الإشاعة في زمن الحراك الشعبي.. الغاية تبرر الوسيلة!

منذ انطلاق الحراك الشعبي في الثاني والعشرين من فبراير الماضي والمجتمع الجزائري يعيش على وقع التضخيم والتهويل والمبالغة بسبب الأخبار الكاذبة والإشاعات التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي وحتى وسائل الإعلام انتشارا رهيبا يضاهي سرعة الضوء بتوصيف فيزيائي. هذا السيل الجارف من الإشاعات تسبب في حالة عدم يقين غير مسبوقة لدى الجزائريين، وأصبح تدفق الأخبار مذهلا وضع الجزائري في حيرة من أمره لا يعرف كيف يتأكد من صدق أو كذب بل يستحيل عليه ذلك في واقع 95 بالمائة منه مجرد إشاعات عارية من الصحة، لذلك تراهم يملكون قابلية في تصديق كل إشاعة تقترب من تعبيرات سخطهم على أوضاع البلد الحالية، فبمجرد أن يطلق أحد إشاعة تخص فضيحة مسؤول ما إلا وأصحبت على كل لسان.

وقد وجدت الإشاعة أرضية خصبة للنمو والظهور بعدما أصبح المشهد الإعلامي الجزائري حر طليق بلا قيود وشبكات التواصل الاجتماعي ساحة عامة مترامية الأطراف ينشط فيها كل من هب ودب وينشر ما يريد وكيفما يريد وبأي طريقة يريد دون مراعاة للقيم والمعايير، حتى أضحت هذه الشبكات منبرا للذي لا منبر له حتى لمحدودي الثقافة وصغار السن الذين لا يدركون مدى خطورة إطلاق الإشاعات في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد.

الحديث عن الإشاعات في هذه المرحلة لا تعوزه أمثلة فهي كثيرة ومتعددة، تتصدرها إشاعات الوفيات، أو ما يعرف بــ "الاغتيال الاعلامي" راح ضحيته الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة في مرّات عديدة

وفي الوقت الذي وُجِب فيه التحذير من خطورة هذه الظاهرة راح ما يسمونهم بـ "الذباب الإلكتروني" إلى إطلاق منصات إلكترونية بمثابة وكالات أنباء شعبية تخصصت في نشر الأكاذيب والمغالطات على أنها حقيقة حتى يدخلون الشك في نفوس المتظاهرين وزعزعة الثقة بين بعضهم البعض وإعادة إحياء شبح الجهوية الذي قد يعصف بسلمية الحراك.

ومازاد من حدة خطورة إنتشار الشائعات تداولها حتى في بعض وسائل الإعلام التي جعلت من الفيسبوك ووكالات الأنباء الشعبية مصدرا لها دون التثبت من صحتها، ففي السابق عندما تسأل عن مصدر المعلومة يقال لك "سمعناها من فلان، أو يقولون كذا، أو الناس تحكي…" لكن في وقتنا الحالي أصبحت الإشاعات أخبارا ومسلمات غير قابلة للنقاش لأنها تنشر في وسائل الإعلام، فكم من مرة نشرت فضائيات جزائرية أخبار ثم نفتها بعد دقائق من نشرها؟

وفي ظل غياب الجهات الرسمية وعدم تطور ٱلياتها وطرقها لمواجهة الإشاعة تواصل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي نشر الأخبار غير المؤكدة ويواصل الجزائري تصديقها تصديقا قاطعا بل يتحول إلى مدافع شرس عنها لأنه يعيش فراغا معلوماتيا ويبحث عن المعلومة حتى وإن كانت غير مؤكدة فقط لأنها تبهر وتغوي وتسحر الألباب وتلهب الحماسة. ومن المعلوم أن الإشاعة تقوم بمفعولها السحري اذا كان الموضوع مهما وكبيرا ويشغل حيزا من اهتمام الجمهور، وبحسب كتاب "سيكولوجية الإشاعة" للألماني "جوردون ألبورت" فإن انتشار الإشاعة يساوي أهمية الموضوع المتصل بالشائعة مضروبا في مدى الغموض حوله.

وهذا نفسه ما ينطبق على الجزائر في الوقت الحالي إذ أن غموض السلطة في التعامل مع الحراك إضافة إلى الفراغ الدستوري زاد في رواج الأخبار الزائفة كما زاد من صعوبة التمييز بينها وبين الأخبار الصحيحة. الأعنف من كل هذا هو ضعف ثقافة الإتصال وانعدام الثقة بين السلطة والمجتمع، وخير دليل على ذلك هو تكذيب الجزائريين لكل الأخبار والصور الصادرة عن وسائل الإعلام الرسمية، فلما انتشرت إشاعة موت الرئيس السابق بوتفليقة في مستشفى سويسرا صدقها معظم الناس، لكن بعدها بأيام ظهر للعيان وهو يستقبل الدبلوماسي الأخضر الابراهيمي، فاتهم بعض النشطاء التلفزيون العمومي بفبركة الصور، ثم ظهر مرة أخرى وأخيرة يقدم استقالته للمجلس الدستوري لتدحض الإشاعة نهائيا.

والحديث عن الإشاعات في هذه المرحلة لا تعوزه أمثلة فهي كثيرة ومتعددة، تتصدرها إشاعات الوفيات، أو ما يعرف بــ "الاغتيال الإعلامي" راح ضحيته الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة في مرّات عديدة، وكذلك وفاة صحفية أثناء تجمع للصحفيين يوم 28 فيفري 2019 بعد توقيفها من قبل قوات الشرطة، قبل أن تكذب المديرية العامة للأمن الوطني تكذيبا قاطعا هذه الإشاعة المغرضة. هذا دون أن ننسى عشرات الإشاعات يوميا، بعضها عن إعتقال رجال أعمال متهمين بقضايا فساد، وأخرى عن منع شخصيات من مغادرة التراب الوطني، وكذا إشاعات عن حل البرلمان وإستقالة وزراء في حكومة بدوي الجديدة، وتعيين وزراء آخرين..

هذه إشاعات وأخرى لم تنطلق بصفة تلقائية وليست مجرد كذبة بيضاء من باب الدعابة والتسلية وإنما حرب نفسية مضادة من قِبل عصابات سيبرنية تهدف إلى تشتيت ذهن الشعب الجزائري وخلق الفتن بين أطيافه وتركه يتخبط في موجة من الأخبار المتناقضة، ولا غرابة أن قلنا أن الاشاعة صناعة قائمة الذات، تنفذ وفق خطة مدروسة ولها منتجوها المتخصصون. ومن هنا تتحول الإشاعة إلى سلاح خفي يهدد أكبر حراك سلمي في العالم، إذا لم يتفطن له الشعب الجزائري قبل أن يصبح هذا السلاح ذخيرة مدمرة يتسبب في ضرر أو فساد للبلاد والعباد أو ضرب استقرار ووحدة الوطن.

لذا وُجِب على أبناء نوفمبر أن يتفطنوا لما يحاك ضدهم في الخفاء لكي لا يسقطوا كما سقطت أمم من قبلهم، لا نقول هنا أن يوقفوا الإشاعة فهي لن تتوقف إلا إذا اِمتنع الناس نهائيا عن الكلام ولكن على الأقل التصدي لها بواسطة التكنولوجيا، فهذه الأخيرة بالرغم من أنها ساهمت بشكل كبير في انتشار الشائعات والأكاذيب، إلا أنها وفرت الحلول لمكافحة الشائعات من خلال نقرة زر واحدة على محرك البحث "غووغل" بفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أو من خلال عملية التعقب الرقمي حتى ينكشف منبع الإشاعة.

وفي ظروف كهاته كان لزاما على الجهات الرسمية والسلطات أن تعمل بقاعدة: "الكثير من المعلومات الدقيقة يعني القليل من الإشاعات" حتى تتمكن من تضييق نطاقها ودحضها عند مصدرها. وعلى الصحفيين أن يتحلوا بالانضباط الاعلامي والمهني وينادوا به كمبدأ، لأنه لا يستقيم العمل الصحفي دون نشر الحقيقة والتحقق منها قبل النشر، فهذا هو مبدأ الصحافة الأسمى.



حول هذه القصة

لن يكون السيناريو الجزائري مختلفاً عن غيره، الظروف مختلفة، الأطراف مختلفون، لكن النتيجة ستكون واحدة، وهي سلب أحلام الجزائريين والانقضاض على أي أمل لديهم بالتغيير.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة