصادمتها بالمؤسسات القائمة، بدل التجربة التاريخية للتشكيلات البورجوازية، فبمجرد تقدم أي حراك/ثورة في تحقيق بعض من مطالبه، تبدأ مؤشرات "الطبقة الثورية" في التراجع بعد تجلي رؤيتها أو مشروعها للمجتمعات المنتفضة، فرغبة المتظاهرين في الإطاحة برأس النظام واعتبارها السبيل الأنجع لتصحيح المسار الوطني، من دون مراجعة كراسات العمل المؤسساتي وأجهزة التحكم الإداري، ورسائل الانقلاب العسكري في السّودان للحراك الشعبي، تنتظر اللحظة الفارقة لاختبار الفرقاء الجزائرين، ويوم تتهاوى الباروكات والمهداوية المتخثرة ويتخلى الأخ الأكبر عن مسؤولياته، يتبين للعاقل مدى سيطرة المصالح على الرغبة الفردية في استمرار التعقيدات أو الحلول السريعة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة