عندما كنتُ طبيبًا في الأمازون.. رحلتي من المدينة إلى الأدغال!

blogs أمازون

لم أَكَدْ أتمّ ثلاثة أشهر على تخرّجي من كلية الطب، حتى فوجئتُ باستدعاءٍ جاءني من الجيش البرازيلي للحضور إلى ثكنته الرئيسية في مدينة ساو باولو، وذلك للالتحاق بالخدمة العسكرية طبيبًا ضابطًا في ولاية أمازوناس Amazonas، على بُعد بضعة آلاف من الكيلومترات شمالًا. وكنتُ آنذاك قد شرعتُ في أول وظيفة لي بعد تخرّجي، وهي طبيب عائلة في بلدية ساو باولو. وحين وصلني هذا الاستدعاء، كنتُ لا أزال في أسبوع عملي الأوّل.

 

لم يكن هناك من مناصٍ من قبول هذا الاستدعاء والانصياع للخدمة العسكرية الطبية لمدة عام واحد، وذلك لأن القانون صارم في هذا الأمر، حتى في بلاد متسامحة نوعاً ما مثل البرازيل. فالهروب من الخدمة العسكرية الإجبارية يعرّض الهارب للملاحقة القضائية من قِبَل الدولة البرازيلية. وهنا أشير إلى أنني مواطن برازيلي كامل الحقوق والواجبات إلى جانب كوني لبناني المولد والنشأة الأولى. فقد حصلتُ على الجنسية البرازيلية في دمشق في ثمانينات القرن الماضي (بسبب الأحداث في وطني لبنان، التي عرقلت عمل السفارة البرازيلية). وكان ذلك قبل أن أهاجر نهائيًا إلى البرازيل مع أهلي في العام ١٩٩٧، عندما كنت أبلغ الخامسة عشر من عمري. وهكذا قدّمت استقالتي القسرية في عملي الجديد، وشرعتُ في تحضير الأمتعة لسفري إلى مَنَاوس Manaus، عاصمة ولاية أمازوناس، والذي كان مقرّرًا بعد بضعة أيام من الاستدعاء.

 

مكثتُ في مناوس ما يقارب عشرة أيام، قضيتُ الشطر الأول منها في الإجراءات البيروقراطية لإنجاز المعاملات والأوراق والمستندات الرسمية للخدمة العسكرية، بالإضافة إلى محاضرات إرشادية وتوجيهية ألقاها على مسامعنا كبار الضبّاط

استغرقت الرحلة من ساو باولو إلى مناوس زهاء ثلاث ساعات ونصف الساعة جوًّا. وما إن حطّت الطائرة في مطار حاضرة الأدغال الشاسعة، حتى تنفس الركّاب الصعداء، وذلك نتيجة التوتّر الذي عانينا منه في الثلث الأخير من الرحلة بسبب المطبات الهوائية وما يصاحبها من ارتجاجات في هيكل الطائرة التي كانت تحلّق في أعالي أكبر الغابات الاستوائية في المعمورة في أحوال جوية سيئة تتسّم بطقس عاصف. ولكن هذا كله لم يمنعني من الاستمتاع بالمنظر الخلّاب لغابات الأمازون من عَلِ، بعد أن بدأت الطائرة تستعدّ للهبوط محلّقة على ارتفاع منخفض. يا لروعة وجمال وجلال تلك السجّادة الخضراء اللامتناهية التي تخترقها الأنهار العظيمة! لا يملك المرء إلا أن يشعر بالرهبة وبالخشوع أمام هذه العجيبة الفذّة البديعة من عجائب الدنيا الطبيعية.

 

ومن المشاهد الرائعة التي لا أنساها ملتقى نَهْرَيْ نيغرو Rio Negro (ريو نيغرو أو النهر الأسود -كما يعرف بالبرتغالية- "ريو" تعني نهر و"نيغرو" تعني أسود) وسوليمويس (ريو سوليمويس Rio Solimoes) العظيمَيْن اللَّذين يتّحدان لتكوين نهر الأمازون العظيم، وذلك في غربي مناوس، عاصمة ولاية أمازوناس الواقعة على الضفة الشمالية لنهر نيغرو. يظهر بوضوح جليّ، من نافذة الطائرة، البرزخ الذي يفصل مياه نهر نيغرو الداكنة القريبة من السواد (ومنها اكتسب اسمه) عن مياه نهر سوليمويس الوحلية والبنية اللون.

 

كان برنامج الأطباء الملتحقين بالجيش في ذلك العام (٢٠٠٨م) لولاية أمازوناس وتوابعها يقتضي أن نمكث بضعة أيام في الثكنة الرئيسية في مدينة مناوس، ريثما يتمّ نقلنا إلى الأماكن المحدّدة للخدمة لكل واحد منا في تلك الأحراج الشاسعة. علمتُ أن البلدة التي عُيِّنتُ لأخدم فيها هي "ساو غابرييل دا كاشويرا Sao Gabriel da Cachoeira" في أقصى الشمال الغربي لولاية أمازوناس والبرازيل. وتُعرَف هذه المنطقة بإسم "رأس الكلب" نظرًا لشكلها على الخريطة، هي تقع على الحدود مع فنزويلا وكولومبيا. 

 

وكان معي في دفعة الأطباء الضباط هذه مجموعة من الزملاء من مختلف أنحاء البرازيل. وقد وُزِّع الأطباء انطلاقًا من المركز مناوس على مواقع مختلفة في الأحراج. والمحظوظون كانوا من وقع عليهم الاختيار لكي يخدموا في العاصمة مناوس، وهي المدينة التي توفّر شتّى أنواع الخدمات المنتظَر وجودها في المدن الكبرى. وهذا بخلاف العدد الأكبر من زملاء دفعتي، بمن فيهم أنا، الذين وُزِّعوا على نقاط تتفاوت في عزلتها ونأيها وحرمانها وسط كبرى غابات العالم الاستوائية. وكانت البلدة الأكثر عزلة ونأيًا من نصيبي مع مجموعة من الزملاء.

 

مكثتُ في مناوس ما يقارب عشرة أيام، قضيتُ الشطر الأول منها في الإجراءات البيروقراطية لإنجاز المعاملات والأوراق والمستندات الرسمية للخدمة العسكرية، بالإضافة إلى محاضرات إرشادية وتوجيهية ألقاها على مسامعنا كبار الضبّاط المسؤولون عن مناوس وتوابعها. وبعد الانتهاء من الإجراءات والمحاضرات لم نستطع المغادرة مباشرة إلى "ساو غابرييل دا كاشويرا"، التي تبعد زهاء ١٠٠٠ كيلومتر عن مناوس، في اتجاه الشمال الغربي. غادر معظم الزملاء إلى وجهاتهم المختلفة، ولم تبقَ إلا مجموعة "ساو غابرييل" تنتظر تأمين وسيلة النقل الضرورية لهذه الغاية. 

 

ولم يكن هناك إلا طريقتان للوصول إلى وجهتنا: إما نهرًا أو جوًّا، فلا وجود لأي طريق سريع يشق الأدغال ليربط مناوس بساو غابرييل. ووسط الفوضى واللغط والتململ من المكوث السؤوم والمضجر في الثكنة في مناوس، طلب الضباط منا أن نتدبر بأنفسنا أمر انتقالنا إلى موقع خدمتنا، على أن يعوّضنا الجيش ماديًا في ما بعد. لم يعجبنا هذا الطلب لأننا كنا ندرك تمامًا أن المسؤولين في الجيش ينتصّلون من مسؤوليتهم ويبتزّون تعبنا وسأمنا وتململنا. ولكننا ارتأينا أن نرضخ في نهاية الأمر واستبعدنا خيار المواجهة. وأخذ التشاور مكانه في المجموعة المؤلفة من نيّفٍ وعشرين طبيبًا بشأن الوسيلة الأنسب للقيام بهذه الرحلة. واستقرّ رأي الغالبية أخيرًا (وأنا منهم) على أن نقوم بالرحلة على متن مركب يبحر صعودًا في نهر نيغرو من مناوس إلى ساو غابرييل، مستغرقًا من ٢٤ إلى ٢٨ ساعة، من ضمنها محطتيْ استراحة قصيرة في كل من بلدتيْ "بارسيلوس Barcelos" و"سانتا إيزابيل دو ريو نيغرو Santa Isabel do Rio Negro".

 

ورغم أن الرحلة جوًّا تستغرق وقتًا أقل بكثير من الرحلة النهرية (تقدّر مدة الرحلة الجوية من مناوس إلى ساو غابرييل دا كاشويرا بحوالي ثلاث ساعات)، فإن الغالبية العظمى من المجموعة، كما ذكرنا، اختارت السفر النهري، وذلك لسببين رئيسين. السبب الأول مادي بحت، فتكلفة السفر على متن الطائرة كانت تعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف تكلفة السفر على متن المركب، وكان معظم أعضاء المجموعة أطباء حديثي التخرج، في أواسط العقد الثالث من العمر، ولا يتمتعون بأي بحبوحة مالية. السبب الثاني كان أننا أردنا أن تكون الرحلة النهرية فرصة للاستجمام وللاستمتاع بمناظر الغابة الخلابة والنهر البديع العملاق. وهذا على الرغم من معرفتنا بحالة المركب المتواضعة، والذي يكاد لا يوفر شيئا من الراحة أو الرفاهية، إذ كان عبارة عن حافلة نقل نهرية مسقوفة تتسع لحوالي ثمانين راكب جلوسًا. ولم يكن هناك أي سرير للنوم والراحة. ولكن ظهر المركب المكشوف كان يوفّر لنا فرصة لا تعوَّض للاستمتاع ببدائع صنعة الخالق وسط تلك الطبيعة المدهشة في روعتها. وهناك سبب إضافي عجّل في قرارنا وهو علمنا أن هذه الرحلة لا تتم إلا مرة واحدة كل أسبوعين. ونحن لم نكن نتحمّل مزيدًا من الانتظار. 

 undefined

كان سفرنا مقرّرا لعصر يوم جمعة، وفي الموعد المحدّد حضرنا إلى أحد مرافئ مناوس على ضفة النهر الأسود. لم تكن حالة المرفأ البائسة توحي بالارتياح أو بالثقة، بالأخص لمن تطأ قدماه هذا المكان للمرة الأولى ومعرفته سطحية جدًّا عن منطقة الأمازون ومزاياها وخفاياها. فأرض المرفأ يغطيها التراب والأوحال، ولا وجود لأي غرفة أو قاعة ولا لمسؤولي أمن أو جمارك. أما الصعود من المرفأ إلى المركب فيتم عبر جسر خشبي ضيق متهالك لا درابزين على طرفي الماشي عليه، مما يعني أن أي اختلال للتوازن يحمل احتمالًا كبيرًا لسقوط عابر الجسر في الماء. 

 

وإن كانت هيئة المركب والمرفأ لا توحي بالثقة أبدًا، فإن هيئة قائد المركب لم تكن أفضل حالًا. فقليلٌ من الحذر كان من المفروض أن يمنع أي إنسان من تجشّم مغامرة السفر على متن مركب يقوده هذا الرجل: كان يرتدي شورتًا باهتًا وقميصًا باليًا وينتعل "الشحّاطة" (الشبشب أو المشاية، بحسب اللهجة)، بشعر منفوش ولحية لا هي محلوقة ولا مرخاة، بل عوان بين ذلك، فكانت هيئته العامة لا توحي بالثقة ولا بالحِرَفية. ولكن الجيش البرازيلي طمأننا بإمكانية الثقة بهذا الرجل رغم هيئته الرثّة وبذاذة منظره، وذلك عبر الرقيب المخضرم الذي أنيط بمسؤولية مرافقتنا إلى المرفأ في شراء تذاكر السفر وبعد ذلك في موعد الإبحار.

 

علمنا، بواسطة هذا الرقيب، أن قائد المركب لم يكن مجرّد ربانٍ ماهر، ولكنه كان خبيرًا بطرق الملاحة في نهر نيغرو، الممتلئ بمئات الجزر، والذي يتغير منسوب مياهه وفق مواسم الجفاف والأمطار. فالإبحار في هذا النهر العظيم الأشبه ببحر لا يتطلب مهارة على دفة المراكب وحسب، وإنما يستلزم علمًا وخبرة بجغرافيا المكان وبتغير تضاريس النهر بحسب عوامل المناخ. وهذا النهر هو أعظم روافد نهر الأمازون العظيم، الذي يشكل أعظم الأحواض النهرية في العالم، والذي يعتبر أغزر أنهار الأرض. ومن عجائب الأمازون أن رافده العظيم هذا، الذي كُتِب لي أن أبحر في مياهه، أنه يشكّل أعظم حوض مياه سوداء في العالم. وهو بخاصية مياهه السوداء هذه يشذ عن باقي روافد الأمازون. ومن خصائصه النسبة العالية لحموضة مياهه بالإضافة إلى قعره وشطآنه وضفافه الرملية التي لا أوحال فيها، في شبه كبير بينه وبين شطآن البحار. ويُذكَر أن نهر الأمازون، من منبعه إلى مصبه، وحلي لا رمال فيه، وهذا يمنحه ثروة سمكية ونباتية وحيوانية تفوق ثروة رافده العظيم نهر نيغرو.

 

وانطلق بنا المركب من ذلك المرفأ النهري البسيط بين عصر ومغرب تلك الجمعة الأمازونية من بداية العام ٢٠٠٨م. ولو أخذنا بعين الاعتبار المسافة من مناوس إلى ساو غابرييل دا كاشويرا مع الوقت اللازم للرحلة، لتبيّن لنا أن مركبنا يبحر بمعدّل سرعة يبلغ ٤٠ كيلومتر في الساعة تقريبًا. كانت المقاعد ممتلئة بالركاب عن بكرة أبيها. جلستُ على مقعدي وقررتُ استغلال ما تبقى من ضوء النهار لمطالعة كتاب "نهج البلاغة" للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، مع تعليق وحواشي الإمام محمد عبده. وكان هذا السِّفْرُ الجليل رفيق رحلتي مع غيره من الكتب المنوّعة (بالعربية وبالبرتغالية) والطبية (بالبرتغالية والإنكليزية). وكنت العربي والمسلم الوحيد على متن ذلك المركب. سألني أحد الزملاء الأطباء من القادمين من ولاية ميناس جرايس إن كنتُ على وشك إنهاء قراءة الكتاب، فتبسمتُ ضاحكًا من قوله: "إنني ما زلتُ في بداية الكتاب، فنحن العرب نقرأ ونكتب من اليمين إلى الشمال بخلاف الغربيين. ففي القراءة والكتابة، بدايتنا هي نهايتكم، ونهايتنا هي بدايتكم". 

 

كان المركب يقطع الكيلومترات بعد الكيلومترات في تلك البقاع الخالية دون أن يصادف إلا القليل القليل من العابرين، وكانوا بضعة مراكب لنقل البضائع والمسافرين. وقضينا معظم ساعات النهار على ظهر المركب نتحادث ونتأمل بدائع الخالق

حلّ المغرب ضيفًا عزيزًا واصطبغ الأفق بالشفق الأحمر الذي أكسب الغابة ومعها النهر العظيم بهاءً على بهاءٍ، وجلالًا على جلالٍ، وسكينةً على سكينةٍ في ذلك الجو الرائق من تلك الأمسية الاستوائية. وفي هذا الوقت قدّم طاقم المركب طعام العشاء للركاب. ولم يرقني طبقه الرئيسي المكون من كوارع ولحم وأرز، فاكتفيتُ بحساء اللبن والذرة. وقد أسعفني في هذه الرحلة الزاد الذي حضره لي والداي وكان مؤلفا من الأطعمة المعلبة والسهلة التناول مثل البسكويت الحلو والمالح والسكاكر. 

 

بعد تقديم طعام العشاء، خيّم الظلام كليًا على أدغال الأمازون، وكان مركبنا يبحر صعودا في النهر الأسود وحيدًا وسط تلك البقاع الخضراء الشاسعة والخالية إلا من ما ندر ضيعة هنا وأخرى هناك على ضفتيْ النهر-البحر. وكان سكان تلك الضِّيَع بمعظمهم من هنود أمريكا الأصليين. وكان ربان مركبنا يعرف طريقه جيدًا وسط المئات من الجزر التي تؤلف واحدا من أعظم الأرخبيلات النهرية في العالم، بين مناوس وبارسيلوس، وهو أرخبيل "أنافيلياناس Anavilhanas". لكن الظلام لم يكن دامسًا، فكان تأتينا إضاءة خافتة من نور القمر والنجوم ومن إضاءة المركب.

 

لم أستطع أن أقاوم إغراء الصعود إلى ظهر المركب لتأمل تلك المناظر الخلابة الساحرة والتي لم أكن قد رأيت نماذج عنها قبل هذه الرحلة إلا في الصور وفي الأفلام الوثائقية. صعدتُ مع ثلّةٍ من الزملاء على السلالم الحديدية التي تخترق سقف مركبنا وتفضي إلى سطحه. وهناك، على ظهر فُلكنا البسيط، جلسنا نتسامر ونتأمل الغابة والنهر والأفق المترامي، وكنا كلنا مأخوذين ومشدوهين بهذا المشهد الرائع الذي يستحق أن يصنَّفَ بحقّ في خانة أعجب عجائب الدنيا الطبيعية. قضينا معظم الساعات الليل على ظهر المركب، إلى أن نال منا التعب والنعاس مع حلول وقت السَّحَر ما بين الساعة الثالثة والرابعة فجرًا. في هذا الوقت، نزلت إلى مقصورة الركاب وسرعان ما غفوتُ جالسًا على مقعدي، إلى أن استيقظت مع خيوط الفجر الأولى، بعد انقطاع هدير المحرّك، حين توقف المركب في محطته الأولى في بلدة بارسيلوس. 

 

ومع شروق شمس الصباح، عاودتُ الصعود إلى ظهر المركب الميمون مع رفاقي الأطباء. وفيما انهمكوا بشرب خمرة "تيكيلا" المكسيكية، وأخذت النشوة تحرّك فيهم روح الفكاهة والدعابة والتندّر، سَكِرتُ رغم أنني لم أضع قطرة خمر في جوفي. فكيف يستقيم ذلك وأنا لم ولا أشرب الخمور نهائيا منذ حداثتي؟ لقد فعلت بي فعلها المناظر الخلابة بين الأدغال والنهر العظيم والأفق الممتد، فكانت حالة النشوة التي انتابتني ربما تفوق النشوة التي أحدثتها خمرة "تيكيلا" في نفوس رفاقي. 

 

كان المركب يقطع الكيلومترات بعد الكيلومترات في تلك البقاع الخالية دون أن يصادف إلا القليل القليل من العابرين، وكانوا بضعة مراكب لنقل البضائع والمسافرين. وقضينا معظم ساعات النهار على ظهر المركب نتحادث ونتأمل بدائع الخالق، ولم نكن ننزل إلا لتناول الطعام ولاستعمال دورة المياه. وكانت هناك دورة مياه وحيدة لخدمة مركبنا، ولذلك حرصت على تفادي الأطعمة والأشربة المسهلة حتى لا أضطر للذهاب إلى الغائط في تلك الظروف غير الملائمة أبدًا. 

 

توقفّ مركبنا بعد الظهر قريبا من العصر في بلدة سانتا إيزابيل دو ريو نيغرو لاستراحة قصيرة ولنزول وصعود الركاب. وبعدها انطلق دون توقف نحو وجهتنا النهائية ساو غابرييل دا كاشويرا التي وصلنا إلى مرفأها النهري بعد حلول المساء بقليل، في رحلة استغرقت بين ٢٧ الى ٢٨ ساعة نالت منا إرهاقًا وإجهادًا، ولكنها كانت حافلة بالمتعة والغبطة. وقد كان من حسن حظنا أن رحلتنا المرهقة تمت في ظل ظروف مناخية ممتازة بلا أمطار أو عواصف.